سكريبت زياد ومنار (كامل) بقلم عمرو ليث
: أنتو اللـي ساكنين جديد هنا ؟
• اه إحنا جيرانكم الجداد
: أنتو كنتوا جيران فيروز ولا أي!
• فيروز مين؟
: اللـي قالت أنا والقمر جيران
• اه ده أنت بتعاكس بقا
: لا خالص، أصل شفتك بتسمعي فيروز وواقفة فـي البلكونة بكوباية القهوة ودي تفاصيل ميحبهاش غير شخص رايق
• يعني مش كئيب مثلًا
: وهو الكئيب أي غير واحد فاهم كل حاجة حواليه ومبقاش عنده حماس يجربها، لأن الإنسان بطبعه ميّال للحاجة الغامضة اللـي مش متوقعة
• ممكن، تجرب القهوة!
: بلاك؟
• لا محوجة
: بريحة؟
+ سادة
: بسكر؟
• مظبوطة
: وكأنها متفصلة عشاني
• طب أتفضل
مد أيده أخد كوباية القهوة وفضل واقف ساند أيده على البلكونة بيلعب بالفون بتاعه، بقيت كل فترة والتاني ألقي نظره عليه، هي مش فترة يعني ممكن نقول بين كل لحظة والتانية مثلًا، لحد ما شرب الكوباية كلها ..
: للأسف
• أي مش حلوة؟
: مشكلتها أنك حلوة يا منار
• أي!
: القهوة قصدي حلوة
• المهم أنها عجبتك
: جدًا
• طيب تصبح على خير
حسيت أني عكيت ساعتها ومرضيتش أتكلم تاني عشان محسش أني مأفور .
: مش عارفة يا شهد المكتبة باظت هصلحها إزاي مش عارفة
• شوفي نجار يا منار يعملها أنتي محتارة ليه كده
: معرفش حد هنا أنا متضايقة حقيقي وهعيط مش عارفة اتصرف
خرجت أكلم شهد في البلكونة بعد ما حسيت بضيق تنفس في الشقة جوه بعد ما المكتبة إللي حاطة فيها الكتب اتكسرت بسبب النقل من مكان لمكان، وحسيت أني خلاص تكة وهعيط، دي الحاجة الوحيدة إللي لما بحسّ أني مهزومة بروح أقف قدامها واختار كتاب وأحس أني بقرأ الشخصية اللي نفسي اكونها، إللي عايزة ابقى زيها، مفيش شخصية معينة بس لما بلاقي شخصية مريحة في الروايات بحس أنها شبهي، حسيت أني مهزومة المرة دي ومش عارفة هقف قدام أي دلوقتي!
: أحم
روح المتطفل إللي ساكن جمبنا ظهر تاني، لحقت مسحت دموعي بسرعة قبل ما ياخد باله ..
: واقعة في مشكلة صح؟
• وأنت مالك!
: كان نفسي يبقى مليش ولكن مبعرفش أقعد على حيلي لما بشوف حد محتاج حاجة وقادر اساعده وأفضل واقف مكاني
• وأنت عرفت منين أني محتاجة حاجة؟
: صوتك وأنتي بتزعقي مع شهد خرملي ودني
• لا ده الطبيعي بتاعي
: أصلًا!
• طب تعرف نجار هنا عشان المكتبة بتاعتي اتكسرت
: اه أعرف نجار شاطر جدًا وبيعرف يصلح أي حاجة
• بجد! هو فين؟
: ماهو تواضع بيكلمك أهو
• مش وقت هزار سخيف
: مش سخافة حقيقي
• أمال!
: مش مهم، حابة أصلحهالك أمته؟
• لو مش هتعبك دلوقتي
: لا بصراحة مشغول جدًا دلوقتي، هشوفلك معاد فاضي فيه وهخلي السكرتيرة تبعتلك المعاد
• والله!
: بهزر خلاص شكلك قماصة، أفتحي الباب لحد ما أجيب العدة
حسيت أنه اخد باله أني اتضايقت من كلامه، وهو فعلاً هزاره سخيف، أو ممكن أكون شفته سخيف عشان مخنوقة أصلًا، أستنيت 3 دقايق لقيته مجاش، عدى ربع ساعة برضو مجاش، روحت نحيت الباب بصيت من العين السحرية لقيته واقف قدام باب شقتهم، وحاطط شنطة على كتفه ومسنود على الحيط إللي قدام الباب، فتحت الباب ولقيته أتخض ..
: أخيرًا ده أنا افتكرتك نسيتيني
• أنت كنت واقف كل الوقت ده على الباب هنا؟
: أيوه
• ومخبطش على الباب ليه!
: مفكرتش اخبط بس أنا قولتلك افتحي لحد ما أجيلك ولقيتك مفتحتيش فـ فضلت واقف مستني
• وكنت هتستنى لأمته يا أستاذ
: لحد ما تيجي
• ولو مكنتش جيت انهاردة!
: كنت هستناكي لحد ما تيجي
• طب تعالىٰ
مش عارفة ليه كل ما أتكلم معاه بحسّ بأن كل كلمة بيقولها وراها لغز أو معنى أكبر منها، بحسّ كلامه عميق جدًا وراه معاني كتير، وعنده ميزة أنه مش متردد أو بيتلخبط او بيعك في الكلام، رغم أننا اتكلمنا 3 مرات ولكن حسّاه غامض .
شاف ماما سلم عليها ودخل الغرفة المحرمة إللي مكنش حد بيدخلها في الشقة القديمة نظرًا لمدى أهمية الأشياء اللي فيها إللي بنسبالي قيمتها كبيرة جدًا، وكان هو أول شخص يدخل يشوف الكركبة، فضل واقف قدامها 5 ثواني بالظبط وراح نحيتها وبيلمسها ..
: أنتي بتحبي الكتب!
• اه جدًا
: متوقعتش حقيقي
• واي اللي هيئالك أني مش بحبها؟
: ملامحك وردود أفعالك واسلوبك عامةً
• مش فاهمة حاجة أي علاقة إللي بتقوله بأني بحب الكتب ولا لا
لقيته بصلي وفضل ساكت، وبدأ يشتغل في الرفوف ويظبطها كويس .
: بمناسبة أني ضيف عندك مش هتعمليلي كوباية قهوة مثلًا؟
• معتقدش انك هتحب القهوة إللي بعملها
: مش يمكن أحبها؟
• القهوة بتاعتي مملة جدًا
: وماله أنا عندي صبّر يخليني أستحملها
• رغاية جدًا وبتعمل صداع
: هسمعها، أنا بعرف أسمع على فكرة
• هتزهق!
: معتقدش
• هروح أعملهالك
: هي أي؟
• القهوة يا خفيف
روحت عشان أعمل القهوة إللي أول مرة أحسّ أني رايحة أعمل حاجة وأنا مبسوطة، الأبتسامة فضلت تتسلل لحد ما أترسمت على وشي، حسّاه خفيف كده ومش عكاك، لبق في الكلام وفي الوصف وفي التعبير، مش هبّاد في الكلام ولا ملهوف، أنسان بيرفكت في كلامه وفي ردود افعاله، وكأني كتاب مفتوح قدامه قادر يقرأ صفحاته بسهولة، حتى العك إللي مش عارفة اطلعه هو قدر يترجمه ويرد عليه من غير ما أقوله!
: أي رأيك؟
• أنت خليتها أحسن من الأول بكتير
: عجبتك!
• جدًا حقيقي الديزاين الجديد حلو أوي
: محبتش شكل التصميم إللي كانت عليه في الأول قولت أحط لمستي فيها
• وأنت أي حاجة بتصلحها بتحط لمستك عليها ؟
: الحاجة اللي تستاهل بس، وأعتقد مكتبتك أكتر شيء كان محتاج يتصلح ويغير شكله بعد ما غيّر مكانه
• هي فعلاً كانت محتاجة تتصلح
: شكراً على القهوة صحيح عجبتني
• عجبتك!
: اه عجبتني جدًا رغم العك إللي جواها واللخبطة والتوهان
• عمومًا العفو، حسابك كام؟
: حساب أي؟
• حساب الشغل إللي عملته وتعبك
: القهوة قامت بالواجب وأخدت حقي منها
• أخدته إزاي؟
: جمالها
• القهوة!
: بالكلكعة إللي جواها
فضلت واقفة قدامه مش فاهمة هو قصده أي، بس حاسة أنه يقصدني!
بيتكلم عني، ولكن عرف إزاي يستخدم القهوة كأسلوب مجهول ورا المعنى الحقيقي لكلامه، القهوة ستارة للمعنى اللي ورا كلامه عن عنها، استأذن ومشي وهو سايب وراه ألغاز مش فاهماها، أعتقد أنه وراه حاجة مش مفهومة، ويمكن الأيام توضحهالي .
منار غريبة حبتين، اللي هي بتمتلك كل مقاومات النضج ولكن بتخاف، مترددة، ملامحها تايهة ومتوترة، بيبقى جواها حاجات كتير بس مش عارفة تقولها إزاي، بتتلخبط في وصف إللي جواها رغم أنها بتقرأ كتب وروايات، أنا لقيت عندها كتب بدور عليها ولكن اتحرجت أقولها فـ تقوم تديني كتاب أو إتنين وتقولي اعتبره مقابل تعبك، وأنا مش ببقى مستني مقابل من حاجة عملتها وأنا حاببها، وأنا كنت حابب اساعدها لأنها كانت شايفة أن المكتبة بتاعتها آخر وسيلة نجاة ليها، أو تعتبر وسيلة الهروب الوحيدة بنسبالها، فأني اخاطر وأكون سبب في تصليح حبّل نجاتها دي حاجة كبيرة بنسبالي، وشكل الاوضة بالكتب إللي فيها والعبارات إللي على الحيطان مريح جدًا، حسيت أن كل حاجة في الأوضة بتتنفس بجد وبتطمن، وقتها حسيت أن وصف غرفتها أنها السبيل الوحيد لنجاة كان واقعي مش مجرد كلام، كان حقها تزعل .
كنت قاعد أنا وست الكل واخويا الصغير محمد بيقول لأمي ..
: أنا مستني زياد يتجوز عشان أخلي مراته تعملنا شاي وأكل من غير ما تتعبنا
أنا رديت عليه بكل تلقائية ..
• ليه هنجيب خدامة!
: أيوة هتخدمنا
• محمد أنا لما بقول لأختك تعملي كوباية شاي بقولها معلش اعمليلي كذا عشان بحسّ أني بتقل عليها، وبديها فلوس لما بتجيب كوباية الشاي حاجة بسيطة قصاد أنها تكرمت وقامت تعمل إللي طلبته منها
: أيوة ما ده طبيعي عشان دي أختك
• واللي هتجوزها دي غريبة!
: بالظبط
بصيتله بنظرة كلها شرار وحسيت أني ممكن أعمل مصيبة، ولكن أول ما أمي بصتلي رجعت عن إللي كنت هعمله وحسيت أن النار إللي كانت هتاكل أي حاجة قدامها اتطفت، دماغي فضلت رايحة جاية إزاي هقدر اسيب مراتي هنا وسط الأشكال إللي بتفكر بالطريقة دي، بني آدم بيتعامل مع الغريب أنه مباح له يتعمل فيه أي حاجة واللي يعرفه لا خط أحمر، إزاي هسيبها وأنا هخاف عليها من الهوا وسط ناس مستنياها تيجي عشان تخدمهم!
قطع حبل أفكاري صوت الباب إللي بيخبط، قومت أفتحه لقيتها ..
: مساء الخير
• مساء النور خير المكتبة باظت تاني!
: لا كل حاجة تمام مفيش حاجة باظت، بس ماما عملت حلويات وقالتلي أودي لجيرانا الحلويات إللي عملتها
• كتر خيرها حقيقي، مامتك تخصص حلويات فعلاً، مبتجبش غير الحلو
: الحلو للحلو
• يعني أي!
: أتفضل الحلو إللي جيبهولك الأول
• حلو جدًا تسلم أيد مامتك بجد
: شكرًا، في حاجة كمان في البلكونة بتاعتك هتلاقي كتاب عشانك
• كتاب عشاني!
: اه يا رب يعجبك
سابتلي أبتسامة وكأنها هي إللي بتشكرني على طبق الحلو، ولكن هي إللي كانت محتاجة الشُكر بعد الحلو إللي جابته، وأبتسامتها إللي سابتهالي ومشيت، دخلت وقفلت الباب بعد ما وقفت كام ثانية بستوعب الموقف إللي دار من شوية، ودخلت أديت الطبق لأمي من غير ما أقول حاجة، روحت للبلكونة لقيت كتاب " قوانين التحرر من الصراع النفسي " هو هو نفس الكتاب إللي أول ما شفته مقدرتش اشيل عيني من عليه وكأنها قرأت أفكاري ساعتها ..
: عجبك!
من كتر مأنا باصص للكتاب محستش بوجودها خالص، ولكن فوقت على صوتها العالي ..
• جدًا
: كنت متأكدة أنه هيعجبك
• وأتاكدتي منين!
: أقول بصراحة؟
• قولي
: شفتك مشلتش عينك من عليه أول ما شفته، وكأنك لقيت حاجة كانت تايهة وجت صدفة قدامك
• عرفتي إزاي!
: من عيونك، العيون مبتعرفش تكذب
• هه عندك حق
: محبتش أحور عليك وقولتلك الصراحة، مش زي ناس بتقول كلام وراه معاني كتير مش مفهومة
• ناس مين؟
: الناس بتوع القهوة
• أصلًا!
: أنت مقفوش يا زياد
• لدرجة دي!
: خالص
• ماشي يستي
: أقرأ الكتاب، سهرة سعيدة
ضحكت جدًا بعد الحوار إللي دار بينا وقد أي كنت ساذج جدًا بعد ما كنت فاهم أنها مش فاهمة وطلعت فاهمة، ضحكت على سذاجتي، دخلت اقرأ الكتاب ولسه بفتح أول صفحة لقيت جملة مكتوبة بخط الأيد ..
للحُبِّ أهلٌ، ولسنا أهلهُ أبدًا
نحنُ الظَّلام الذي ما زارَهُ قمرُ
حسيت بعمق النص وكأنه واقعي جدًا، ومكتوب بطريقة فنية جدًا، تجذبك أن الكلام حقيقي، بداية مشوقة جدًا، لما نشوف أي إللي مستنينا قدام .
: والله يا شهد مش عارفة
• طب وعيونك إللي بتطلع قلوب دي!
: أنا مالي بعيوني
• يمكن عشان عيونك حباه؟
: مثلًا
• مثلًا في عينك انجزي
: هتزعقي والله هعيط وهقلبها نكد
• مش هزعق هتكلم براحة أهو
: أيوه كده، بصراحة هو خفيف لأبعد حد، حسّاه طبيعي مش غريب
• طب ما كل الناس طبيعية
: لا بالعكس كل شخص بيمثل دور مش لايق عليه، وبيعملوا حاجات مش لايقة عليهم
• طب وهو؟
: هو طبيعي جدًا بجد، حسّاه واقعي كده وفاهم
• حبيتيه؟
: مش بالسرعة دي
فجاة لقيت أمي داخله علينا الأوضة بتقولي ..
: في ناس جيالنا بليل يا منار جهزي نفسك
ملحقتش أقولها ناس مين لقيتها قفلت الباب ومشيت، فضلت ابص أنا وشهد لبعض مش فاهمين حاجة، لحد ما حسيت بحركة في البلكونة، خرجت لقيت الكتاب إللي اديته لـ زياد، بفتحه لقيت ورقه مكتوب فيها ..
اني رأيت من العيون عجائبًا
و أراكِ أعجب ما رأيت عيونًا .
فجاة لقيت نفسي ببص لشهد وبقولها ..
: جاي يا شهد إللي قولت عليه أني مش هلاقيه
• ولقيتيه!
: هو إللي لقاني .
كنت قاعد قدامها مش عارف أبص نحيتها، حاسس أني من الفرحة عاجز أرفع عيني وأشوفها، مش مصدق أني لقيت حاجة كنت بدور عليها بخلاف الكتاب، ولما لقيتها لقيت كل حاجة معاها، حتى الكتب، أول قعدة
أول ضحكه
أول أبتسامة
أول مرة عيني تقابل عينها والعيون يتكلموا مع بعض بلغتهم، لغة محدش يفهمها غير المحبين، وأنا كنت أحد أعضاء ملتقى العيون .
: جيت صدفة ولا كنت قاصد!
• في البداية كانت صدفة
: ودلوقتي؟
• جيت عشانك
: وجاي حابب ولا تايه؟
• جاي حابب وواقع ومغرم
: أنت بتكذب، أنت جاي تصلح
• بس جاي عشانك
: رغم أنك بتاخدني على قد عقلي بس موافقة
• معنديش أغلى من عقلك أراضيه
: وقلبك؟
• لما شافك وكأنه قالـ
يكفيني أن تكون بِـ قلبي
لِـ أقول أن كُل العالم معي .
كان جاي يصلح المكتبة بتاعتي، ولكن بالصدفة جه صلّح حاجات كتير جدًا مكنش السبب فيها، حاجات مكنتش متخيلة أن حد ممكن يتقبلها، ولكن بالصدفة جه إللي تقبلها واتعامل معاها وصلحها .
النَّفسُ تأنَسُ إن رَأتْ أحبَابَهَا
ورُتبَةُ الودِّ تَعلُو رُتبَةَ النَّسَبِ .
لـ عمرو خالد لـيث
#الكاتب_ليث
تمت
