سكريبت الفلاحة والظابط (كامل) بقلم سها طارق
كنت قاعدة مدايقة من بصات قرايب جوزي اللي مش عاجباني،
وفجأة لقيته باعتلي رسالة طويلة كدا، مليانة غضب:
بقاا يجاهله يفلاحة إيه القرف اللي عاملة في رجلك دا؟ هو إنتِ فاكرة نفسك لسه في الغيط والعيشة المقرفة بتاعتك؟ كسفتيني قدام قرايبي! دا منظر رجل عروسة؟ إنتِ مش عارفة إنك دلوقتي مرات ظابط؟ المفروض تبقي شيك، تبقي ست مودرن، مش بالمنظر دا اللي يضحكوا عليه الناس.
وقفت زي الصنم، قلبي بيدق بسرعة، إيدي بتترعش، وكتبتله وأنا متعصبة:
إنت بتغلط دي عاداتنا وتقاليدنا، بعد الفرح لازم العروسة تحني رجلها، دي فرحة واحتفال.
وبعدين إيه الكسوف؟ دا أنا فخورة، مش هكسف من أصلي ولا من أهلي. اللي مش عاجبه هو حر.
وبعتله وقفلت الفون وأنا مش طايقة نفسي.
فضلت أسأل نفسي: من إمتى خالد بيتصرف كدا؟ من يوم ما اتخطبنا واتجوزنا مشوفتش منه كلمة وحشة.
معقول كلام قرايبه والتريقة وهو قاعد ساكت دايقته؟
خالته كانت قاعدة قدامي وبتقوللي بصوت عالي قدام الكل:
إنتِ لسه في الجهل دا؟ الحنة دي انقرضت من زمان مش شايفة بنت خالته بطل وقمر إزاي؟ إنتِ ضيعتي برستيج خالد خالص.
بقاا الظابط الحلو دا ياخد واحدة زيك؟ إنتِ مش عارفة إنك بتقللي منه؟
كنت مخنوقة جدًا، لأنه سامع خالته بتهيني ومتكلمش ولا دافع عني.
وبعدين لما مشيوا وهو نزل معاهم، لقيته باعتلي الرسالة دي.
فضلت أقول لنفسي: معقول هو مفتكرني وحشة؟ أومال اتجوزني ليه؟
حاولت أبعد الأفكار دي وأكمل فرحتي، دا أنا عروسة يدوب شهر.
دخلت المطبخ وعملتله أحلى أكل، بما إني شاطرة في الطبخ، وجهزت السفره وظبطت المكان، وقلت يمكن لما يرجع يهدى.
استنيته كتير لحد ما جه، دخل كان على وشه غضب الدنيا، وراح مزعقلي بصوت عالي جدًا:
اسمعي كويس يا يقين حياتك القديمة دي تنسيها خالص تلبسي على الموضة، وتسيبي الكفن دا اللي إنتِ لابسه! أنا عاوز واحدة ترفعني قدام الناس، مش تقلل مني بهيئتها!
بصتله من الصدمة وقلتله وأنا مش مصدقة: إزاي؟ معلش تقصد إيه؟ وضحلي؟
قال وهو بيزعق أكتر: الخمار واللبس الواسع دا أنا مش عاوزه بره! عاوزك تلبسي زي جيل اليومين دول، لبس شيك، لبس يخلي الناس تقول مرات خالد ست مودرن. ولبس بلدك دا تنسيه للأبد.
ضحكت بقهر وقلتله: لبس بلدي يا حضرة الظابط؟ دا اللي مربيني وعايشة بيه من يوم ما اتولدت.
قال وهو بيشاور بإيده: أيوه، وتنسي قرفهم وعاداتهم والحنّة دي تشيلها بأي طريقة! خليتي خالاتي يتريقوا على اختياري فيكي، وخلوني أبان إني غلطت لما اتجوزتك.
عدلت وشي ناحيته وقلتله بحدة وصوتي عالي:
اسمع يا ابن الناس، يوم ما دخلت بيتنا شوفت لبسي ومعلقتش. وكمان بدل ما تغير عليّ، عاوزني أعرض نفسي للناس؟ أنا بحافظ على نفسي، وبدل ما تشجعني عاوزني أكون ماشية متبرجة عشان خالات حضرتك؟ لا، دا على جثتي.
وبعدين مالها الحنة ومالها الفلاحين؟ دول ناس نظيفة بيخافوا على حريمهم وعرضهم، مش زي ناس بتجري ورا المظاهر.
قال وهو بيصرخ: دا آخر كلام عندك؟
قلتله وأنا ثابتة: أيوه، أنا ليك جوة البيت أعمل أي حاجة، لكن برة مش مستعدة أزعل ربنا عشانك.
قال وهو بيحدف الكلمة زي الرصاصة: يبقى إنتِ طالق.
الكلمة نزلت عليّ زي السيف، اتجمدت مكاني، دموعي نزلت، هرجع لأهلي بعد شهر جواز؟ بس فوقت، واخدت حاجتي وسافرت للصعيد.
أهلي استغربوا جدًا، ولما حكيتلهم، لقيتهم جنبي وبيقولوا بصوت واحد: إنتِ صح، وإحنا معاكي."
بابا اعتذر وهو متأثر: أنا اللي غلطت لما جبتلك العريس دا عن طريق صاحبي، كنت فاكرهم ناس محترمة.
فات أسبوع، والأسبوع جاب شهر ورا شهر.
سمعت إن خالد اتجوز بنت خالته ابتسمت ابتسامة فيها نار، بس دايمًا بستعوض ربنا.
رجعت أبني نفسي، أخدت كورسات وكملت كلية التجارة وحققت حلمي، لحد ما بدأت شركة صغيرة ونجحت بعد سبع شهور، والنهاردة المؤتمر العالمي في القاهرة لتكريم أكتر شخصية ناجحة.
لبست خماري ولبسي، وأهلي معايا دخلت المؤتمر، ومكنتش متوقعة أشوفه. أول ما شافني اتصدم، عينه اتسعت، وشه اتغير بصيتله واتخطيته وأنا واثقة.
اتقدمت أقول كلمة قدام الناس كلها:
من شهور كنت حد تاني، كنت فاكرة إن الحياة وقفت، بس ربنا عمره ما بيسيب حد. واجهت صعوبات كتير: إزاي هتشتغلي بحجاب ولبس واسع؟ إزاي هتتعامل بلهجتك الصعيدي؟ لكن دا مش عائق العائق الحقيقي إننا نعمل عكس اللي ربنا أمرنا بيه. أنا اطلقت عشان جوزي مكنش عاجبه أسلوبي ولبسي اللي بفتخر بيه ومش هكسف أقول إني فلاحة، بالعكس أنا فخورة.
الكل بقاا منبهر بشجاعة اللي عندي.
نزلت من المسرح، لقيته بيقرب مني بسرعة، عينه بتجري ورايا، صوته متلخبط:
يقين… لحظة، استني! أنا محتاج أكلمك، محتاج أوضحلك.
وقفت قدامه وأنا ثابتة، رفعت راسي وقلتله:
اتفضل يا فندم، أقدر أخدمك بحاجة؟
قال وهو بيحاول يسيطر على نفسه:
إزاي احلوتي كدا؟ إزاي اتغيرتي بالشكل دا؟ إزاي بقيتي واقفة قدام الناس كلها وبتتكلمي بثقة؟ أنا مش قادر أصدق إن دي يقين اللي كنت أعرفها.
ضحكت بعفوية، بس ضحكة كلها قهر وكرامة، وقلتله:
طول عمري حلوة يا خالد، طول عمري قوية، بس إنت عمرك ما شفتني. كنت شايف بس المظاهر اللي أهلك بيوروها ليك، كنت شايف بس كلام خالاتك وضحكهم، لكن عمرك ما بصيت ليا أنا، ليا كإنسانة. وعلى فكرة، أنا مش زعلانة، بالعكس… أنا بشكرك.
اتصدم وقال: تشكريني؟ على إيه؟
قلتله وأنا ببص في عينه بثبات:
بشكرك لأنك وقعتني، لأنك كسرتني، لأنك طلقتني. آه، يمكن الكلمة جرحتني زي السيف، بس هي اللي فتحتلي باب جديد. بسببك عرفت إن مش كل الرجالة ينفع يتسموا رجالة. بسببك عرفت إن القوة مش في اللبس ولا في المظاهر، القوة في إن الواحد يتمسك بأصله ودينه وكرامته إنت كنت نقطة تحول في حياتي، وبدونك مكنتش هبقى هنا النهاردة.
قال وهو بيحاول يمسك إيدي:
أنا آسف، يقين… أنا غلطت، أنا كنت ضعيف قدام كلام قرايبي، قدام المجتمع اللي كله مظاهر بس أنا حبيتك، والله العظيم حبيتك، وعاوز نرجع، عاوز نبدأ من جديد.
ضحكت ضحكة طويلة، فيها سخرية وفيها وجع، وقلتله:
ترجع؟ تبدأ من جديد؟ يا خالد، أنا مبخدش إلا راجل.
والراجل مش اللي يسيب مراته تتشتم ويتفرج، مش اللي يبيع مراته عشان كلمة من خالته، مش اللي يطلق مراته عشان لبسها. الراجل اللي يخاف ربنا في مراته، اللي يحافظ عليها، اللي يشوفها تاج على راسه مش عيب قدام الناس. وإنت للأسف… مش راجل.
اتوتر وقال بسرعة: يقين، اديني فرصة، أنا هتغير، أنا هبقى زي ما إنتِ عاوزة.
قلتله وأنا مشية خطوة لقدام وبصيتله بحدة:
أنا مش محتاجة حد يتغير عشاني، أنا محتاجة حد يكون راجل من البداية وبعدين… بص وراك.
بص ولقى مراته واقفة، عينيها كلها صدمة ودموع، بتبصله كأنه غريب.
سكت، وشه اتغير، صوته اتكسر: يقين… أنا ضيعتك.
قلتله وأنا ماشية بعيد عنه:
أيوه، ضيعتني، بس في نفس الوقت صنعتني. وأنا دلوقتي مش محتاجة أرجعلك، أنا محتاجة أكمل طريقي، وأثبت إن اللي بيتمسك بأصله مش ضعيف، بالعكس… هو اللي بينجح.
سبتهم ومشيت وأنا مرتاحة جدًا، قلبي مليان قوة. اتكرمت ورجعت البيت، وبعد ساعات لقيته منزل خبر انفصاله.
ضحكت ضحكة كبيرة، وقلت لنفسي: الذكور كتير، بس مش كلهم يستاهلوا لقب راجل
وحشتوني يسكاكر
#تمتتتتتتتتتتتت
#فلاحة_والظابط
#مشاعر_كاتبة
#سهىٰ_طارق_استيرا
تمت
