رواية عشق شرف انتقام الفصل السادس عشر 16 بقلم نور كرم

رواية عشق شرف انتقام الفصل السادس عشر 16 بقلم نور كرم

الفصل السادس عشر
_ أنا... أنا سمعت "هنا" هانم... وهي بتقول إنها هي اللي زقّتك من على السلم... وإن "ريان" بيه لو عرف بعلاقتهم... هيقتلهم!
قالتها سميرة بصوت مهزوز، وهي بتفرك صوابعها في بعض بتوتر واضح…
جحظت عيون التانية بصدمة قاسية، وكأن الكلام نزل على قلبها ضربة واحدة… وجع مكتوم خبط جواها بعنف، خلّى نفسها يتلخبط للحظة…
كانت عارفة إن "هنا" مش كويسة… بس عمرها ما كانت تتخيل إن الشر يوصل بيها للدرجة دي…
تحاول تقتلها؟!

الفكرة نفسها كانت كفيلة تخلّي صدرها يضيق… وعينيها تتملي بوجع حارق…يعني… هي السبب؟!
هي السبب في اللي حصلها… في الخوف اللي عاشته…والالم علي أبنها اللي ملحقتش تتهنى بيه 
شدّت على إيديها بقهر، وأسنانها طبقت على بعض بعنف وهي بتحاول تستوعب…
ده غير خيانتها…

مش بس حاولت تخلص منها… لا… دي كمان خانت عشرة عمرها… جوزها اللي عايش معاها تحت سقف واحد!
اتحوّلت نظرة عينيها تدريجيًا… من صدمة لجمود… ومن الجمود لغضب بيتكوّن واحدة واحدة…
 لحد ما بقى نار بتلمع في عينيها…

إزاي واحدة ممكن توصل لكده؟
إزاي تبيع نفسها وعِرضها… عشان شوية فلوس؟!
ساعتها، اسم "ريان" جه في دماغها زي صاعقة…
ريان لو عرف… مش هيسكت.

ريان ممكن يقتلهم فعلًا… من غير ما يفكر لحظة.
اعتدلت في جلستها فورًا، وكأنها أخدت قرار في ثانية، وبصّت لسميرة اللي قاعدة قدامها وقالت بجدية ممزوجة بقلق:
_ طنط سميرة… أنا عايزاكِ ما تقوليش الكلام ده لأي حد… مهما كان مين…
"ريان" لو عرف بالمصيبة دي… مش هيسكت غير لما يخلص عليهم…
وإنتِ أكيد مش عايزاه يضيع!

هزّت سميرة راسها بسرعة، وقالت بنبرة صادقة فيها خوف عليه:
_ لا يا بنتي… ده ربنا عالم، "ريان" ده زي ابني وأكتر…
وأنا أصلًا ما كنتش هفتح بوقي… عشان كده جيتلك إنتِ… عارفة إنك هتفهمي وتتصرفي صح.

تنهدت التانية بهدوء، محاولة تلمّ شتات نفسها، وقالت:
_ طيب يا طنط سميرة… تقدري تطلعي دلوقتي… عشان محدش يشك في حاجة…
وأنا هبقى أجيلك ونتكلم براحتنا.

وقفت سميرة ببطء، وبصّت لها بنظرة كلها رجا، وقالت وهي بتتنهد:
_ مش عارفة جتلنا منين البلاوي دي… بس ربنا على الظالم…
وحسبي الله ونعم الوكيل!

ردّت عليها بهدوء متماسك، رغم النار اللي جواها:
_ حسبي الله ونعم الوكيل…

خرجت سميرة من الأوضة، وسابت "شرف" لوحدها…
وساعتها… سكت كل حاجة حواليها…
ما عدا صوت أفكارها…
قعدت مكانها، وعينيها ثابتة قدامها، بس عقلها شغال بسرعة مرعبة…

إزاي هترجع حقها؟
إزاي هتدفعها تمن كل وجع عاشته بسببها؟
إزاي واحدة زي دي… تتساب من غير حساب؟!
ابتسمت ابتسامة خفيفة… بس ماكانتش بريئة أبدًا…
لا… دي كانت بداية انتقام.

أما بقى عن "شريف"…
فده تحديدًا… هتخليه يندم على كل حاجة…
هتلفه حوالين صباعها… وتلعب بأعصابه لحد ما يفقد توازنه…
وهتخليه يدفع تمن خيانته… وغروره… وقلة أدبه…
خصوصًا وهو قاعد في بيت واحد… ما صانش عشرته… ولا خاف على شرفه…
وسابه يتمرمط في الأرض… بإيده…
والمرة دي…
الدور عليها…

•     •     •     •
وبعد خروج "سميرة" من الغرفة…
اتفتح الباب بعنف… ودخلت "هنا" من غير حتى ما تخبط…
دفعته بغل، وكأنها داخلة ساحة حرب مش أوضة…
انتفضت "شرف" بفزع، وعينيها وسّعت بصدمة، وقالت بغضب:
_ إنتِ إزاي تدخلي عليّا كده يا متخلفة إنتِ؟!

رفعت "هنا" حاجبها، وقالت بمنتهى البرود:
_ براحتي.

الكلمة نزلت مستفزة…فاندفعت "شرف" فيها وهي بتصرخ:
_ اطلعي برّه… غوري من وشي! بدل والله أقوم أجيبك من شعرك!

ضحكت "هنا" ضحكة ساخرة مستفزة، صوتها مليان استهزاء…
كانت شايفة ضعفها… رجليها المصابة… وعارفة إنها مش قادرة تتحرك…
قربت منها بخطوات بطيئة، وقعدت قدامها بثقة، وعينيها مليانة مكر وشر…
سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء تقيل:
_ قوليلي يا "شرف"… الواد اللي كان في بطنك ده… ابن "ريان" برضه؟ ولا إنتِ جاية بيه من برّه؟

انفجرت "شرف" فيها بغضب، وصوتها طالع من قلب مكسور:
_ اخرسي! إنتِ مين أصلاً عشان تسأليني؟! قولتلك اطلعي برّه… قولتلك ألف مرة! إنتِ مبتفهميش؟!

لكن "هنا" زادت برود…
ورجعت تسند ضهرها على الفراش براحة، وقالت بنبرة تقطع:
_ ما إنتِ طبعًا مش هتقولي… ملكيش عين.
ما هو كده كده… ريان مبيخلفش… يبقى أكيد ده مش ابنه!

اتسمرت "شرف" مكانها…
عينيها اتفتحت بصدمة، وكأن الأرض اتسحبت من تحتها…
بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مهزوز:
_ إنتِ بتقولي إيه؟!

ضحكت "هنا" بسماجة وقالت:
_ أنهي واحدة فيهم؟ إن الواد مش ابن ريان؟… ولا إن ريان مبيخلفش؟

النار اشتعلت في عيون "شرف"…
صرخت فيها بانهيار:
_ اطلعي برّه! يلااااا!

قامت "هنا" بكل هدوء، وهي بتضحك بثقة بعد ما وصلت اللي عايزاه…وقبل ما تخرج، لفت وقالت بسخرية:
_ باي باي يا بيبي… يا رب بس ما يجيلكيش سكتة قلبية من الصدمة… بعد ما اتفضحتي قدامنا كلنا!

_ اطلعي بررررره!!!
صرخت بيها "شرف" كالمجنونة…
أنفاسها بقت سريعة ومقطوعة… الدنيا بدأت تلف بيها…
حطت إيدها على بطنها فجأة، ووشها اتلوى من الألم…
قامت بالعافية بعد ما "هنا" خرجت، وقفلت الباب بالمفتاح بإيد مرتعشة…

وسقطت وراه…
جسمها كله بقى تقيل… رجليها مش شايلة…
أنفاسها بتتسارع بشكل مرعب…وفي لحظة…
رن موبايلها…

فتحت عينيها بالعافية، بصتله بإرهاق…قلبها بيدق بعنف، وكأنه هيقف…صوت الرنين كان عالي في ودانها…
ضغطت على نفسها، وقامت تزحف لحد ما وصلت للفراش بعد معاناة…

مسكته بلهفة…
كان نفسها يكون "ريان"…لكن اتصدمت لما شافت اسم "محمود"…زفرت بضيق وقالت بضجر:
_ هو عايز إيه ده كمان؟!

ردّت المكالمة…
وجالها صوته بسرعة ولهفة:
_ شرف! عاملة إيه؟ مبتروديش ليه؟!
تنهدت بعمق، وقالت ببرود:
_ أنا الحمد لله… كنت بتتصل ليه؟

وفجأة، نبرتها شدت وقالت:
_ وبعدين يا محمود… مينفعش تتصل عليّا في أي وقت كده!

قال بسرعة بنبرة فيها حنان:
_ أعمل إيه يا شرف يا حبيبتي… قلبي كان قلقان عليكِ… خصوصًا لما عرفت إنك كنتِ في المستشفى!

لكنها قاطعته بحدة:
_ ده برضه مش مبرر! افترض إن ريان جنبي دلوقتي… كنت هتودينا في مصيبة!

تنهد بضيق، وقال:
_ لا اطمني… أنا عارف إنه مش عندك.

سكتت لحظة، وبعدين قالت بحدة ودهشة:
_ عرفت إزاي؟! إنتَ بتراقبني؟!

رد بمنتهى الهدوء اللي يخوف:
_ آه… براقبك… لحد ما أشوف هخلص عليه إزاي…
ونرجع لبعض بقى… أنا مبقتش مستحمل أشوفه جنبك!

شهقت "شرف" بصدمة…الخوف مسك قلبها وقالت بسرعة:
_ يعني إيه تخلص عليه؟! إنتَ بتقول إيه؟!

قال ببرود مرعب:
_ يعني أقتله… أو ألبّسه مصيبة تشيله… في الحالتين… هيروح.

الكلام خبط في ودانها زي الرصاص…جسمها كله اتشل…
وقعت على الأرض تاني من شدة الصدمة…
دموعها نزلت رغم عنها… حاولت تكتم صوتها بالعافية، وقالت بغضب وخوف:
_ لا يا محمود! أنا مش عايزة أذيه! أنا بس هطلق منه… وهو يبعد وخلاص!

ضحك بسخرية وقال:
_ إيه "وخلاص" دي؟! فاكرة إنه هيسيبك في حالك؟!
مش بعيد هو اللي يخلص عليكِ!
لازم نتغدى بيه قبل كهو يتعشي بينا .

صوته كان مليان كره…كأنه بيتكلم عن عدو مش بني آدم…
وبعدين هدى فجأة وقال:
_ المهم… إنتِ عاملة إيه؟ والطفل؟ طمنيني عليه.

اتجمدت للحظة…
افتكرت ابنها اللي فقدته…الألم زاد جواها، لكن خبّت إحساسها وقالت بسرعة:
_ آه… بخير.
معلش يا محمود… لازم أقفل دلوقتي… في حد بيخبط على الباب!

فرد بحنان آثر اشمئزازها :
_ طيب يا روحي… طمنيني عنك… ما تنسيش.

ردّت باقتضاب:
_ حاضر… هبقى أكلمك.

قفل المكالمة…معاها
وفي نفس اللحظة…كان في حد واقف ورا الباب… سامع كل كلمة…ضربت مقدمة صدرها بصدمه …
ورجع خطوة لورا وهي بتهمس:
_ نهارك أسود يا محمود… الكلب!

•    •    •    •   • 
وفي المساء… دخل "ريان" بعربيته القصر…
نزل بسرعة، قلبه بيسابق خطواته… كله لهفة يشوفها… من الصبح وهو بعيد عنها، حتى عينيها اللي كانت بتطمنه وتسكّنه، ملحقش يشوفهم…
طلع السلم بسرعة… لكن وقفت قدامه "هنا"…
وعيونها مليانة غضب، كأنها مستنياه مخصوص…
ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
_ والله مبروك رجوعك يا "ريان" بيه!

أول ما شافها، قلب عيونه بملل، وكأنه شاف كابوس قدامه…تنهد بضيق وقال ببرود:
_ عايزة إيه على المسا؟

رفعت راسها بتحدي وقالت بحدة:
_ عايزة تفسير… توضيح كده للي كان بيحصل هنا من يومين… وإزاي البت دي كانت حامل منك وإنتَ أصلًا معيوب؟!

الكلمة خرجت منها تقيلة…
وفي لحظة، إيده اتحركت من غير تفكير…قلم قوي نزل على وشها خلّى راسها تتلف…
رجعت بصتله بصدمة، وعيونها بتقدح شر، وقالت بفحيح:
_ إنتَ بتضربني عشان بقولك حقيقتك؟! عشان سترت على واحدة معيوبة زيك؟!
بتضربني أنا… بنت الباشا… عشان الشمال اللي اتجوزتها؟!

عينيه ولعت بنار مرعبة…
للحظة خافت… بس غطاها بالجمود والغل اللي جواها…
لكن القلم التاني كان أشد…رجّع وشها الناحية التانية بعنف…
قرب منها، ورفع صباعه في وشها وقال بصوت كله غضب:
_ أقسم بالله… لو نطقتي نص كلمة عنها تاني… لأكسر دماغك… ومش هقف عند كده… ده أنا أنهيكي بإيدي!

ضحكت بسخرية مرّة وقالت:
_ ليه؟ هو أنا غلطت في إيه؟! مش إنتَ اللي سترت على واحدة الله أعلم جايبها منين؟!
ده غير إن أبوها قاتل أبوك… وأمك بتكرهها… وكل الناس بتكرهها…
أنا مش فاهمة إنتَ مالك كده مايل عليها ليه كده وبتريل زي العيل الصغير؟!

كل كلمة كانت بتغرز فيه أكتر…وفجأة… فقد السيطرة…
مسكها من شعرها بعُنف، وابتدى يجرّها وراه على السلم، وهو بيصرخ:
_ لا… ده إنتِ مش هتسلمي مني… تعالي! أنا هوريكي النهارده!

كانت بتحاول تفلت نفسها، بتصرخ وتتلوى، لكن قبضته كانت أقوى…
كان بيجرّها زي الدبيحة… وعينيه مش شايفة قدامه…
على صوت صريخها، خرج كل اللي في القصر…
ومن بينهم "شرف"… اللي وقفت على السلم، ووشها مليان صدمة وخوف…
الكل اتجمد لما شاف "ريان" بالحالة دي…
صرخ وهو بيهز "هنا" بعنف:
_ أنا سكتلك كتير… ديّقتيها قبل كده وسكت… حاولتي تأذيها وعدّيتها…
إنما المرادي؟! إنتِ اللي جبتي لنفسك الكلام ده!

حاولت تضرب إيده اللي ماسكة شعرها، لكن قبل ما تلحق…
قلم تالت نزل عليها، وقعها على الأرض بقوة…
وقف فوقها، وصوته طالع زي الرعد:
_ أنا اللي مستحمل قرفك وسكوتي عليكِ كل السنين دي…
و"أنا بنت الباشا" و"أنا بنت الباشا"… وإنتِ ما تساويش حاجة!
كل ده عشان كنت بعدّي… عشان ما بمدش إيدي عليكِ…
فاكرة ده ضعف؟!
ده أنا ساكت بس… لكن مش هسكت وإنتِ بتغلطّي في شرفي… في عرضي أنا!

رفعت وشها ليه بتحدي، رغم وجعها، وقالت بوقاحة:
_ شيل إيدك عني… إنتَ مين أصلًا؟!
واحد معيوب مبيخلفش… ستر على واحدة شمال… وييجي يتكلم عن الشرف؟!
فاكرني هسكت؟! ده أنا أفضحها في كل حتة…
ومش بعيد تكون معاك… ومع ألف واحد غيرك!

الكلمة الأخيرة… كانت الشرارة…عينيه اتحولت لنار…
خطوة واحدة منها كانت كفاية تنهي كل حاجة…
رجعت لورا بخوف، حست كأن الموت واقف قدامها…
قرب منها ودفعها بعنف، وصرخ:
_ بقى كده؟! طب يا هنا… طب روحي وإنتِ طـ...!!!

_ ريان!!
صوت أمه قطع اللحظة…
جريت عليه، وحطت إيدها على بوقه قبل ما يكمل…
وقالت بدموع ورجاء:
_ أوعى تقولها… ورحمة أبوك! كفاية… اطلع أوضتك يا ريان… عشان خاطري أنا!

بصلها لحظات في صمت…وبعدين بعد إيدها بعصبية…
لفّ عيونه ناحية السلم…
شاف "شرف" واقفة، ملامحها كلها خوف ووجع…
في اللحظة دي… نسي كل حاجة…
مفكرش غير فيها…

خد نفس تقيل… وجري عليها…
كأنه بيهرب من كل اللي حصل… على حضن هو أمانه الوحيد…
فضلت أمه واقفة، بتبص لطيفه لحد ما اختفى…
دموعها نزلت وهي حاسة بوجع ابنها… بالكلام اللي اتقال عليه…
أكتر حاجة وجعتها… إنكساره قدامها…
راجل اتكسر من جواه… واتجرحت رجولته قدام عينيه…
وقبل ما تنطق…

قلم نزل على وش "هنا" خلاها تترنح لورا…كانت "كريمة" واقفة، وعيونها مليانة غضب…
أما "هنا"، ففي لحظة… لبست قناع البراءة…
مش خوف عليه… لكن خوف على اللي ممكن تخسره… كل اللي تعبت عشانه سنين… بطمعها…قالت "كريمة" بصوت كله غضب مكتوم:
_ القلم ده مش عشان البت اللي فوق…
ده عشان كسرة ابني… اللي بتذليه بيها وبتعايريه بعُقدته بكل وقاحة…
وأقسم بالله… لو ما دفعتكيش التمن غالي… ما أبقاش أنا!

بصتلها "هنا" بنظرة مليانة حقد…
وبعدين جريت على أوضتها، وهي بتتمتم بكلام مش مسموع…رفعت "كريمة" عيونها لفوق…
وقلبها بيتعصر على ابنها…
وهمست بحسرة:
_ يا ترى حصلك إيه يا ريان… بعد ما اتكسرت كده؟…

•       •      •      •
وفي غرفة... "ريان"
كانت "شرف" تجلس فوق الفراش، عيناها لم تفارقه لحظة، تراقب انكساره بصمتٍ موجع… تشعر بمدى ضعفه حين جرّدته الأخرى من رجولته بكلماتها القاسية… وكأنها نزعت عنه آخر ما يتشبث به.
ربما الأشياء الجميلة لا تكتمل أبدًا… أو لعلها خُلقت لتُكسر في منتصف الطريق.

كان يقف أمام النافذة، عيونه شاردة في اللاشيء، ينفث دخان سيجارته ببطء وكأنه يفرّغ روحه معها…
داخله يضج بقهر رجلٍ عجز أن يكون أبًا… خمس سنوات من المحاولات، ومن الأمل.. 
ربما كان هذا هو السبب الوحيد لزواجه من البداية… خوفه من أن يكبر وحيدًا، بلا سند… بلا هدفٍ يركض خلفه… بلا شيء يشعره أنه حي.

أطفأ سيجارته بعنفٍ مكتوم، وزفر بعمق، كأنه يحاول اقتلاع ذلك الثقل الجاثم فوق صدره… لكنه لم ينجح…
حتى شعر بتلك اليدين تلتفان حول خصره، فانتفضت ملامحه قليلًا، وتسلل إليه صوتها الناعم، ينساب داخله بهدوءٍ غريب:
_ متزعلش يا "ريان"، دي إنسانة مش كويسة، متستاهلش إنك تضايق كده عشانها… هي مين أصلًا عشان تزعلّك؟!

رفّ جفناه بتعجب، وهدأت أنفاسه المضطربة قليلًا داخل حضنها الدافئ…
أمسك يديها برفق ولفّها إليه، حتى أصبحت عيناها العسلية مواجهة لعينيه البنيتين…
وفي لحظة، خفَتت حدّة الغضب داخله، واستبدلها شعور غريب بالراحة… راحة لم يفهم مصدرها، لكنه وجدها فيها.
ارتسم شبح ابتسامة على شفتيه وهو يقول بهدوء:
_ عاملة إيه النهارده؟ حقك عليا، كنت متعصب… محبتش أضايقك في وشي، تتخضي مني.

ابتسمت بهدوء، ورفعت عينيها المليئتين بالدفء وقالت:
_ أنا كويسة طول ما إنتَ كويس ومش زعلان من حاجة… راحتي هي راحتك يا "ريان".

في تلك اللحظة، لم يستطع تفسير ذلك الشعور الذي غمره… كلماتها البسيطة تسللت إلى داخله بسلاسة، كأنها تُرمم شيئًا مكسورًا فيه دون أن تشعر…
ابتسم بعفوية، وقال بنبرة امتزجت فيها الدهشة بالفرح:
_ بجد يا "شرف"… يعني أنا بهمّك أوي كده؟!

قطّبت حاجبيها بحزنٍ خفيف، وردّت:
_ أخس عليك… وإنتَ مين أهم منك في حياتي يا "رياني"؟

انفلتت منه ضحكة دافئة، انعكست في عينيه وهو يتأملها، ثم قال بمزاحٍ خفيف:
_ لا ده أنا كده أمي دعيالي النهارده عشان ألاقي كل العسل ده… و"رياني" كمان؟! ده كده ولّعت نار!

ضحكت بأنوثةٍ ناعمة، تسللت إلى قلبه فأشعلت فيه شعورًا غريبًا بالغيرة…
كتم فمها بيده سريعًا وهو يجذبها للداخل أكثر، وقال بخفوتٍ مشاكس:
_ يخربيتك! إيه الضحكة دي… افترضي حد من الرجالة اللي تحت سمعها… والله لكنت نزلت قطعت ودانهم!

ضحكت مرة أخرى، وهذه المرة لم يحاول منعها… بل نظر لها وكأنه يستمتع بذلك الضوء الخارج منها، وقال:
_ يخربيت طعامتك وضحكتك القمر دي… أيوه كده… أيوه كده بقى!

اقتربت منه ببطء، وقد خارت قواها، فلم تعد قادرة على الوقوف أكثر… فمالت عليه تتأوه بخفوت، وهمست برقة:
_ شيلني يا ريان… مش قادرة أدوس على رجلي.

وفي لحظة، حملها بين ذراعيه دون تردد، ونظر لها بقلقٍ امتزج بضيقٍ واضح:
_ أنا مش عارف إيه اللي خلاكِ تقومي أصلاً وتقفي عليها… حسابك معايا بعدين!
ضحكت بخفة، وتعلقت بعنقه بدلالٍ أربك قلبه…
وضعها فوق الفراش، لكنها سحبته برفق ليجلس بجانبها… فاستجاب دون مقاومة.

رفع يده يمرر أنامله على وجهها ببطء… يتأمل نعومة بشرتها، وصفاء ملامحها، وعينيها العسليتين اللتين تحملان سحرًا خاصًا…
توقفت عيناه عند شفتيها، وشعر برغبةٍ صامتة تشتعل داخله… رغبة في الاقتراب أكثر… في تذوق ذلك القرب الذي يسلبه اتزانه.
شردت عيناه بينها وبين شفتيها، وكأن قوة خفية تجذبه إليها…

ابتسمت بحنان، وأغمضت عينيها بأمان، وقالت بهدوء:
_ مش عايزاك تزعل تاني من حاجة يا ريان… ولا تضايق بالطريقة دي…
إنتَ مش الشخص اللي يمد إيده على ست… مفيش ست تستاهل لمسة منك حتى… دي تبقى محظوظة لو بصتلها!
إنتَ سند بجد… وأمان… وطيبة مفيش زيها.
دي ياهناها يا سعدها اللي تنول شرف قربك بس! 

تنهد بعمق، وعادت إليه ذكرى ما حدث، لكنه حاول أن يزفرها بعيدًا… كأنه يرفض أن يسمح لها بالعودة الآن…
نظرت له بحزنٍ صادق، وقالت برقة:
_ أنا بس عايزاك مبسوط… مش أكتر.

ابتسم لها بخفوت، وجذبها إلى حضنه بهدوء، وكأنه يحتضن شيئًا يخاف عليه من الانكسار، احتضنته هي أيضًا، وقالت بصوتٍ خافت:
_ متزعلش يا ريان… مفيش حاجة تستاهل.

رفعت وجهها إليه، فوجدت عينيه تركزان في تفاصيلها بدقة…
أعاد خصلاتها خلف أذنها، ومرر إبهامه على شفتيها برقة أربكت أنفاسها…
ثم همس بصوتٍ هادئ:
_ مش زعلان يا قلب ريان… وهزعل إزاي والقمر ده في حياتي؟
ابتسمت بخجل، واحمرّت وجنتاها، فخفضت عينيها قبل أن تستند برأسها إلى صدره…
أغمضت عينيها براحةٍ عميقة، وقالت بصوتٍ ممتلئ بالاحتياج:
_ خليك دايمًا معايا يا ريان… وجودك بيصلّح كل حاجة اتكسرت جوايا…
قولي إنك بتحبني… ومتبطلش تقولها… أنا خسرت كتير… ومش عايزاك تبقى خسارة جديدة…
أنا بقيت متعلقة بيك أوي… وبزعل لما مش بلاقيك… بحس أماني في حضنك إنتَ… مهما الدنيا وجعتني… إنتَ الحاجة الوحيدة اللي بتهديني.

نظر لها بتركيزٍ عميق، ثم قال بهدوء:
_ بتحبيني يا "شرف"؟

تجمدت ملامحها للحظة… وكأن السؤال باغتها…
لم تسأل نفسها هذا السؤال من قبل… لكنها شعرت به الآن يتشكل داخلها…
ارتباك… خوف… راحة… انجذاب… كل شيء اختلط دفعةً واحدة.
تراجعت قليلًا، تنظر في عينيه بشرود، وكأنها تبحث عن إجابةٍ بين ملامحه…
أما هو، فتبدلت ملامحه لحزنٍ عابر، ظنّ فيه أنها لن تبادله الشعور…

لكنها اقتربت فجأة…
وضعت قبلةً رقيقة على خده، ثم همست أمام شفتيه:
_ أنا مش بحبك… أنا بموت فيك.

لم يستوعب ما سمعه… حتى اندفع نحوها يقبّلها بشغفٍ مفاجئ، كأن كل ما بداخله انفجر في تلك اللحظة…
ثم ابتعد عنها حين شعر بأنفاسها تتعثر…
احتضنها بقوة، ودفن وجهه في خصلات شعرها، وقال بصوتٍ ممتلئ بالحب:
_ وأنا بعشقك يا بنت السلطان…!! 

•   •    •    •     •
وفي بيت "محمود" في وقت متأخر…
كانت الواقفة بتتمادى أكتر من اللازم، قاعدة في حضن "رفعت" ابن عم جوزها، في نص الأوضة…
ولا كأن في حدود، ولا كأن في خوف من حد…

كان ضاممها ليه بحرية، كأنها حاجة غالية عليه، بيقربها منه ويستنشق ريحة شعرها، ويميل يقبّل كتفها العريان من غير أي تردد…
وهي ابتسمت بنعومة، ورفعت إيدها تداعب دقنه بخفة، وكأنها متعودة على القرب ده…
لكن فجأة…

سرحت للحظة، وافتكرت كلام محمود الصبح…
لمعة خبيثة عدّت في عينيها، وابتسامة صغيرة اتكونت على شفايفها…
قطعت الصمت وقالت بنبرة هادية، بس وراها قصد واضح:
_ هو إنتَ… تعرف إن شرف أختك كانت في المستشفى؟

اتشدت ملامحه فجأة، وقطّب حواجبه باستغراب، لكن سرعان ما اتحولت ملامحه لضيق أول ما سمع اسم أخته…
هز راسه بالنفي وقال:
_ لا… وإنتِ عرفتي منين؟!

تنهدت ببطء، وهي بتبص في عينيه اللي بدأ القلق يبان فيها، وردّت ببرود متعمّد:
_ عادي… سمعت محمود وهو بيكلمها.

_ إيــــــــــــه؟!
اتعدل مرة واحدة، ومسك كتفها بعنف وهو بيقول بحدة:
_ بيكلمها إزاي؟ وبيقولها إيه؟!

اتأوهت بضيق، وحاولت تبعد إيده عنها وهي بتقول 
بانزعاج:
_ آه إيدي يا رفعت! إنتَ بتتعصب عليا ليه؟ هو أنا اللي كلمتها؟!

سكت لحظة، وهدى شوية، لكنه لسه متوتر، وقال بنفاد صبر:
_ طيب… قالها إيه؟ وبيكلمها ليه أصلاً؟

لفّت شعرها لورا بإيدها، وكأن الموضوع عادي جدًا بالنسبة لها، وقالت بنفس البرود:
_ كان بيسألها على ابنها… وبيقولها إنه هيخلصها من جوزها قريب…
وسمعته بيقولها إنه هيقتله ويهربها!

الكلام وقع عليه زي الصاعقة…
اتجمد مكانه لحظة، وعينيه وسّعت بصدمة، مش مستوعب اللي سمعه…
بينما هي كانت بتقوله بكل بساطة، كأنها بتحكي عن حاجة تافهة…

وفجأة…
ابتسامة بطيئة مليانة خبث ظهرت على وشه، ونظرة شر لمعت في عينيه وهو بيقول:
_ الله… كده الصورة وضحت قدامي.

قرب منها، وباس راسها بقوة، وهو بيبتسم ابتسامة واسعة وقال:
_ ده إنتِ أخبارك دي تولّع الدنيا… ما تقعدهاش، الله عليكِ.

يُتبع!! 
#عشق_شرف_أنتقام♡
يلهوووووووووي... انا شاكه في الواد ده هيخرب الدنيا عليهم تاني.. 
يا ترى محمود هيعمل إيه ردووووو عليااا 
ومتنسوش تصلي علي النبي... ♡

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا   

تعليقات