رواية اسيرة الغريم الفصل الثاني 2 بقلم ولاء رفعت
#أسيرة_الغريم
#الفصل_الثاني
#ولاء_رفعت
–أنا حامل.
وعلى نقيض هواجسها التي أظلمت مُخيلتها، حيث توجست أن يثور ويستشيط غضباً، ويُمطرها بوابل من الألفاظ النابية كما اعتاد سلفاً، بادرها برد تنضح منه البرودة، وجواب لا مبالاة فيه، إذ قال بنبرة متبلدة:
—وأنا أعملك إيه؟، المفروض إنتي عارفة اللي هتعمليه.
عقدت ما بين حاجبيها في ذهول، وقد أدركت مآرب قوله المسموم، فاستكانت بجواره على الأريكة، وصوتها يتهدج بالخوف والرجاء:
—المرة دي مش هينفع أجهض، الدكتور آخر مرة حذرني لو أجهضت يا هتحرم أكون أم، يا إما هيبقى فيه خطر على حياتي.
ألقى بظهره إلى الخلف، مستنداً إلى الأريكة بأريحية فجة، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد، ثم أردف باستخفاف:
—دكتور حمار شكله خرف.. تعالي هوديكي عند واحد أحسن منه، وهتقومي منها زي الحصان.
انتفضتْ واقفة أمامه في كبرياء جريح، ورمقته بنظرات يمتزج فيها الضيق بالتحدي، وهتفت بصلابة:
—وأنا مش هسقط اللي في بطني يا مؤمن، وإيه رأيك بقى؟، هتكتب عليا عند مأذون والنهاردة كمان.
انطلقت منه ضحكة متهكمة، كانت في حقيقتِها قناع زائف يواري خلفه شيطان مارد، لو أطلق عنانه لانتزع روحها من جسدِها قبل أن يُجهض جنينها.
انقطع ضحكه فجأة، وخاطبها بهدوء يسبق العاصفة:
—عشم إبليس في الجنة!، أنا كان اتفاقي معاكي من الأول إننا ننبسط مش أكتر من كده، وأظن من وقت ما عرفنا بعض بسطتك وكيفتك على الآخر.
ثم غمز لها بوقاحة أشعلت فتيل الغضب في عروقها، فغلت دماؤها، وأطلقت لسانها بصيحة هادرة:
—أنت وسخ.
فرد عليها بدم بارد ونظرة تنضح تهكم ومكر:
—مش أوسخ منك يا حياتي.
رمقته بنظرة كأنها لظى من الجحيم، ثم باغتته بتهديد صلب لا يعرف الهزل:
—طب بص بقى يا حيلتها.. إجهاض مش هجهض، ولو مكتبتش عليا رسمي خلال يومين هروح للسنيورة بنت عمتك وأقولها ابن خالك مجوزني عرفي قبل ما يكتب عليكي وهفضحك عند أهلك، وده كله كوم وإيصالات الأمانة يا عينيا اللي ماضيها بخط إيدك دي كوم تاني.
دنت مِنه أكثر، وعيناها تلمعان بوعيد جعل الرعب يدب في أوصاله، ثم أردفت بفحيح مسموع:
—هقدمها للحكومة وهم يتصرفوا معاك.
ضيق عينيهِ، وصارت الأفكار في رأسهِ كإعصار عاتٍ؛ فهو ليس بأحمق بحيث يدفعها لتنفيذ ما توعدت به.
أمسك يدها برفق مصطنع، وجذبها لتجلس حياله، غلف صوته بنبرة تفيض حنان ودفء ليروض ثورتها:
—اهدي كده يا حبيبتي، الأمور بتتحل بالعقل والتفاهم.. أنا النهاردة حنة أختي وبكرة فرحها، يعني مش هبقى فاضي غير بعد يومين، والمفروض أكون في البيت دلوقتي عشان أشوفهم لو عايزين مني حاجة، وأنا أوعدك بعد يومين بالظبط هنفذلك اللي أنتي عايزاه.
وسرعان ما استسلمت لسحر كلماته وهدأت ثورتها؛ فأنامله كانت تعبث بيدِها، وتمسدها بتؤدة بثت القشعريرة في أوصالها.
ازدادت رجفتها حين امتدت يده الأخرى لتداعب ظهرها بحميمية خادعة، واقترب بأنفاسه اللاهثة من ثغرها، هامساً بكلمات أذابت لُبها وفؤادها:
—كده تضيعي عليا الماتش تاني!، بس فداكي ألف ماتش يا هنون.
ثم اقتنص شفتيها في قُبلة، ليبدآ معاً رحلة غارقة في اللذة؛ لذة محرمة امتزج فيها طعم الخطيئة بمرارة الخيانة.
❈-❈-❈
ترجل جسار من السيارة بخفة واثقة، يخطو نحو الباب الخلفي ليفتحه في إيماءة يملؤها الوقار لرب عمله، وما إن وطئت قدما الأخير الأرض حتى انهمر رجال الحراسة الخاصة كالسيل من سياراتهم، يتحركون في تشكيل أمني محكم.
غير أنهم بوغتوا بطوفان من الصحفيين الذين انقضوا عليهم كالكواسر، تسبقهم عدسات كاميراتهم وألسنة تلهث بأسئلة محمومة، لم تكن تطلب حقاً ولا تنشد حقيقة، بل كانت ضجيج من السخافات التي لا تليق بمقام "صفوان الشاذلي" كنائب برلماني أو رجل أعمال يشار إليه بالبنان.
تجاهل صفوان ترهاتهم التي دارت حول حياته الشخصية، أسئلة علي شاكلة، هل ستعود لطليقتك السيدة دارين الشاذلي؟، كيف تتقاسمان جدران مسكن واحد رغم فصل عش الزوجية نهائياً؟!، لم يرمقهم حتى بطرف عينه، بينما انبرى حارسه يشق له عباب ذلك الجمع الصاخب، صائحاً فيهم بزجر وغلظة:
—وسع منك ليه.. الباشا مش فاضي، وممنوع التصوير.
لكن هؤلاء القوم، كأسراب من الجراد، لم يعرف الكلل إلى عزيمتهم سبيلاً، فظلوا يطاردونه بميكروفوناتهم حتى عتبات مبنى القناة الشهيرة، حيث حالت بينهم وبينه سدود من رجال أمن المبنى الذين كبحوا جماح اندفاعهم.
في تلك الأثناء، كان عمرو قد عاد إلى قمرة القيادة، يوجه دفة السيارة نحو ساحة الانتظار بتمهل.
فجأة اهتز هاتفه بين يديه معلناً عن اتصال من "حبيبتي"، أجاب على الفور وقبل أن تخرج من ثغره كلمة ترحيب، دهمهُ صوتها المندفع بلهفة واضحة:
—عموري حبيبي معلشي بكلمك وأنت في وقت شغلك، بس كنت عايزاك ضروري ومحتاجاك جداً.
استبدت به الريبة من نبرتها المتسارعة التي ألفها، فسأل بقلق:
—خير يا حبيبتي.. في إيه؟
بادرته بسؤال قلق:
—أنت فين؟
— هكون فين يا ريم؟، مع صفوان بيه طبعاً.
هنا استعرت نبرتها بسخط لم تستطع لجمه، وصاحت بحدة:
—نعم؟، أنت بتتكلم بجد؟
زفر بضيق وقد بدأ الصبر ينفد من حظيرة صدره:
—فيه إيه يا ريم؟، أنجزي قولي.. أنتي بخير؟ مامتك وأخوكي كويسين؟
ردت عليه بتهكم لا يخلو من ملامة لاذعة:
—كلنا بخير، بس حضرتك واضح إنك مش بخير، لما تنزل شغل يوم الحنة والمفروض تيجي تشوف إيه اللي ناقص.. بكره فرحنا يا عمرو بيه!
تلقى كلماتِها المغلفة بالسخرية بضيق مكتوم، محاولاً التغاضي عن أسلوبها الحاد الذي طالما حذرها من تكراره، فأجابها باقتضاب شديد ينم عن كدره:
—ربنا يسهل.
فطنت بذكائها الأنثوي إلى رنين الجفاء في صوته، وأدركت أنها قد تجاوزت حدودها، فاستحالت في لحظة من النقيض إلى النقيض؛ إذ تحولت من الصياح إلى دلال يفيض غنجاً وميوعة، وهي التي تتقن فنون الإغواء الصوتي الذي يزلزل كيانه دائماً، وقالت برقة مستجدية:
—آسفة يا عموري، حقك عليا يا حبيبي وحياتي.. أنا بس مضغوطة اعذرني، أصلي متوترة وحاسة إني هعيط.
تسلل إلى مسامعه صوت نشيجها المكتوم وتهدج أنفاسها الذي يحاكي البكاء، فزفر بضيق من نفسه كالعادة، مستسلماً لسلطان عاطفته، وبصوته الرجولي العذب الذي ينساب كالشهد، قال لها مواسياً:
—هتعيطي ليه طيب؟، فيه عروسة زي القمر تعيط في يوم حلو زي كده؟!
أجابته بنبرة مخنوقة، تمتزج فيها الحيرة بالخوف:
—متوترة وخايفة وقلقانة، أنا عارفة تفتكرني بهول أو بأڤور، بس أنا حاسة بكدة.
بث في روعِها الطمأنينة بصوته الرخيم، محاولاً أن يبدد غيوم قلقِها بوعود سخية، واستطرد قائلاً بنبرة يملؤها الزهو:
—مش عايزك تخافي ولا تقلقي من حاجة، ده أنا كنت لسه هتصل عليكي وأقولك يا وش السعد عليا؛ لسه صفوان بيه مديلي نقطتي، ظرف شكله فيه مبلغ محترم، هديكي نص الفلوس وأنا النص التاني.
انطلقت من ثغرها صيحة تهللت لها أسارير وجهها، وهتفت بسعادة غامرة:
—بجد يا عموري؟
أجابها بلهجة قاطعة تفيض مودة:
—جد الجد يا قلب عمورك.. أنا عارف الظروف معاكي مش أحسن حاجة، وكتر خيره مؤمن أخوكي مقصرش معاكي، بس زي ما قولتلك أنتي مسؤولة مني أنا؛ لما هارجع هديهملك وشوفي إيه اللي ناقصك وهاتيه.
ساد صمت قصير لم يقطع سكونه سوى حفيفِ أنفاسها المترددة عبر الهاتف، ثم همست في حياء زائف بحاجة ملحة:
—طب ممكن يا حبيبي تبعتهم لي دلوقتي؟، عشان أنا كنت فعلاً محتاجاهم ضروري.
استجاب لطلبها دون تردد، متسائلاً عن القيمةِ التي ترجوها:
—محتاجة كام؟ ولو كده أحولك على كاش على المحفظة.
ابتلعت ريقها في ارتباك طفيف، ثم أفضت إليه بمرادِها:
—معاك 5000 جنيه؟
لم يتردد لحظة، بل أجابها بسماحة معهودة:
—عينيا، هحولهم لك حالاً وابقي كلميني لما تنزلي.
—حاضر يا حبيبي.. يلا باي، بحبك.
انهت المكالمة على عجل دون أن تمنحه فرصة الرد أو تفيض عليه بكلمات الشكر، وكأن ثمة أمر جسيم يطاردها ويستحث خُطاها.
وما إن رن هاتفها معلناً وصول رسالةِ التحويل، حتى انطلقت أصابعها تفتح نافذة المحادثةِ اسم المرسل إليه «سالي»، وسجلت لها رسالة صوتية بلهجة واثقة:
—سيسو، هحولك الفلوس دلوقتي على المحفظة.
ترقبت في توتر حتى تأكدت من استلام الرسالةِ وسماعها، فجاءها الرد نص يزف إليها الخبر المنتظر
«وأنا جيبتلك الحاجة، اطلعي السطح بسرعة خديها»
انتفضت كأنما مستها نار، وجزت على أسنانِها في حنق مكتوم، وهي تتمتم بكلمات مبهمة ضاعت في غمرة انفعالها. جذبت من المشجب الخشبي وشاح ألقته على كتفيها بعجالة، ثم ألقت نظرة فاحصة على مرآتها؛ كانت ترتدي ثوب ضيق يجسد تقاسيم جسدِها بدقة متناهية، كادت أن تغلق أول زرين فيه، لكنها توقفت لبرهة، ثم تركتهما مفتوحين عن عمد وقصد، وارتسمت على شفتيها بسمة خبيثة وهي تعض على شفتها السفلى بإغواء.
انسلت خارج غرفتها في حذر، تتهادى نحو باب الشقة بخطى وئيدة، ولكن باغتها صوت والدتها الصارم فجعلها تجفل في مكانها:
—خارجه على فين بمنظرك ده يا بت؟
التفتت بذعر لتجد والدتها جالسة، تحمل بين يديها صينية تكدست فيها أوراق الكرنب المعدة للحشو، فابتلعت ريقها من هول الفزع وقالت:
—خضتيني يا ماما الله يسامحك.
رمقتها والدتها بنظرة ساخرة وقالت بتهكم:
—يا عين أمك تصدقي صعبتي عليا.. خشي يا بت انجري روحي غيري فستان الرقاصين اللي أنتي لابساه ده، مؤمن أخوكي زمانه راجع ولو شافك خارجة هيطين عيشتك، وأنتي عروسة خلي يومينك يعدوا على خير.
نظرت إلى والدتِها شزراً، وأجابتها بنبرة حادة تحاول فيها تبرير مخرجها:
–أنا مش نازلة الشارع، أنا طالعة السطوح ألم الغسيل ونازلة على طول، محدش هيشوفني.
وقبل أن تستطرد الأخرى في توبخيها، انطلقت نحو الخارج كالسهم، وصعدت الدرج ركضاً قبل أن يدركها شقيقها.
❈-❈-❈
وقفت تلتقط أنفاسها المتلاحقة، وقد تقطعت نياط صدرها من أثر صعود الدرج بهرولة والقلق والتوتر المسيطران عليها، فإذا بها تشعر بذراعين تلتفان حول خصرها من الخلف، وبقبلة مباغتة استقرت علي جانب عنقها الذي انحسر عنه الوشاح الملفوف بإهمال وعشوائية.
شهقت بفزع جمد الدماء في عروقها، وسرعان ما التفتت نحوه، ولكزت صدره بقبضتها الصغيرة وهي تعاتبه بلهجة مرتجفة:
—اخص عليك يا سيد!، قلبي كان هيوقف بسببك، هلاقيها منك و لا من أمي.
دنا منها بمكر، ملقياً بسمعه نحو موضع فؤادِها المضطرب، وهمس بكلمات معسولة:
—ألف سلامة على قلبك.
وما إن شرع في تقبيل موضع قلبها، حتى دفعتهُ بعيداً عنها بدلال فج وسفور، محذرة إياهُ بصوت خافت:
—سيسو.. اتلم لحسن حد يشوفنا.
ألقى بنظرة خاطفة على ما حولهما، حيث أسطح المنازل المزدحمةِ بأعشاش الطيور وأبراج الحمام الزاجل، والعديد من أطباق الاستقبال الفضائي المنتشرة في كل حدب وصوب.
قبض على معصمِها بقوة، وجذبها خلفه نحو غرفة مهجورة في زاويةِ السطح، وما إن تواريا خلف جدرانِها حتى أوصد الباب، يحترق شوقاً لتلك اللحظة المنفردة، فاندفع نحوها صائحاً بوله محموم:
—هتوحشيني يا بت يا ريمو.
نزع الوشاح عن عنقها بعجالة، وانقض عليه بوابل من القبلات بنهم، بينما حاولت هي صده بضعف لا يخلو من استسلام، فحالُها لم يكن يقل اضطراباً ولا رغبة عن حاله، وقالت بلهث متقطع:
—اهدي يا سيد بتعمل إيه؟، أنا فرحي بكرة ومش هينفع.
ارتد عنها بصعوبة بالغة، وأنفاسه تتردد في صدره كالأزيز، وعيناه تنضحان بشهوة جامحة لا تعرف القيد، ثم زمجر بضيق:
—وهو أنتي لازم تفكريني؟!، لولا إنه ابن عمي كنت خلصتلك عليه.
فجأة تحول بريق الرغبة في عينيها إلى ملامح غلب عليها الامتعاض والكدر، وهتفت فيه بحنق:
—ما خلصنا من الحوار ده يا سيد، اللي هنعيده هنزيده؟! أنت السبب، ماتخلناش نفتح في القديم.. فين الحاجة اللي قولتلي عليها؟
أخرج من جيبِ كيس صغير يحوي علبة صغيرة، وحين همت بانتزاعها من يده، رفع ذراعه إلى الأعلى محلقاً بها بعيداً عن منالها، ورمقها بنظرة شيطانية وهو يهمس بمكر وغواية:
–قبل ما تاخديه.. تعالي نحتفل بآخر يوم ليكي في العزوبية.
أجابته بدهشة وتحذير:
—مش لسه كنا مع بعض من يومين؟!، وقولتلك نهدي على نفسنا.. النهاردة حنتي وبكرة فرحي.
أطلق ضحكة مجلجلة تنضح سخرية وتهكم، يتفرس ملامحها المضطربة، ثم أردف بلهجة يملؤها الزهو المسموم:
—وهتفرق إيه يا حب من يومين والنهاردة واحد، المفروض تدعيلي وتديني مكافأة، لأني وفرت عليكي مشوار الدكتور إياه، الله أعلم كان هيحصلك إيه عنده عشان يرجعك زي ما كنتي، ولولايا مكنتيش هتعرفي تشتري البتاعة الصيني اللي هينقذك من إيد عمرو وأخوكي.
رمقته شزرًا وقد ارتسمت على ملامحها علامات الازدراء والاحتقار، ثم قذفت في وجهه بكلمات حادة كالنصال:
—واضح إنك مصطبح بسجارتين وجاي تعمل دماغ عليا!، هات الزفت يا سيد وخليني أنزل قبل ما أخويا ييجي.
انبلج علي ثغره ابتسامة يمتزج فيها المكر بالدهاء، وبينما كانت تحاول جاهدة أن تتطاول بجسدها وتقف على أطراف أصابعِها لتنتشل العلبة من قبضته المحلقةِ عالياً، تلاعب بمشاعرها وجعلها تترنح كالحائرةِ بين يديه؛ فصار يتلقف الكيس بيمينِه تارة ويسارهِ تارة أخرى في حركة بهلوانية مستفزة، حتى ألقى به فجأة بعيداً ليرتمي فوق الأرض المتربة.
وما إن همت بالالتفات والتحرك لتلتقط غايتها المنشودة، حتى باغتها ذلك الوغدُد بأن أحاط خصرها بذراعيهِ القويتين ورفعها عن الأرض، عازماً على المضي قُدماً فيما عقد عليه النية منذ أن وقعت عيناه عليها في ذلك المكان الموحش.
❈-❈-❈
استقرت المذيعة في مقعدها تحت الأضواء الكاشفة التي غمرت الاستوديو بسطوع باهر، جلست في هدوء ينم عن ثقة مطلقة، وهي ترمق ضيفها بنظرات ينضح منها الدهاء بالفضول الاستقصائي؛ فهي تجيد ترويض الحوار وتوجيهه كمن يدير رقعة شطرنج بمهارة فائقة، حيث كل حركة مدروسة، وكل سؤال ينساب ببساطة ظاهرية خلفها غايات بعيدة المرامي.
بينما في المقعد المقابل، فقد تربع سيادة النائب صفوان الشاذلي، متماسك القسمات، يغلف ملامحه بوقار مصطنع، محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه رغم استشعاره بأن هذه المذيعة لا تلقي بكلماتها عبثاً، ولا تنثر أسئلتها في المدى إلا لتصيب بها كبد الحقيقة.
فجأة، شق صمت التحضيرات صوت المخرج آمراً بنبرة حاسمة:
—يلا هنطلع هوا، كله يجهز، 3، 2، 1.
ارتسمت على ثغرها ابتسامة هادئة، وبادرت بالترحيب قائلة:
—أهلاً وسهلاً بحضرة سيادة النائب ورجل الأعمال صفوان الشاذلي.
بادلها بابتسامة رسمية، وبنبرة تفيض بالهيبة والسيادة، أجاب بصوت وقور:
—أهلاً بحضرتك.
تحسست سماعة أذنها لتتأكد من ثباتها، حيث كان فريق الإعداد يلقي إليها بالخيوط الأولى، فاستأنفت حديثها ببراعة:
—حضرتك نورتنا ونورت البرنامج، بس خلينا ندخل في الموضوع على طول… الناس بقالها فترة سامعة وعود كتير، بس اللي شايفاه على الأرض حاجة تانية خالص؛ حضرتك شايف الفجوة دي ليه؟
تنحنح ليجلو صوته، ثم أجاب بصوت أجش يجمع بين الغلظة والجاذبية في آن واحد:
—لا هو بصراحة… مفيش فجوة ولا حاجة، بالعكس إحنا شايفين شغلنا و بنسعي علي قد ما بنقدر عشان نتقدم بالبلد، بس التغيير زيه زي أي مخطط تنموي محتاج لوقت وقريب هنجني ثمار تعب وصبر السنين اللي فاتت.
رفعت حاجبها بمكر، وألقت نحوه بسؤال داهية، كللته بمسحة من السخرية والتهكم، أدركها الطرف الآخر بوضوح تام، إذ قالت:
—وقت!، طب ما هو الوقت ده بقى عند الناس زي الفلوس بالظبط… لما يخلص محدش بيعوضه، وحضرتك رجل أعمال برضه وعارف قيمة الوقت كويس.
جاهد ليرسم على وجهه ابتسامة يواري خلفها بوادر غضب تصاعد في صدره؛ جراء أسلوب المذيعة وأسئلتها التي خرجت عما تم الاتفاق عليه مع المخرج ومعد البرنامج، فقال بنبرة هادئة تحمل في طياتها نذر العاصفة:
—أكيد… بس برضه لازم نعترف إن في تحديات كبيرة بتواجههنا سواء داخل أو خارج البلد.
هزت رأسها في إيماءة خفيفة، وما زالت تلك الابتسامة الساخرة ترتسم على شفتيها، ثم استطردت:
—مفهوم… بس اسمحلي أسأل سؤال بسيط؛ هي التحديات دي بتظهر بس لما تيجي سيرة مطالب الناس اللي بيمثلوا تلت اربع الشعب ولا لما تيجي سيرة مصالح الكبار كمان؟!
تنحنح مرة أخرى، وقد استجمع شتات فطنته ليرد بذكاء ودبلوماسية:
—لا طبعاً… القانون بيمشي على الكل، وأي صعوبات بنحاول كلنا نواجهها.. كلنا كشعب بكل الطبقات والفئات.
أيقنت المذيعة أنه يراوغ ببراعة، وقد فطن لغايتها ومكمن سهامها، فباغتته بسؤال أشد وطأة وأدهى مما سبق:
—حلو أوي… يبقى أكيد المشاهدين وهما بيتفرجوا علينا دلوقتي هيفرحوا لما يشوفوا الكلام ده بيتطبق بنفس السرعة… مش بس بنفس الحماس اللي بيتقال بيه في المؤتمرات والبرامج.
❈-❈-❈
وفي قصر الشاذلي، هناك عينان تترصدان الشاشة ببريق يملؤهُ التشفي؛ إذ جلست دارين تتابع اللقاء عبر هاتفها، تبتسم في خبث وهي تزفر دخان سيجارتها ليتبدد في الفضاء كأحلام خصومها، ثم تمتمت بفحيح يقطر كيداً:
—اديله يا لي لي ماترحمهوش.. ولسه هتشوف من ده كتير يا أدهم، وإلا مابقاش أنا دارين الشاذلي!
قاطع خلوتها انفتاح باب الغرفة على حين غرة، لتطل منه فتاة في مقتبل العشرينات، ملامحها تفيض بجمال فطري بريء، يبدو أنه توارى قسراً خلف طبقات كثيفة ومبالغ فيها من مساحيق التجميل.
دنت من شقيقتها الكبرى، واستكانت بجوارها وهي تسألها بصوت يذوب رقة ونعومة:
—دارين ماي لاف.. ممكن بعد إذنك تسلفيني عربيتك النهاردة؟
وحينما تناهى إلى سمع الأخرى صوت المذيعة وهي تعلن عن فاصل إعلاني، أوصدت شاشة هاتفها بعنف وزفرت أنفاسها بقوة كأنها تفرغ شحنة من الغيظ، ثم قالت بحدة:
—أديكي عربيتي عشان تحصل عربيتك اللي بقالها عشر أيام بيصلحوا فيها بسبب إهمالك وسواقتك الزفت؟!
ردت شقيقتها بأسى وجفاء:
—خلاص شكراً، مش عايزة منك حاجة.
وهمت بالانصراف وهي تجر أذيال الخيبة، فنادتها شقيقتها بصوت آمر و حنون في آن واحد:
—فايا؟
توقفت فوراً، وارتسمت على ثغرها ابتسامة نصر لم ترها شقيقتها، ثم التفتت نحوها وقد اصطنعت الحزن والكآبة على محياها، وقالت بصوت خافت:
—نعم؟
نهضت دارين من مجلسها، واقتربت منها لترمق وجهها عن كثب في نظرة متفحصة، ثم سألتها بتعجب واستنكار:
–إيه كمية الفاونديشن اللي مغرقة بيها وشك دي؟!
أشاحت بوجهها بعيداً، وتجهمت ملامحها بحزن، ثم أجابت بمرارة:
—أنا عارفة وشي مش لايق فيه الميك أب، بس أهو يداري النمش اللي مغرق وشي ومخلي كل ما أمشي خطوة الناس تقعد تبص لي كأني مسخ، غير تنمر اللي بيستخفوا دمهم معايا في الكلية.
انتصبت شقيقتها أمامها في ثبات، ورفعت وجهها بيديها لتخاطبها بصدق يلامس الوجدان:
—فايا حبيبتي، أنتي اللي واهمة نفسك بنظرات الناس.. على فكرة النمش مخلي ملامحك زي القمر، وجمالك مميز؛ أنتي اللي معندكيش ثقة بنفسك وبتدي اهتمام لكلام ناس ما بتفهمش.
رفعت الأخرى عينيها التي غلفها حزن دفين، لتتلاقى بنظرات شقيقتها الكبرى، وقالت بلهجة يملؤها الانكسار:
—أنا مش موهومة يا دارين، والناس دول اللي إحنا عايشين معاهم.. مهما اتظاهرت بالقوة نظراتهم كفيلة تخليني عايزة اهرب و احبس نفسي في أوضتي.
ترقرقت العبرات في عينيها، لم تلبث أَن تهادت منسدلة على وجنتيها كحبات لؤلؤ انفرط عقده، فما كان من شقيقتها إلا أن كفكفت تلك الدموع بيد حانية، وضمتها إِلى صدرها في عناق يفيض رقة، ثم آثرت أن تبث في روحها الدعابة لترسم بسمة تمحو أثر الشجن عن شفتيها، فقالت ممازحة:
—آه قولي بقى كده!، عمالة تعملي عليا حوار وتعيطي عشان تصعبي عليا وأديلك مفتاح العربية في الآخر؟!
انسحبت فايا من بين ذراعيها، وقد لاح علي ثغرها طيف ابتسامة خجولة بددت الحزن الذي ساد وجهها:
—عن إذنك، همشي عشان ماتأخرش.
أشارت إليها الأخرى أَن تتريث وتنتظر، خطت نحو مضجعها، واستلت من وحدة الأدراج المجاورة مفتاح سيارتها، وقدمته إليها قائلة بنبرة تجمع بين الحرص والتحذير:
—اتفضلي، بس بالله عليكي صحصحي وأنتي سايقة وخدي بالك من الطريق، العربية دي غالية عليا أوي ومفيش منها غير اتنين في مصر.
اتسعت ابتسامتها وهي تُتم حديث شقيقتها بمرح:
—عربيتك وعربية أبيه صفوان، أنا عارفة وماتقلقيش عليها.
ثم دنت منها وعانقتها في غمرة من الحب والحنان، وربتت على ظهرها بامتنان عميق، هامسة بدعوات خالصة:
—ربنا يخليكي ليا يا داري.
❈-❈-❈
وقفت أسفل البناء الذي تقطنه عائلة خالها، تراقب الشارع بعينين تقدحان شرراً، وتزفر أنفاسها في نفاذ صبر جليّ، بينما كان هاتفها يشهد على محاولات مستميتة للاتصال بـمؤمن، حيث عدم رده جعل حدسها يخبرها أنها يجب أن تعرف ما الذي يفعله وليس علي دراية به.
وما هي إلا لحظات حتى أبصرت سيارته ذات طراز التسعينات تتهادى نحوها، حتى توقفت تماماً أسفل البناء.
ترجل منها في برود، فما كان منها إلا أن رمقته بامتعاض وأطبقت بيديها على ساعده، دفعته دفعاً نحو فناء البناء المظلمِ، تهتف بحدة:
—كنت فين يا مؤمن، وما بتردش عليا ليه؟
رمق كفها القابضة على ذراعه بنظرة ذات مغزى، ثم رفع يديهِ ليستند بهما على الجدار خلفها، محاصراً إياها بين ذراعيه في وقفة تنضح بالجرأة، وأجابها بمكر:
—بتقل عليكي، أصل عايز أوحشك يمكن تحن عليا وتاخديني في حضنك الحنين.
رمقته بنظرة يملؤها الغيظ، حاولت أن تدفع صدره بكفيها لتبعده عن مدار أنفاسِها، وقالت بصرامة:
—أنا ما بهزرش يا مؤمن.
رسم على ثغره ابتسامة متجلدة لا مبالية قائلًا:
—وأنا بهزر يا نور.. إيه مالك متعصبة ومش طايقة نفسك ليه؟، كنت في شغل لسه مخلصه ومكنش ينفع أرد عليكي.
تفرست تقاسيم وجهه، باحثة في عينيه عن صدق حديثه، غير أن حدسها الأنثوي مازال يهمس لها بزيفِ ادعائه، فقالت بنبرة غلبت عليها الحيرة:
—هحاول أصدقك، وكلها أيام ونتجوز.
اقترب منها بجرأة معهودة لم تعد تخفى عليها، والتصق بها لدرجة جعلتها تشعر بخطورة قربه، وسألها بهمس وقح:
—لما نتجوز هتعملي فيا إيه؟
كاد أن يختلس من ثغرها قبلة، فزفرت بضجر وتأفف وهي تبذل جهدها لدفعه بعيداً عنها، صاحت بنفور:
—ابعد عني أوعى.. أنت كل تفكيرك منحصر في قلة الأدب؟!
رفع جانب فمه بتهكم صريح وعقب بسخرية:
—ده تمهيد بس للي جاي، مش كفاية مطلعة عيني بقالنا سبع سنين مكتوب كتابنا وكل ما آجي أقرب منك تبهدلي الدنيا وتحسسيني إني حمدي الوزير، علي فكرة أنا جوزك، يعني كان ممكن من وقت كتبت كتابي عليكي كنت اخدتك من إيدك وعيشتي معايا، بس أنا ابن بلد وبفهم في الأصول.
هزت رأسها بسأم وضيق من تكرار هذه الحجج، واجابته دون مواربة أو تردد:
—عشان أنا عارفاك، مش هتكتفي بمجرد حضن وبس.
ثم استطردت وهي تحاول استجماع شتات فكرها الذي بعثره قربه:
—شوف نستني اللي كنت جاية عشان أقوله لك.
هنا تجهمت ملامحه وقست نظراته؛ فقد اعتاد منها هذا الصد المستمر وتلك الحدة الجافة، وهو في قرارة نفسه يتخذ من هذا الجفاء ذريعة تُبرر خيانته لها دون وازع من ضمير.
جز على أسنانه بغيظ مكتوم وسألها باقتضاب:
—خير؟
اجابت وهي تُطلعه علي الآتي بتردد:
—أنا كلمت دكتور وائل صاحب الصيدلية وقولتله هاخد إجازة أسبوعين، قالي مش هينفع آخري أسبوع بس يا إما هيضطر يجيب حد بدالي.
بادرها بلفظ اعتراضي فج ينم عن سخطه واعتراضه الصارخ، ثم استطرد متسائلاً بنبرة تخلو من اللين:
—وأنتي ناوية تكملي شغل في أم الصيدلية المعفنة دي بعد ما نتجوز؟!
هتفت باستنكار وقد عاد صدى وعوده القديمة يتردد في خيالها:
—نعم!، مش كنت متفقة معاك إن أنا مش هسيب الشغل وأنت قولت لي ماشي اللي تشوفيه يا نور؟!
أجابها ببرود واستخفاف، كاشفاً عن نواياه التي خفاها طويلاً:
—كنت باخدك على قد عقلك، وفضلت مستحمل السنين اللي فاتت عشان عارف إن أبوكي وإخواتك محدش فيهم بيعبرك بجنيه واحد.
كانت كلماته كالنصال التي تمزق نياط قلبها، فزادها حديثه الجارح غصة وألماً، همت بالانصراف قائلة:
—كتر خيرك يا مؤمن.. عن إذنك.
أحكم قبضته على يدها، وحاول استرضاءها بكلمات لم تخل من طبعه الجلف:
—انتي زعلتي؟!، أنا مقصدش، انتي عرفاني مدب في كلامي.. حقك عليا.
رمقته بعينين يملؤهما العتب:
—وهي أول مرة تقولي كده؟!
رفع كفها نحو شفتيه وطبع عليها قبلة اعتذار:
—آسف
ثم مال برأسه ليقبل مفرق خصلات شعرها، هامساً:
—لسه زعلانة؟
أجابته على مضض لتنهي هذا الجدال العقيم:
—مش زعلانة.
رد بتهكم، يحاول الاقتراب نحوها أكثر:
—مش باين يعني، ما تخليني زي ما زعلتك أصالحك بطريقتي.
وقبل أن يشرع في غوايته، صدته بكفيها، دفعته في صدره بحزم:
—ما خلاص بقى، قولت لك مش زعلانة.
تراجع خطوة وهو يتمتم بوعد غامض:
—ماشي، كلها أيام وهتعدي.. بالنسبة لحوار الصيدلية فوكك منه لأنك هتسيبيها، دي صيدلية سمعتها زي الزفت، أغلب زباينها الشباب بتوع برشايم أدوية الجدول، وأنا كذا مرة أحذرك ونبهتك كتير وأنتي فاكراني بضحك عليكي عشان تسيبي الشغل.
في تلك اللحظة، أثرت نور الصمت العميق، فقد كانت تعلم صدق قوله؛ إذا تطوف بمخيلتها ذكريات ذلك الموقف المرعب الذي واجهته مع أحد هؤلاء المدمنين، حين رفضت إمداده بمبتغاه من السموم، فتربص لها خارج الصيدلية وطاردها في زقاق موحش، لم يغب عن بالها قط تفاصيل ما جرى، ولا سيما ذلك الرجل الوسيم الذي انبثق من غياهب المجهول لينقذها، وما زالت ملامحه محفورة في ذاكرتها بدقة مذهلة.
ارتسمت على ثغرها ابتسامة عذبة حين استرجعت طيف ذلك المنقذ، غير أنها انتبهت فجأة على صوت مؤمن يسألها بارتياب:
—سرحتي في إيه؟
فتحت فاها في دهشة كأنها لم تستوعب قوله أو كأن سؤاله ضاع في صخب أفكارها، وفي تلك اللحظةِ صدح رنين هاتفِها، فانتفضت كمن مسهُ تيار كهربائي، أخرجت الهاتف من حقيبتِها لتجد المتصل والدها.
هتفت بذعر:
—بابا بيتصل ومايعرفش إن أنا هنا.
أطلقت ساقيها للريح وهي تودعهُ على عجل:
—ابقى أشوفك بالليل في الحنة.. باي.
ركضت متعجلة نحو منزلِها، يلاحقها الأخر بابتسامة هازئة، يدمدم خلفها بإعجاب و دهشة من ردود أفعالها الهوجاء:
—يا مجنونة!
❈-❈-❈
وبالعودة إلى قصر آل الشاذلي مرة أخرى، فرغت لتوها من إزالة مساحيق التجميل عن وجهها، فغسلته بالماء الوفير قبل أن تُجففه بالمنشفة برفق.
تناهى إلى مسامعها صوت محرك سيارة شقيقتها الوسطى بالأسفل، فهرعت نحو النافذة لتستطلع الخبر، فأبصرتها وهي تستقل مركبتها وتنطلق بها مغادرة أسوار القصر.
خرجت من غرفتها بخطى وئيدة، فاسترعى انتباهها باب جناح المجاور لغرفتها والخاص بأسما وهشام، فقد ترك موارباً، فألقت نظرة خاطفة لم تجد بها أحد.
تسللت إلى الداخل في حذر، أوصدت الباب خلفها في صمت مُطبق، أخذت تتجول في أرجاء الجناح حتى انتهى بها المطاف إلى غرفة الثياب، وهناك، فتحت الخزانة الخاصة بثياب زوج شقيقتها!
التقطت قميص معلق على المِشجب، ورغم أنه قد مر بمراحل الغسل والكي، إلا أنّ أريج عطره النفاذ كان لا يزال عالقاً بذرات نسيجه، استنشقت عطره بعمق يملأ رئتيها، وهي تحتضن القميص بين ذراعيها، أغمضت عينيها لتُطلق العنان لمخيلتها، متوهمة أن مَنْ تغمره بعناقها ليس بجماد، بل هو صاحب القميص ذاته!
—فايا!
انتفضت بذعر شديد كأنما صُعقت من وجوده في هذا التوقيت، والتفتت نحوه وهي تحاول بيأس أن تخبئ القميص خلف ظهرها.
ابتلعت ريقها بتوتر جارف، وجاهدت لتخلق عذراً يبرر وجودها المريب في هذا المكان، وهي تبتهل في سرها ألا يكون قد أبصر ما كانت فيه من غفلة و وجد.
—أبيه هشام.. أنا.. أنا.. أنا كنت جاية أخد شنطة من عند أسما، أنا افتكرتك روحت الشركة مع أبيه صفوان.
–أنا روحت ورجعت عشان أخد أوراق مهمة جداً، بس مكنش يخطر علي بالي ألاقي حاجة أهم من الأوراق.
ألقي كلماته بمكر ، فوقعت عليها كوقع دلو الماء أعلي رأسها، فها هو يتحرك نحوها بخطوات واثقة، بينما كانت عيناه تحدقان في عينيها ببريق يملؤه الخبث والدهاء، سألها بنبرة هادئة لا تخلو من الاستدراج:
—طب هي فين الشنطة؟
تتراجع خطوة تلو الأخرى، وخفقات قلبها تُقرع في صدرها كطبول الحرب، حتى ارتطم ظهرها بصلابةِ الحائطِ، فغدت أسيرة بينه وبين جبروت حضوره.
في تلك اللحظة العصيبة، تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها في غياهب العدم؛ فراراً من نظراته التي كانت تخترق سكونها كأنها تُعلن كشف ما تكنه له من مشاعر دفينة منذ سنين.
لطالما كان يظن أنّ ما يراه في عينيها منذ سنوات ليس سوى نزوات مراهقة غضة ستذروها الرياح مع مرور الأيام، ولا سيما بعد أن غدا زوج شقيقتها، يبدو أنه استشعر نضوج تلك المشاعر واشتعال جذوتها؛ فها هي قد بلغت الثانية والعشرين من عمرها وما برح طيفه يسكن وجدانها، يكفي أن عينيها حين كلما تصطدمان بعينيه كما هو الحال الآن، كلما تنضحان بكل ما يجيش به فؤادها من مشاعر حب مكلومة.
وبحركة فجائية خاطفة، دنا منها وبسط يده خلف ظهرها لينتزع القميص من قبضةِ يدها، ثم أطلق ضحكة هادئة جعلت الدماء تحتدم في وجهها خجل وحرج شديد.
تسارعت نبضات قلبها حتى كادت تخرج من بين ضلوعها، فلم تجد أمامها سوى مرافئ الفرار سبيلاً، ولكن ما إن همت بالانطلاق حتى قبض على ساعدها بحزم، سألها بهدوء وثبات بينما كانت هي تُشيح ببصرها نحو الأرض خشية مواجهةِ بريق عينيه:
—أنا أبقى مين يا فايا؟
أدركت بحدسِها مأرب سؤالِه ومغزاه، فابتلعت غصتها المُرة، وأجابت بشق الأنفس وصوت متهدج بالارتباكِ وهي لا تزال غارقة في النظر لأسفل:
—أبيه هشام.
دنا من أذنها حتى لامست أنفاسه خصلات شعرها، مما بث في جسدها قشعريرة امتزج فيها الخوف بالوجل، وسألها مجدداً:
—وأبيه هشام يقربلك إيه؟
أغمضت عينيها في استسلام، وأجابت وجسدها ينتفض برجفة عنيفة لم تخف عليه، إذا به يشعر بتلك الرجفة التي تضرب كيانها بلا رحمة:
—تبقى ابن عمي.
—وإيه كمان؟
ابتلعت ريقها مرة أخرى، ونطقت بكلماتٍد تخرج مع أنفاس متهالكة:
—وجوز أسما.
فعقب بنبرة حازمة حملت طابع التذكير والزجر الضمني:
—أنا هشام، ابن عمك، و جوز أسما أختك.. فهمتي يا فايا؟
أومأت له برأسها في انكسار، فرفع وجهها برفق لتنظر إليه، فأبصر دموعها التي انهمرت من فرط الخجل الشديدِ والحرج الطاغي.
ترك ساعدها في هدوء، وافسح لها طريق الخروج قائلاً بلهجة آمرة رصينة:
—تقدري تمشي.
ركضت متعجلة كمن يفر من حصار خانق، حتى دلفت غرفتها وأوصدت الباب خلفها، استندت بظهرها عليه وهي تنهار تماماً، فاجهشت في بكاء مرير، سبقت دموع قلبها عبرات عينيها في حالة تنضح بالحزن والأسى.
❈-❈-❈
و ها قد حل المساء، انبعث من منزل العروسِ ضجيج يفيض صخبً وحيوية، حيث تعالت زغاريد النسوةِ واختلطت بأصوات الفتيات وهن يرددن أهازيج الفلكلور الشعبي بكلمات تحفظُها الذاكرة وتتوارثها الأجيال.
وفي الردهةِ الشاسعةِ التي غصت بالحاضرات، تمايلت الفتيات رقصاً على إيقاعات تبهج النفوس وتطرد السأم.
بينما نور تقف في زاوية بعيدة، ينهش القلق فؤادها وهي تترقب وصول صديقتِها التي تأخرت عن الموعد كثيراً.
قبضت على هاتفها للمرة العاشرة، وحاولت الاتصال بها، غير أنّ الرنين كان ينتهي دوماً بصمت لا إجابة فيه.
قاطع حبل أفكارها صوت إحدى الفتيات وهي تصيح بها بتهلل:
—يلا يا نور، تعالي نرقص.
ذهبت مع الفتاة وانخرطت في حلقة الرقص مجاملة، تتمايل وسط تصفيق الحاضرات وصدح الأغاني، يبدو أنّ عقلها ظل شاردً يبحث عن تفسير لغياب صديقتها.
وفجأة، استرعى انتباهها مشهد مريب؛ أبصرت شقيقها الأوسط واقفاً خارج عتبة المنزل، يرمق إحدى الحاضرات بإشارة خفية من عينيه تحمل في طياتها موعد سري، ثم صعد الدرج متجهاً نحو السطح.
تسمرت نظراتها تبحث عن تلك التي تلقفت الإشارة، ظهر لها طيف ريم وهي تتسلل من بين الجمع بخفة وحذر، مقتفية أثر شقيقها على الدرج دون أن يلحظ غيابها أحد.
توقفت عن الرقص فجأة، وقالت للفتاة التي كانت تشاركها بلهجة حاولت جعلها عادية:
—كملي أنتي، هروح أشرب وراجعة لك.
❈-❈-❈
صعدت ابنة عمها الدرج بنبضات واجفة، حتى واجهت سيد في زاوية بعيدة عن صخب الاحتفال، فاندفعت تهمس بخوف وقلق، وعيناها تترقبان المدى في وجل:
—أنت بتستعبط يا سيد؟!، أختك وبنات ونسوان الحارة كلهم عندنا في الشقة تحت، عايز مني إيه؟! مش حولتلك الفلوس الصبح وأخدت غرضك مني، جاي ليه بقى؟!
دنا منها بتهور، فلفحت وجهها أنفاسه الثقيلة تنضح برائحة نفاذة استقرت في أنفها، وما إن أدركت مصدر الرائحة حتى شهقت بذعر جمد الدماء في عروقها:
—حشيش!
جزت على شفتها بحنق واستطردت بصوت يرتجف:
—اتفضل يلا انزل بسرعة اقعد مع الرجالة تحت، مؤمن لو شافك طلعت هنا مش هيسيبك، غير الفضايح اللي هتحصل.
هيهات و باغتها فجأة، حيث أطبق سيد بضراوة على عضديها، يهز جسدها بعنف جعل رأسها يترنح، ثم زجرها بصوت ثمل غلبت عليه أثر المخدر:
—يعمل اللي يعمله!، أنتي اتصلي على عمرو وقوليله كل شيء قسمة ونصيب، بدل ما أنا اللي هروح أقوله إنك بتاعتي.
لطمت على خدها في ذهول، وراحت تردد بآسى مرير:
—يخرب بيتك!، يخرب بيتك عايز تفضحني!، واضح إنك تقلت في الشرب.. أبوس إيدك انزل وروح بيتكم.
أجابها بصلابة وعناد مدفوع بغياب العقل:
—مش هتحرك من هنا، واللي بقولك عليه تنفذيه حالاً وإلا هنزل أقول لمرات خالي وأخوكي، ومستعد أكتب عليكي دلوقتي.
أدركت أنها تقف على حافة الهاوية، وأن أي بادرة غضب منها ستُعجل بالسقوط؛ فاستغلت سلاح الأنثي الداهية، ووضعت كفيها بدلال ورقة على صدره، تحاول ترويض المارد الذي يسكنه، وقالت بصوت متهدج يفيض بالرجاء:
—سيد حبيبي، اسمعني بالله عليك.. خلاص مابقاش فيه وقت ولا فرصة إننا نبقى لبعض، أنا ياما اتحايلت عليك زمان تدخل بيتنا من بابه وتطلب إيدي من بابا الله يرحمه ومن مؤمن، تحب أفكرك كنت بتقولي إيه ساعتها؟، جملتك اللي أنا حفظاها أكتر من اسمي، هو أنا لاقي آكل نفسي عشان أتجوز؟!... حاولت أساعدك وأدورلك على شغل، كنت تتهرب وتخترع حجج وكدب ملوش آخر... رفضت عشانك كذا عريس ولا واحد فيهم يستاهل يترفض، لحد ما أخويا شك فيا وحلف لو طلعت مخبية عليه حاجة هيخليني أكره اليوم اللي اتولدت فيه... بابا الله يرحمه كان نفسه يفرح بيا، ولما عمرو اتقدملي مكنش ليا عذر أرفضه؛ على الأقل محترم ومكافح وجدع، عمري ما شوفت منه حاجة وحشة.
استشاط غضباً، وهدر من بين أسنان اصطكت ببعضها:
—ولما هو كل اللي قولتيه ده، ليه معايا لحد دلوقتي؟!، ومش بقلبك بس، بجسمك كمان! عارفة ليه؟
دنا من وجهها بملامح شيطانية، ونفث أنفاسه الكريهة الحارة في محياها وهو يتمتم بوعيد وغطرسة:
—عشان لو بعدت عنك.. تموتي.
تراجعت عنه بضع خطوات للوراء، وقد ارتسمت على ملامحها خيبة أمل مريرة، وهتفت بنبرة يمتزج فيها الوهن بالمرارة:
—بلاش الثقة الزايدة أوي.. أنا بعترف إني بحبك ولا عارفة أحب غيرك للأسف، وفي نفس الوقت عايزة أبقى زوجة وأم، والأهم من كل ده أبعد عن جو تحكمات أمي وأخويا اللي عقدوني في حياتي وكرهوني في عيشتي، وأنت جاي دلوقتي تكمل عليا.
أطلقت سراح دموعها؛ ذلك السلاح الفتاك الذي طالما لجأت له لتهزم به عواصف الرجال، عدا قلب شقيقها الصلد الذي لم تلنه عبراتها يوماً.
وما هي إلا لحظات حتى لانت أسارير سيد، دنا منها وجذبها إلى صدره في عناق حاني، وراح يربت على كتفيها يخبرها بنبرة يملؤها الوجد والاحتراق:
—خلاص ماتعيطيش، أنا برضه دمي محروق.. كل ما افتكر إن بكرة فرحك أنتي وابن عمي وهيتقفل عليكم باب واحد أتجنن، ده أنا مستحمل طول فترة الخطوبة بالعافية!
كفكفت دمعها، ورفعت رأسها عن صدره لتتفرس ملامحه، ثم احتوت وجهه بكفيها وأردفت بنبرة تنضح إغواء وهوس جارف:
—هو هيبقى جوزي بس، لكن أنت حبيبي وهتفضل طول عمرك حبيبي.
سألها بنظرة تنضح بالشك:
—يعني مش هتبعدي عني بعد ما تتجوزيه؟
هزت رأسها بالنفي القاطع، وأجابته بلسان لا يعرف حياء ولا يخشى وازع:
—أنا كلي ملكك، وهفضل ملكك على طول.
واختتمت حديثها السافر الذي انعدمت منه المروءة وانسلخت عنه القيم، بأن اقتنصت شفتيه بخاصتها في قبلة حميمية يغلفها الفجور، دون أن تدري أن هناك زوج من العيون الذهبية، تراقب الفضيحة، ففي تلك الزاوية المظلمة عند نهاية الدرج تقف نور متجمدة وقد ألجمت الصدمة لسانها، فأطبقت بكفها على فمها لتبتلع صرخة وئدت في مهدها جراء ما رأت من خزي بائن، شقيقها و ابنة عمها في علاقة آثمة!!
وما إن همت بالهروب حتى انتفض كيانها ذعراً؛ إذ تناهى إلى سمعها صوت مؤمن الجهوري من الأسفل، وهو يصعد الدرج منادياً إياها بلهفة يبحث عنها، ويبدو من وضوح صوته إنه يصعد الدرج!
يتبع...
صبـاحكم معطر بذكر الرحمن وجمعة مباركة وطيبة عليكم حبايبي❤❤
بحبكم في الله🌹🌹🥰
