رواية عشق شرف انتقام الفصل الثامن عشر 18 بقلم نور كرم
الفصل الثامن عشر
_"ريان" أنا عايزه أخلف!!
قالتها بهدوء، وعيناها تلاحقان نظراته لحظةً بلحظة… فانكسرت عيناه بدهشةٍ مكتومة، وتراجع خطوة للخلف وهو يقول:
_ تخلفي!؟
لاحظت ابتعاده، فابتسمت برقة واقتربت منه بخفة، وقالت بحب:
_ آيوه... ويبقى ابنك منك إنت كمان!؟
التقطت بعينيها ذلك الضعف الذي حاول إخفاءه… فاهتز قلبها لأجله. كم كانت تلك الأخرى قاسية حين سلبته إحساس الأبوة، وتركته يصدق أنه العيب!
رفع أنامله يعبث بخصلاتها، حيرةً وألمًا، وهو يقول:
_ أيوه يا شرف بس أنتِ عارفة إني.. مبخـ....
قبل أن يُكمل، وضعت كفها فوق شفتيه، تقاطعه بابتسامة حنونة وهمست:
_ مفيش الكلام ده... كل شيء في الدنيا ليه علاج.. ربنا كبير وهيحن علينا..
تعالى نروح عند الدكتور ونشوف الغلط منين مش يمكن تكون كويس!!
تنهد بوجعٍ ثقيل وقال:
_ كويس إيه يا شرف... أنا بقالي خمس سنين بحاول ومعرفتش أبقى أب... ندمت إني اتجوزت لأنه في الآخر جيه عليّا أنا بالخسارة...وتكتب عليّا جوازة وخلاص...
امتلأت عيناه بحزنٍ صامت، فاقتربت منه أكثر وقالت بهدوءٍ دافئ:
_ أنا مش عايزك تقول كده يا "ريان" ربنا مبيجبش حاجة وحشة، وأنا بقولك تعالى نجرب... وآخر مرة!
ظل شاردًا في عينيها… يرى فيها أملًا يخاف أن يصدقه.
كان خائفًا… لا من الفشل، بل من أن يخسرها كما خسر كل شيء من قبل.
ماذا لو تركته؟ ماذا لو انكسر أمامها؟
أغمض عينيه، وزفر ما بداخله من ضيق، ثم هز رأسه موافقًا:
_ طيب يا شرف... أما نشوف آخرتها.
ابتسمت بسعادةٍ صادقة وقالت:
_ كل خير إن شاء الله!
وتعلقت به، تضمّه كأنها تحتضن قلبه لا جسده فقط…
تردد قليلًا، لكن همستها كسرت ذلك التردد:
_ أحضني يا ريان... مطلعنيش من حضنك!!!
فشدّها إليه أخيرًا، بكل ما فيه من احتياجٍ مكتوم.
ابتعدت عنه إنشًا، تمسح وجهه بعينيها العسليتين، وقالت بصدق:
_ أنا بحبك أوي يا ريان.. وبكره اللي يكرهك واللي يزعلك.. أنا مش عايزه أكسرك ولا أجبرك على حاجة.. بس سواء كنت بتخلف أو لأ فأنا مش هسيبك أبدًا..
يكفيني وجودك جنبي، صوت نفسك، ريحتك، والأمان اللي بيدخل قلبي أول ما بشوفك.. ده عندي كفاية!
ارتجف شيءٌ بداخله… كلماتها البسيطة لامست أعمق جراحه، كأنها تضمّد ما لم يُرَ من كسوره.
لم يعد قادرًا على كبح ذلك الشوق… ذلك القرب الذي حُرم منه طويلًا.
اقترب منها ببطء، وعيناه تغرقان في عينيها…
لا استعجال هذه المرة، فقط لهفة هادئة… عميقة… موجعة.
حاوط وجنتيها، ومال يستنشق عبيرها، وكأنه يحفظ ملامحها في ذاكرته خوفًا من أن تضيع.
ابتسمت، مستسلمة لذلك القرب الذي طال انتظاره…
ارتفعت على أطراف قدميها، تتعلق بعنقه بدلالٍ خجول،
فلم يمنحها فرصة أخرى…
وانتشلها بقبلةٍ مشتعلة، تحمل شوق سنواتٍ كاملة…
قبلة لم تكن مجرد رغبة… بل عودة روحٍ إلى مكانها.
ابتعدت عنه بأنفاسٍ متقطعة، وهمست بصوتٍ سلب ما تبقى من اتزانه:
_ ريان.!
في لحظة، كان يحملها بين ذراعيه، كأنها أثمن ما يملك…
اتجه بها إلى الفراش، وعيناه لا تفارقانها…
تمدّدت، تنظر إليه بقلبٍ مفتوح… بلا خوف هذه المرة.
ومال هو نحوها… لا ليأخذ، بل ليحتوي…
ليُخبرها دون كلمات… أنها اختارته، فاختارها العمر كله.
لتنسدل اللحظة ستائرها على قلبين…
لم يجتمعا صدفة،
بل بعد حربٍ طويلة مع الفقد…
وكأن هذا العناق… لم يكن بداية حب، بل نهاية وجع.
انهاهُ هو بجعلها زوجته شرعًا وقولاً علي سنة الله ورسوله!
• • • •
في صباحِ يومٍ جديدٍ استفاقت... مع مرور أشعةِ الشمس العابرة من نافذة غرفتهم... تسلّط الضوء على عينيها النائمتين، فتداعبهما برقةٍ خاطفة جعلت أهدابها ترتجف.
فتحت عينيها بثقلٍ خفيف، حتى وقع بصرها على ذاك النائم بجانبها، وكأنه بعالمٍ غير الذي تمكث به...
ابتسمت له بخفةٍ تشبه الفراشات... وتحملقت به بنظرت عشقٍ وتأملٍ لا تملّ منه أبدًا، ولو أخذت ألف سنة فلن تمل من تأمل محيّاه تلك...
وللحظةٍ باغتتها تلك الذكرى... ليلة أمس، حتى ضجّت وجنتاها بحمرة الخجل.
ضغطت على شفتها السفلى، واقتربت تُخفي وجهها بعنقه، وكأنها تختبئ منه... وبه في الوقت ذاته...
وفي ثوانٍ معدودة كانت تبتعد عنه بخجل، عندما شعرت بأنامله تنساب فوق بشرتها العارية أسفل الوشاح بأريحية، فسحبت أنفاسها... وفي لحظة كان يعلوها، مثبتًا يديها في حركةٍ خاطفة وهو يقول:
_ مسكتك!!
ابتسمت بخجل، وحاولت دفعه ولكن هيهات هيهات... كانت قبضته على ذراعيها أقوى بكثير من دفعتها تلك... مدت شفتيها بعبوسٍ لطيف وقالت:
_ أنتَ صحيت أمتى... خضتني يا ريان!!
مال يقبل وجنتيها برقة، وهو يهمس بلطف:
_ اسم الله عليكِ من الخضة يا قلبي!
ليتابع بحب:
_ بصراحة أنا صاحي من بدري، بس كنت عايز أعرف هتعملي إيه... وأنا نايم، مش يمكن تغرغري بيا!!
_ أتغرغر بيك!؟
قالتها ضاحكة، ليبتسم هو قائلًا بعبوسٍ زائف:
_ أيوه، أصل أنا عارفكوا يا ستات اليومين دول ملكوش أمان... يعجبكوا الشاب مننا فتغرغروا بيه!!
صدحت ضحكتها عاليًا، لترفع حاجبيها بتذمرٍ قائلة:
_ والله ده الستات برضو اللي كده!؟
_ أيوه!
قالها مؤكدًا بوقاحة، قبل أن يكمل بنبرةٍ مازحة وعيونٍ جريئة تتفحصها من أخمص قدميها حتى خصلاتها... هامسًا:
_ بس سيبك أنتِ من الكلام العبيط ده... أنتِ كنتِ امبارح وحش الكون!!
جحظت عيناها بصدمةٍ من جرأته، فحاولت دفعه قائلة بغضبٍ خفيف:
_ بطل قلة أدب يا ريان!
_ قلب ريان... وعيونه إنتِ يا بطل المجرة، إنتِ يا ولااا...
هتف بمغازلةٍ صريحة، قبل أن يميل على شفتيها هامسًا برقة:
_ تسمحيلي أقطف التفاح ده... شكله استوى وبقى أحمر!
ابتسمت رغمًا عنها، وهي تستنشق أنفاسه... أفلتت قبضتها لتلتف حول عنقه برقة، وهمست بدلال:
_ بجد وحلو التفاح!
_ يلهوي... ده سكر كده... ده كأني جيت في الموسم بتاعه!
غمز بشقاوة، لتضحك هي برقة، وقربته منها أكثر وهمست:
_ طب متقطفه!!
_ بس كده! دانا هقطفه، وأدلعه، وأشخلعه... تعالى بقى يا تفاح أمريكاني يا مسكر!
قال بمشاغبة، وهو ينقض عليها كالأسد الذي انقضّ على فريسته... بدلته هي بضحكةٍ رقيعة سلبت ما تبقى من كيانه... قرب وجهه منها بهدوء، وحك مقدمة أنفه بعنقها يستنشقها، هامسًا بنبرةٍ مسحورة:
_ ده كأني كنت غرقان وحيت من تاني يا شرف... هتقوليلي ليه؟ هقولك لأني في أكبر أحلامي دلوقت... حلم مقدرتش أحققه بإرادتي، ولا بالفلوس، ولا بالسلطة... قربك عندي كفيل يخليني أخسر كل حاجة وأنا مستريح...
أنتِ حلمي يا شرف، واتحقق بقربك... بنفسك... بلمستك... وحضنك ده... حضنك ده عندي بكل كنوز الدنيا!
_ كنت عارفة إنك بتحبني... بس مكنتش متخيلة كل الحب ده!؟
قالتها بتوهانٍ في عيونه التي كانت تأخذها لعالمٍ آخر، ليرمق ما بين عينيها وشفتيها بعشقٍ وهمس:
_ بحبك أكتر مما تتخيلي... حبي ليكِ مش مجرد كلام يا شرف...
ابتسمت بحب، ولمعت عيناها... وبان أكثر كلما زاد احترامه وحبه في عينيها... هو كان أمانًا لها من أول مرة رأته فيها، حتى هذه اللحظة...
هي أكيد مش هتبطل تحبه... يمكن هو الإيد الحنينة الوحيدة اللي طبطبت عليها، ومدّت لها الحب من غير مقابل... حتى لما كان نفسه تبقى مراته رسمي، مضغطش عليها... بالعكس، سابها لحد ما هي قررت ده.
حس بتوهانها وعيونها اللي سرحت... فابتسم لها، وأشار أمام عينيها قائلًا:
_ هااا... روحتي فين يا بطتي!!
استفاقت من شرودها على صوته الرخيم... لتبتسم بحب، وهزت رأسها نافية:
_ لاء أبدًا... أنا بس اكتشفت إني اخترت صح... وإني لما حبيتك مغلطتش يا ريان...
كل يوم احترامي ليك بيزيد عن اللي قبله... ومعرفش حبك في قلبي هياخدني بيك على فين!؟
ابتسم قلبه قبل شفتيه عمّا تفوهت به... ولو يستطيع شرح ما يشعر به الآن لفعل...
اكتفى بأن يميل على شفتيها، يتناولهما بشراهةٍ بين شفتيه... ويسحبها بيديه لعالمٍ آخر، يشرح لها فيه مدى حبه العميق... كلماته، همساته، وأنفاسه...
يطربها بين الحين والآخر بمغازلةٍ جريئة... وكلماتٍ أخرى تسحب ما تبقى من فؤادها... وأخرى تجعلها تتعلق به أكثر... وكأنها تريد أن تُدخله بين ثناياها، ولن تكف عن حبه الجامح الذي أمسك بها... ولن يفرقهما إلا الموت!
• • • •
وبعد مرور ساعةٍ تقريبًا، كان يقف أمام المرآة وهو يهندم ثيابه بأناقةٍ هادئة...
قبل أن يُفتح باب المرحاض، وتخرج منه تلك الفاتنة... وهي تجفف خصلاتها، وتلتف حول جسدها بمنشفةٍ تُظهر أكثر مما تُخفي...
تمسكها جيدًا حتى لا تنفلت... ولم تنتبه لتلك العيون المفتونة التي تتربصها بدقة، وترمق تفاصيلها مع كل خطوةٍ تخطوها... نظراتها... أنفاسها... حركات يديها... من أخمص قدميها حتى خصلاتها المبللة... التي تنسدل بتموجاتٍ خفيفة فوق كتفيها العاريين... وأخرى مبعثرة فوق ظهرها، تنساب منها قطرات تشبه الندى... لا يلحظها إلا عيناه الحادتان...
لم تنتبه لنظراته تلك، فقد كان هائمًا بعالمٍ آخر...
مثل المسحور، المسلوب الإرادة، عجز عن الحديث أو حتى الإشارة...
استفاقت أخيرًا من ترتيباتها الأنثوية، تدلك ما ظهر من جسدها ببعض الكريمات التجميلية... ولم تنسَ وضع المّسك الخاص بها... فوق أماكن النبض خاصتها...
رفعت عينيها أخيرًا، لتقطب حاجبيها بتعجبٍ من نظرته لها، ومن وقوفه أمام المرآة بتلك البذلة التي أظهرت عرض منكبيه... وطول قامته... ووسامته أكثر من ذي قبل...
اشتعل قلبها بغيرةٍ خفيفة، ولم يدُر بخلدها إلا سؤال واحد... ماذا لو رأته أنثى بتلك الهيبة... فيهب قلبها مفتونًا بحبيب فؤادها... بلاا...
فزّت واقفةً من جلستها، لتصبح أمامه بنظراتٍ تتفحصه من أخمص قدميه حتى خصلاته المرتبة بعناية... رفعت حاجبيها بضيقٍ وقالت:
_ الله الله... إيه الشياكة دي كلها... على فين بقا يا ريان بيه!!
لم تعِ لتلك العيون الهائمة... ولا لأنفاسه المضطربة... ولا لصعود صدره بحدة... كاد قلبه ينفلت من موضعه... أصبح يرتبك أمام عينيها... يا ويلاتاه...
وفي لحظةٍ خاطفة، كان يحيط خصرها بتملك، ويقربها منه بقوةٍ أخجلتها وأفزعتها في آنٍ واحد... ارتفّت أهدابها بتعجبٍ، وتحدقت بنظراته الشبه تائهة، وخرج صوتها متعثرًا بدهشة:
_ فـ... في إيه مالك!?
_ مسحور
همس أمام عينيها المرتبكتين الممتلئتين بالحياء، لتقطب حاجبيها بعدم فهم، وهمست:
_ يعني إيـــــــــه!?
_ بقيت مسحور... مجنون بيكِ وبحلاوتك... وطعامتك دي!!
هتف بنبرةٍ هائمة، لتزفر هي ما بداخلها بارتياح... للحظةٍ ظنته قد جُنّ حقًا... عقدت شفتيها بتذمرٍ جعلها أشد لطفًا، لكزته في كتفه بحدةٍ أوجعته لا ينكر، وقالت:
_ بجد... وإنتَ يعم المسحور... رايح فين بالشياكة دي كلها وسيابني لوحدي..
ضحك بخفةٍ من دفعتها الأخرى التي سددتها له... وقال:
_ آه يا مفتريه... في إيه رايح الشغل... وبعدين أنا أقولك مفتون ومسحور تقومي تلويلي بوزك كده!!
أبعدت يده التي تحاوطها بحدة، فكادت المنشفة تنسدل عنها وتقف عارية أمام عينيه... لولا أنه التحق بها، وأمسكها بقوة، وأحكمها جيدًا فوق صدرها حتى لا تقع... وعاد يرفع وجهها الأحمر من ذقنها، وقال:
_ مالك مديقه ليه!!
_ اوعي إيدك
هتفت بحدةٍ خفيفة، لترفع سبابتها في وجهه وقالت:
_ أنا عايزه أعرف جوزي... رايح فين كده وهو على سنجة عشرة!!
عقد حاجبيه بعدم فهم... فلوهلةٍ قد قال لها... ولكن آه من تلك العيون التي تشتعل بنيرانٍ يعرفها جيدًا... هي تغار... ابتسم دون دافع، ورد بمشاغبة:
_ بتغيري عليا يا بطتي ولا إي!?
رفعت أنفها بكبرياءٍ زائف... تحاول أن تداري به نار عينيها، وقالت:
_ بغير... وده ليه إن شاء الله متجوزه تنكروز... لا يا حبيبي أنا بس عايزه أعرف!!
_ طب منا قولتلك الشغل!
_ شغل إيه ده اللي تروحله متشيك كده!
اندفعت بغيرةٍ قاتلة، ليبتسم هو عليها، وعلى تذمرها الذي جعلها تبدو ألطف وأجمل بكثير... واقترب منها بهدوءٍ وقال:
_ والله أنا مش فاهم أنتِ بتتخنقي على إيه... وتشيك إيه اللي بتتكلمي عليه... منا بنزل كده كل يوم... بس اللي ياخد باله بقا يا مكفرنا!!!
تذمرت شفتيها أكثر، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت رغم أنفها:
_ لاء... إنتَ النهارده متشيك أكتر... إيه يا ريان بيه عايز البنات تعكسك ولا إيه... أيوه مهما... دول اللي الرجاله ياخدونا لحم ويرمونا عضم... لسه... ده لسه إمبارح كنت بتقولي بحبك وهتموت عليا... ولا إنتَ خدت غرضك ومشيت خلاص... أيوه منا لقمه سهله تتنسي... وآخرها تتباس وتتحط جنب الحيط... روح يلا روح شوفلك واحده غيري!!
__ ينفع تسكتِ!؟
اندفع بسرعة، وهو يحاوط شفتيها بكفه الغليظ، لتجحظ عينيها بتعجبٍ حتى ظهر اتساعهما... أبعد يده ببطء، وكأنه يخشى انفجار كلماتها من جديد... لكنها بدت هادئة، فأبعدها كلها... أمسك ذراعيها المعقودتين أمام صدرها، وقربها منه بهدوء حتى باتت في أحضانه... رفع ذقنها بسبابته، وقال برفق:
_ عايزك تشيلي كل الكلام ده من بالك ومتفكريش كتير... هنا وهنا مفيش غيرك.
قالها وهو يشير على قلبه وعقله... لتهدأ أنفاسها قليلًا، وابتسمت رغمًا عنها... ليبادلها هو بخفة، ورفع أنامله يلف خصلاتها حولها، ويستنشقها بحب، وكأنه يريد دفنها بين أضلعه... وهمس:
_ إيه... رأيك لو سفرنالنا يومين كده!
_ بجد ده فين وأمتى... تعرف دي هتبقا أول مره أطلع فيها من البلد... هي حلوه مصر!؟
قالت بحماسٍ وعيونٍ يملؤها الشغف... ليبتسم على حالها، فقد تبدل غضبها وغيرتها في لحظة... وقال بحب:
_ تحفه... بس أحنا مش هنسافر مصر... إحنا هنروح المالديف!
قطبت حاجبيها بتعجبٍ وقالت:
_ بس أنا عايزه أشوف مصر!
ضحك برحابةٍ على تذمرها ذاك... هو يعرف أنها لو عرفت تلك البلد الأخرى ما رفضت أبدًا، وتمنت الذهاب إليها... هدأت ضحكاته أسفل نظراتها المتذمرة، وقال:
_ يبنتي بقولك مالديف تقوليلي مصر... دي بلد ولا الخيال... المهم هوديكِ حاضر!?
_ أنا معرفش البلد التانيه دي... وصراحه محبش الغربه... لو هسافر هيبقا جوا بلدي عادي!.
أردفت بإصرارٍ شديد، ليضحك هو بخفة، وهز رأسه موافقًا وقال:
_ من عيوني لعيونك يا حبيب القلب!!
امتلأ ثغرها بابتسامةٍ واسعة، وتعلقت بعنقه بسرعة حتى شبت واقفةً على أطرافها... وهمست بأذنه:
_ بحبك يا رياني!!
_ وأنا يا قلب ريانك!
قالها بحب... وهو يحوطها بدفءٍ بين ذراعيه، لتبتعد هي إنشًا، ورفعت عينيها الفاتنتين وقالت:
_ طب هتتأخر على الشغل كده... تقدر تمشي خلاص!!
_ عفيتِ عني يعني!?
قالها ضاحكًا، لتبادله هي وهزت رأسها قائلة:
_ أيوه!!
مال يلتقط شفتيها في قبلةٍ خاطفة... بادلتها له بكل حب، وهي تقربه منها بقوةٍ أكثر... ابتعد عنها بعد لحظات، وهمس:
_ هتوحشيني لبليل!!
_ وإنتَ يا روحي هتوحشني مووت مووت!
قالتها بحب، ليبادلها بقبلةٍ أعمق على وجنتيها، وقال:
_ طب يلا باي... أشوفك بليل!
_ باي... ومتنساش تجي بدري عشان نروح لدكتور!
قالتها بهدوء... جعله يرتبك، لكنه تغاضى عن هذا الشعور... ودعها بسرعة، ورحل من أمامها متجهًا إلى عمله... طالعت طيفه حتى اختفى تمامًا من أمامها... لاحظت عينيه، وكم بدا الحزن عليهما... حاول هو إخفاءه بشتى الطرق... لكنها لم يغب عنها هذا أبدًا... فقد باتت تعرفه عن ظهر قلب... ولن يغيب عنها شيءٌ يخصه أبدًا!!
• • • •
وبعد مرور ساعة من رحيل "ريان"...
كانت "هنا" تجلس داخل غرفتها، تمسك هاتفها بعصبية واضحة، وأصابعها تكاد تنغرس فيه من شدة توترها، وهي تقول بانفعال:
_ وبعدين معاك بقا يا شريف... يعني إيه اللي بتقوله ده.. إزاي عايزني أسرق أوراق الملكيه... ريان لو مسكني ساعتها مش هيسب فينا حتي سليمه
ليأتيها الرد أشدّ برودًا، صوته خالٍ من أي قلق، وكأن الأمر لا يعنيه:
_ لاء... يا عبيطه مهو إحنا هناخد الورق ونزور توقعيه.. وساعتها بقا نهاجر بره مصر معلش ما أنا مش هسيبه لحد ميكتشفنا وفي لأخر نقول يا رتنا
تنهدت بضيق، وزفرت الهواء بحرارة، وعينيها تلمعان بقلق حقيقي، لتقول بارتباك واضح:
_ لا... لاء أنا قلقانه سابني أفكر الموضوع مش سهل زي مأنت بتقول!
تأفف الآخر بضجر منها، ونفد صبره سريعًا، ليقول بحدّة:
_ أوووف عليكِ بقا كل حاجه مجنناني كده... روحي دلوقتي فكري وردي عليا... ولو معملتهاش صدقيني هعملها أنا متبقيش تزعلي!!
ثم أغلق الهاتف في وجهها دون انتظار رد، لتخفض الهاتف ببطء، وأنفاسها تتسارع، قبل أن تزفر بضيق وهي تنظر إليه بغضب، وكأنها لو استطاعت لكانت حطمته إلى أشلاء...
وفي نفس اللحظة... فُتح باب غرفتها فجأة.
انتفض جسدها بصدمة، والتفتت بسرعة ناحية الباب، لتتحول صدمتها في لحظة إلى غضب مشتعل عندما وجدت الطارقة "شرف"...
تدلف إلى الغرفة بخطوات ثابتة، ونظراتها تدور في المكان باشمئزاز واضح، وكأن وجودها هنا يثير نفورها.
قطّبت "هنا" حاجبيها بعدم استيعاب، واقتربت منها بخطوات سريعة، قبل أن تنفجر في وجهها فجأة:
_ إيه يا بتاعه أنتِ مين اداكي الحق تدخلي كده من غير ما تستأذني!!
_ براحتي!
ردت بها ببرود مستفز، أشعل الدماء في عروقها، لتتقدم "شرف" بخطوات متمهلة، تتمايل بثقة مستفزة، وهي تقول بتملك واضح:
_ بيت جوزي حبيبي... أدخل المكان اللي أحبه وأطلع من المكان اللي أحبه.. عادي!!
اشتعلت عيون "هنا" بالغضب، وقالت بنبرة حادة:
_ إيه الاستفزاز ده... وأنتِ يعني لما تعملي كده أنا هسكتلك!!
ابتسمت "شرف" بسماجة مقصودة، ثم قالت ببطء مستفز:
_ أيوه.. ومن النهارده أنا مش عايزه أسمع صوتك نهائي... دأنتِ جيتي تحت إيدي ومحدش سما عليكِ و يا أنا يا أنتِ يا واطـ.... يـ..ه!!
نطقت كلماتها ببطء، وكأنها تغرس كل حرف في أعصاب الأخرى، لتشتعل "هنا" أكثر، ويعلو صدرها هبوطًا وصعودًا من شدة الغضب...
اقتربت منها بسرعة، وأمسكت معصمها بعنف محاولة دفعها للخارج، لكن "شرف" لم تتردد، رفعت كفها ودَفعتها بقوة، لتتهاوى "هنا" أرضًا...
لم تكتفِ بذلك، بل انحنت عليها، وانتزعت خصلات شعرها بين أصابعها بعنف، وأجبرتها على رفع وجهها، وعيناها تشتعلان بغضب قاتم، وقالت من بين أسنانها:
_ بقا واحدة زيك ترفع إيديها عليا لاااا... ده لا عاش ولا كان اللي يرفع إيده علي "شرف الهلالي" تتقطع!
وقسمًا بجلالة الله لو محترمتي نفسك ولمتي كرامتك وغورتي من البيت ده... لفضحك فضيحة يشهد عليها البلد كلها.. وأنتِ بقا متعرفيش المستخبي فمتخلنيش أطر أطلعه كله مرة واحدة!
اتسعت عينا "هنا" بصدمة مرعبة، وتجمدت ملامحها بالكامل...
تجمد عقلها، وبدأت الأفكار تضربها بعنف
ماذا تقصد؟ ماذا تعرف؟
هل اكتشفت خيانتها؟ أم خطتها؟ أم... كل شيء؟!
تسارعت أنفاسها، وشعرت وكأن الأرض تميد تحتها...
تركتها "شرف" فجأة، ونهضت بابتعاد، تنفض يديها باشمئزاز، وألقت عليها بعض السباب الذي لم يصل حتى إلى سمع "هنا"...
فقد كانت غارقة في عالم آخر... عالمٍ واحد نتيجته مؤكدة: نهايتها.
ريان سيعرف..ولن يرحم.
ارتجفت يدها وهي ترفع الهاتف مرة أخرى إلى أذنها، وصوتها خرج مهتزًا، بالكاد يُسمع:
_ أظاهر إننا معندناش حل غير اللي قولته وفي أقرب وقت!
• • • • •
وفي المساء... أتى "ريان" ليأخذها كما وعدها، للذهاب إلى الطبيب...
لاحظت توتر ملامحه، وارتباك أنفاسه أمامها...
وأثناء قيادته للسيارة، كان شديد الغضب، يحدّق في أي شيء إلا عينيها...
يتجنب النظر إليها، وكأنه يخشاها... يخاف أن تهتز صورته أمامها، أو أن تتركه إن سمعت شيئًا لا يرضيها...
لاحظت ذلك، فرقّ قلبها الحنون....
اقتربت منه بهدوء، وأسندت رأسها على صدره بحنان، وذراعاها تلتفان حوله بدفء، كأنها تحتوي خوفه قبل أن ينطق به...همست بصوتٍ ناعم:
_ متقلقش يا حبيبي... أنا واثقة في ربنا مش هيكسفنا أبدًا!
زفر ما بداخله من ضيق...
فماذا يريد أكثر من صوتها هذا؟
ذاك الصوت القادر على تهدئة فوضاه، والتربيت على قلبه المثقل بالخوف... خوفه من فقدانها قبل أي شيء...
كم أن القلب لا مالك له... حتى وإن كان صاحبه...
تظن أنك تتحكم به، حتى يغلبك العشق، فتصبح كطفلٍ وديع...
ينتظر لحظة طمأنينة عابرة، أو لمسة حنان تُعيد إليه الحياة...
استنشق رائحتها بعمق، حتى هدأ اضطراب صدره قليلًا...
وبعد دقائق...
كانا داخل غرفة الطبيب...
يجلس "ريان" أمامه، يحدّق في الأشعة والتحاليل بين أنامله بدقة شديدة، وكأن مصيره بالكامل يتوقف على تلك الأوراق...
خلع نظارته بهدوء، ووضعها فوق المكتب، في حركة أربكت قلب "شرف"...ثم زفر بهدوء، وقال:
_ آه والله عال ما شاء الله.. هو حضرتك عملت التحاليل دي إمتى!؟
_ أنا لسه عاملها امبارح... والتحاليل دي عملتها من تلت سنين كده، وكانت بتأكد إني مستحيل أخلف خالص، وده السبب الوحيد اللي خلاني أيأس وأبطل أمشي ورا الموضوع ده!
قالها بارتباك شديد، وهو يمد يديه بالتحاليل للطبيب مرة أخرى...
أخذها الطبيب منه، وبدأ يتفحصها من جديد بدقة...
بينما ريان كان ينظر إليه بقلق ينهش صدره...
أما "شرف"...
فكانت جالسة بصمت، وداخلها بحر من الأسف على رجلٍ حُرم من أبُوّته بسبب إنسانة حقيرة...
رفعت عينيها إليه، وابتسمت له ابتسامة صافية، سحبت ما تبقى من توتره...
قطع الطبيب الصمت، وهو يرفع حاجبيه بدهشة، وقال:
_ أيوه يا ريان بيه... التحاليل دي فعلًا بتقول إنك مش بتخلف... لكن التحاليل الجديدة بتأكد مليون في الميه إنك معندكش أي مشكلة... وما شاء الله عليك، يعني قادر على الإنجاب!!
اتسعت عينا "ريان" بفرحة غامرة، وقال بصوتٍ يكاد يرتجف من شدة انفعاله:
_ بجد يا دكتور... يعني أنا أقدر أبقى أب!!!
_ أكيد، الأرزاق بيد الله... لكن كل التحاليل والأشعة بتأكد إن المشكلة مش عند حضرتك في أي حاجة... وإن التحاليل دي تخص حد عقيم تمامًا، ومن المستحيل يبقى أب!
قالها الطبيب بتأكيد قاطع...
لينهار "ريان" جالسًا، ويدفن وجهه بين يديه، وهو يردد بفرحة غامرة:
_ الحمد لله يا رب... الحمد لله يا رب منّيت عليا... الحمد لله!!
لمعت عينا "شرف" بالدموع، دموع فرحة صادقة...
وأمسكت كفه، تحمد الله في صمت، شاكرة أنه لم يُخيب ظنها به...
تنهدت بعمق، وعادت تنصت للطبيب، الذي تابع بهدوء:
_ وكمان التحاليل اللي أجرتها مدام شرف كويسة جدًا... وبتأكد إن الحمل حاجة مؤكدة تحصل بإذن الله... ربنا يرزقكم يا رب!
ابتسم "ريان" بفرحة لا توصف، ونهض من مكانه، يصافح الطبيب بحرارة:
_ شكرًا أوي يا دكتور... أنا مش عارف أنا من غيرك كنت هعمل إيه!؟
قالها وقلبه يحلق عاليًا...
لا يصدق أنه سيصبح أبًا أخيرًا...
وكأن الله قد عوّضه دفعة واحدة عن كل ما فقده...
ابتسم الطبيب بودّ، وقال:
_ شرفتني يا ريان بيه... وإن شاء الله الزيارة الجاية تبقى مدام شرف هي اللي جاية، وتفرحني كده بحملها!
أومأ "ريان" بحماس واضح:
_ إن شاء الله يا دكتور... يلا السلام عليكم!
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...
• • • •
وبعد ساعة تقريبًا، كان يقف في شرفته، يحتسي كوبًا من القهوة الباردة، ويشاهد سطوع القمر في صفحة السماء، مع النجوم اللامعة، وينعكس ضوؤها على بؤبؤ عينيه ليظهر قهوتهما بشدة، تجعل من يراهما يذوب...
كان يتأمل السماء شاكرًا ربه على فرحته تلك، فلولاه ما تأكد من صحته اليوم، وأنه أبٌ يستطيع الإنجاب بالفعل...
وسيصبح أبًا قريبًا بإذن الله...
من تلك الفاتنة التي ملكت قلبه وفؤاده...
لا يكاد يصدق بأنها ستكون أمًا لأطفاله...
فماذا يريد الآن من هذه الدنيا؟ وعن أي ثأرٍ يبحث؟
فهي تعشقه، وهو يعشقها... سيصبح أبًا لأطفالها... وستعوضه عما مضى، وسيعوضها عما مضى لها...
لقد يئس من تلك الدائرة التي يدور بها بلا فائدة
عليه أن يتخلص من هذا الهم الذي يثقل كاهله...
وأصبح لا يطيقه حقًا...
ترددت تلك الغزالة بخلخالٍ يهتز مع كل خطوةٍ تخطوها إليه...
ترمقه بعينيها الواسعتين، تتأمل ظهره العريض، فتقترب منه بهدوء...
جعلت أنفاسه تتقطع، وكأنه سُحب منه الأكسجين...
ولم يشعر إلا بعطرها الأنثوي، الذي كاد يفقده عقله...
كم يعشقها، ويعشق رائحتها... أصبحت إدمانه الآن...
وقفت على طرف الشرفة، وهي تميل بجذعها العلوي على الباب، وخرج صوتها الناعم قائلةً بدلال:
_ هتفضل هنا كتير ولا إيه!؟
التفت بعينيه مرة واحدة، فتملّكته دهشة هزّت كيانه...
وهو يرمقها بتلك الهيئة الخاطفة للأنفاس، التي تجعل أعتى الرجال خاضعًا أسفل قدميها...
دلالها، وثيابها، وخصلاتها...
وعيناها المكحلة بلون السواد، وكأنها نمرة على وشك الفتك بفريستها...
وشفتاها المكتنزتان الممتلئتان بلون الكريز الأحمر، الذي يتمنى لو يقطفهما واحدةً تلو الأخرى...
وآهٍ من منحنياتها الصاروخية، التي جعلت عقله يغيب عنه، وكأنه بعالمٍ آخر...يريدها، ولا يريد غيرها...
زادت فوق فتنتها الجامحة تلك الخلخال المرصع ببعض الأصداف المستديرة، حول قدمها البيضاء، بلون بشرتها الوردية...
اقترب منها، غير مصدق هيئتها...عاجزًا عن النطق أمامها...
فما حاجة الكلام الآن؟
أو عليه أن يعلمها فنون العشق بيديه، التي تود أن تلتف حول خصرها المنحوت كتمثال الحورية...
في لحظةٍ تملّكته غيرة فاضحة، وهو يسحبها إلى الداخل، وكأنه يخشى أن يراها القمر بهيئتها فيغار منها...
جذبها من خصرها بتملك، وهو يستنشق عبقها الوردي، وهمس كالمجنون:
_ أنتِ عايزه مني إيه تاني مش كفاية عليا وعلى قلبي التعبان أكتر من كده!!
_ ليه يا روحي بتقول كده هو أنا زعلتك في حاجة!؟
قالتها ببراءة، وهي تحدق بعينيه العاشقتين حد النخاع، ليهمس هو قائلًا بقرب شفتيها:
_ يا ريتك بتعملي حاجة... كنت محتارتش كده... بس قلبي بقا بيدوب فيكِ يا شرف مبقتش أستحمل بعدك عني لحظة واحدة!!
ابتسمت برقة، هامسة بحنان:
_ وإيه هيجيب البعد منا جنبك أهو!!
خطف قبلةً ساحرة من ثغرها المكتنز...اهتز لها كيانه، وهمس بحب:
_ وأنا مش هسمح غير بكده... لو أنتِ مش جنبي أنا مش موجود في الدنيا كلها.
لثمت شفتيها، وهي تتحسس قبلته النابضة فوقهما...
وهمست بتوهان:
_ بعد الشر عليك إن شاء الله يجعل يومي قبل يومك... ومتحرمش منك أبدًا!!
_ بتحبني يا شرف!
همس وكأنه يرجوها تأكيدًا، لتهز هي رأسها سريعًا، وقالت بعشقٍ صادق:
_ بعشقك يا رياني!!
_ قلب ريانك.. هو شكله يوم عسل من أوله وهنجيب الولد النهارده!!
قالها بمشاغبة، وهو يرفعها بين ذراعيه بلحظة خاطفة، لتتردد ضحكتها الرقيعه أرجاء الغرفة، وهي تضحك عليه قائلة:
_ مش بسرعة دي برضو يا رياني!!
_ مش بسرعة إيه، هو ده زمن السرعة يا قلب ريانك... وهنجيبه يعني هنجيبه!!
قالها بمشاكسه، قبل أن يلقيها فوق الفراش بهدوء، ومال عليها يحتجزها برقة بينه وبين الفراش...
مائلًا على ملاذه الخاص، طابعًا قبلات حنونة فوق بشرة عنقها المرمري...
صاعدًا هابطًا بحرارة أذابت حصونها بين أنامله...
منتقلًا لشفتيها المحببة لفؤاده، يلتقطهما بين شفتيه، وهو يتقن فن العشق...
لتُسدل اللحظة ستائرها على قلوبٍ استوطنها العشق، وأرهقتها حروب الحياة...
ولم يبقَ إلا قلباهما ينبضان بالحياة من جديد...
• • •
وفي يومٍ جديد...ذهب إلى عمله ڪكل يومٍ اعتاده...
بينما كانت هي تجلس، تتآكلها حرارة الشوق...
تشتعل داخلها رغبة عارمة في الذهاب إليه، لرؤيته، للاختباء بين ذراعيه... هروبًا من تلك "البومة" أو كما تنعتها دائمًا "هنا"... التي تراها كل يوم...
ومع كل لحظة تمر...كان غضبها من نفسها يزداد...
وصوت ضميرها يعلو، ينهشها بلا رحمة...
كيف لم تخبره حتى الآن؟ كيف أخفت عنه خيانتها؟
طمعها؟ خدعتها؟
آهٍ... من هذا الثقل الذي يجثم فوق صدرها... يكاد يخنقها...
أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تحاول الهروب من أفكارها...
لكن...
صدح هاتفها فجأة في صمت الغرفة.
انتفض جسدها، وفتحت عينيها بسرعة، ثم ركضت نحوه بلهفة...
وقلبها يهمس باسمٍ واحد: "ريان"...لكن...
تجمدت خطواتها فجأة.وشحب وجهها...
واختفت تلك اللهفة، ليحل محلها اشمئزاز ممزوج بخوفٍ بارد...اسم "محمود"...يضيء شاشة الهاتف.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأغمضت عينيها للحظة تستغفر ربها...ثم أخذت نفسًا عميقًا، وردّت ببرودٍ :
_ إيه يا محمود!!
_ وحشتني يا قلب محمود.
خرج صوته محمّلًا باشتياقٍ جامح... اشتياق رجلٍ لم ينسَ، ولم يتراجع...لكنها...لم يتزحزح داخلها شيء...
تنهدت ببرود، وقالت بلهجة باهتة:
_ أعمل إيه يعني... ما أنت عارف إني مبخرجش من البيت، عشان كده مش بشوفك!
ساد صمتٌ قصير...لكن كان ثقيلًا... مريبًا...ثم جاء صوته... مختلفًا هذه المرة...
باردًا... حاسمًا... كطلقةٍ في الظلام:
_ أنا زهقت يا شرف... بصراحة كده أنا تعبت من الموضوع ده... فقولت أخلصه بقا!!
تجمد الدم في عروقها.
انتفضت واقفة دفعة واحدة، وقلبها بدأ يدق بعنف، كأنه يحاول الهروب من صدرها...وقالت بصدمة حادة:
_ يعني إيه... هتعمل إيه!؟
جاءها ده..هادئًا بشكلٍ مرعب.كأن الأمر لا يعنيه...
كأنه يتحدث عن شيءٍ عادي...وقال :
_ ريان... بعتله رجالة النهارده، حبايبي أوي وهيساعدوني... هيقتلوه ويخلصونا منه ونهرب إحنا بقا!!!
لحظة صمت...
سقط فيها كل شيء.اتسعت عيناها بذهولٍ مرعب...
واختفى الهواء من حولها...قلبها...توقف حرفيًا
ثم خرج صوتها بصدمة أهتز له بدنها:
_ إيـــــــــــــــــه!؟
تراجعت خطوة للخلف...
وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها...ووو
يُتبع
#عشق_شرف_أنتقام
يا رب الحلقة تعجبكم وحشتنوني والله ♥.
