رواية تلميذ الجن الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم جمال الحفني
"الجزء الثاني والثلاثون"
الأرض تحت رجلي اهتزت اهتزاز خفيف, زي نبض قلب ضخم مدفون جوا التراب, الشارع اللي واقفين فيه بدأ لونه يبهت, الألوان بقت تتسحب كإن حد بيمسحها ببمحاة غير مرئية, السما ونجومها اتحولوا للون رمادي وظهرت سحب اتجمعت فوقنا وعملت دايرة مقفولة فوقنا احنا بس..
سمعت شدام جوايا بيقولي استعد هو بيفتح الدايرة..
الساحر مد إيده في الهوا وعمل بصباعه خد منحني على هيئة نص دايرة علوية, الخط اشتعل بلون أخضر باهت وبمجرد ما قفل الدايرة الشارع اختفى!
الأرض بقت عبارة عن تراب متشقق ممتد لمالانهاية, البيوت القديمة اتحولت لأطلال قرية قديمة مهجورة من مئات السنين, والهوا بقى مليان ذرات رماد بتلمع..
قال بنبرة بيحاول يزرع فيا الخوف بيها, هنا محدش هيشوفنا ولا هيسمعوا صراخنا, هات كل اللي عندك..
وبمجرد ما خلّص كلامه, ظهروا..
الظل بتاعه اللي كان وراه, مبقاش ظل واحد, اتقسم اتنين, بعدها اتضاعفوا, ومن كل ظل خرج كيان, طولهم كان أطول من البشر بشوية، وأجسامهم كأنها دخان متكثف، ملامحهم مش واضحة، لكن عيونهم زي جمر مدفون تحت رماد.
كل واحد فيهم ليه هيئة مختلفة يعني مثلا واحد أعرض، واحد أنحف كأنه رمح، واحد ضخم الكتفين، والرابع كان ساكن, بس أحساسي ناحيته والطاقة اللي كامنة جواه كانت أتقل من الباقيين.
الساحر بصلي وقال بثقة, قول لخدمتك يطلعوا خلينا نشوف شطارتهم.
كان فاكرني زيه...
كان فاكر إن اللي معايا مجرد خدمة..
ابتسمت ابتسامة أكبر من ابتسامته ومنطقتش, مجرد ما همست جوايا شدّام, الهوا حواليا اتموج زي حرارة طالعة من الاسفلت, وظهر على يميني, مرهوب ظهر على شمال بدون ما انادي عليه, ظهر بهيئته الضخمة وضهره بيتحرك لأعلى وأسفل نتيجة أنفاسه الغاضبة, وقال سبهملي.
واحد من الأربعة اللي ورا الساحر اندفع فجأة اتجاهي, اتحول لخط مستقيم زي الرمح, قبل ما يوصل عندي اصطدم..
شيء مكتوم شبه حجر خبط في لوح زجاج سميك, الهوا قدامي اتموج في لحظة وظهر جدار شفاف متين من صنع شدام..
الكيان ارتد للخلف من قوة الاصطدام وهو بيحرك راسه شمال ويمين عشان يفوق من اللي حصل معاه, وفي نفس اللحظة مرهوب رفع رجله يتحرك خطوة لقدام وقبل ما ينزلها للأرض كان اختفى وظهر خلف الكيان دا, وفي اللحظة اللي بعدها الكيان اتفكك وجسمه بقى عبارة عن شظايا دخان سودا اتبعترت في ساحة المعركة..
الساحر عينه رمشت, شوفت الخوف والمفاجأة ظهروا فيهم لجزء من الثانية لكنه أخفاهم بمهارة, وقال بهدوء مصطنع, حظك كويس..
التلاتة الباقيين غيروا تشكيلهم فورا بإشارة من يد الساحر, اتحركوا حواليا في دايرة, مكانوش بيقربوا, كان وضح إنهم بيقيسوا..
التشققات اللي في الأرض بدأت تتملا بلون أحمر كإننا واقفين جمب بركان بيغلي, درجة الحرارة زادت جدا, وأنا مبحبش الحر ولا بحب الصيف ولا بحب اللي بيحبهم..
واحد منهم رفع إيده ناحية الأرض، وفجأة سلاسل من ظل طلعت من تحت رجلي، محاولة تمسك في, السلاسل عدت من خلالي, مش لأني اتحركت لكن لأن شدام في نفس اللحظة لف طبقة خفيفة حوالين جسمي, طبقة رقيقة زي قشرة هوا مضغوط, السلاسل بمجرد ما لمستها دابت واتبخّرت كإنها قطرات مياه اترمت في بركة نار.
مرهوب مكانش بيستني, اتحرك ناحية الأعرض فيهم عشان يفتك بيه, والتاني حاول يعترضه راحوا اتصادموا في نص الساحة, مكانش فيه أصوات صراخ, فقط أصوات اصطكاكات بتظهر بعد كل ثانية والتانية وضوء يظهر ويخفي في كل مرة في مكان مختلف عن المرة اللي قبلها.
التالت الساكن كان الأخطر.. واقف مبيتحركش.
فجأة حسيت بثقل على كتفافي..
ضغط نفسي..
محاولة اختراق ذهني..
الساحر رفع حاجبه وهو شايف رد فعلي, وقال مش كل حاجه بتبان.
حاول يدخل من خلال إدراكي ويعرف أنا مين, وإيه سر القوة بتاعة اللي معايا؟
همست لشدام, اقفل.
الجدار الشفاف اللي قدامي مبقاش قدامي بس, اتمدد حواليا وانغلق على نفسه زي قبة كاملة حواليا, قبة عزلتني عن أي محاولة اختراق..
الضغط اختفى فجأة, في اللحظة دي مرهوب أنهى اشتباكه مع التاني اللي اتفكك وبقى عبارة عن ذرات دابت في الهوا قبل ما تلمس الأرض.
كدا اتنين خلصوا, التالت اللي هو أعرضهم جسما حاول يندفع نحوي مباشرة, لكن قبل ما يوصل كان مرهوب انطلق ناحيته ولف حوالينه كإعصار أسود وسحبه تحت الأرض, والاتنين اختفوا, مرت ثواني تقيلة بعدها خرج مرهوب من نفس المكان اللي سقطوا فيه..
كدا خلصوا تلاته وباقي واحد.. الساكن..
كان واقف ومازال مبيتحركش, هو اللي كان بيحاول يدخل عقلي ولسه بيحاول.
الساحر بدأ يتوتر, وكان واضح إحساسه بالكفة اللي بتتغير لناحيتي, وقال بنبرة أقل ثقة واضح إن خدمتك متدربين كويس..
ابتسمت تاني بس المرة دي مرديتش عليه, فجأة الساكن اتحرك ولأول مرة واندفع بس مش ناحيتي, ناحية مرهوب اللي واقف في النص بيلتقط أنفاسه بعد معركته الأخيرة واللي واضح إنها كانت أقواهم..
اشتبكوا في نص الساحة, تصادمهم عمل تموج عنيف في السما الرمادية, المعركة مكانتش أضواء بتظهر وتختفي هنا وهناك, سمعنا أصوات زمجرتهم, أشبه لصوت حيوانات ضارية بتحارب على لقب الزعامة, الوقت زاد, ونظرات الساحر كانت كلها قلق وهو بيتابع اللي بيحصل, وشدام واقف جمبي مبيتدخلش, سايبها مواجهة مباشرة وفي نفس الوقت بيحميني من أي مفاجأة ممكن تحصل.
بعد وقت مش قليل الأصوات بدأت تقل لحد ما ظهرت خالص, وفي النهاية ظهر مرهوب وهو واقف وبعد ثانية كان وقع على الأرض في وضع الجلوس بعد ما خارت كل قوته, بص على شماله ناحية شدام, بصة معناها مدخلتش معايا ليه؟ لكن شدام معملش أي ردة فعل أو إجابة لسؤاله..
الساحة سكنت..
الشقوق في الأرض بدأت تقفل..
السما رجعت أهدى..
الظل بتاع الساحر رجع طبيعي زي ما كان, الساحة بدأت تتلاشى, والألوان رجعت للشارع, والبيوت ظهرت ورجعنا واقفين من تاني قدام بيته, أنا وهو وشدام, مرهوب مكانش معانا, واضح إنه قرر يرتاح بعد المعارك اللي خاضها..
لفيت ضهري ناحية الساحر وشدام اتحرك خطوة ناحيته, سمعت بعدها صرخته الأخيرة.
#تلميذ_الجن
