رواية تلميذ الجن الفصل الثامن عشر 18 بقلم جمال الحفني
"برهام" ظهرلي فجأة وبدون سابق إنذار في وسط الغرفة اللي بعالج فيها, ظهوره أربكني الصراحة وكانت عندي حالة بتعاني من الكوابيس والنوم غير المنتظم وطول فترة وجودها وهي مقتنعة إن مرات أخوها عاملالها عمل ربط معكننة عليها عيشتها عشان هي وأخوها عايشين في خير وسعادة ومرات أخوها وجوزها عايشين في نكد وتعاسة عشان كدا عملتلها العمل دا, ومكانش فيه عمل ولا حاجه بس مينفعش أقولها كدا, كنت قاعد بسمع حكاياتها وباخدها على قد عقلها, وفي الاّخر كنت همسك ورقة واشخبط عليها بأي شيء واقولها تحرقها وتعدي فوقيها سبع مرات والرماد بتاعها تدوبيه في جردل مياه وتستحمي بيه وهتبقى زي الفل, لكن بظهور "برهام" قاطعتها وقولتلها خلاص حلّك سهل وبسيط لكن أهميته إنك متعرفيهاش إنك عرفتي وإلا العمل اللي هنفكه هيرجع تاني, هزت راسها والدموع هتنط من عيونها بعد ما أخيرا لقت العلاج, وفي الأخير خدت الورقة ومشت.
بعد خروجها على طول كان عم جابر ورا الباب وبينادي على الحالة التانية لكن ناديت عليه وقولتله ميدخلش حد دلوقتي لحد ما اقوله, هز راسه وقفل الباب زي ما كان ووقفت في مكاني لإنه من قلة الذوق إن معلمك يكون واقف وانت قاعد, الجن بيحب الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة دي قوي, وبرهام مكانش المعلم بتاعي وبس, دا كبير قبيلة.
فضل ساكت للحظات خلّاني فيها اتخيل كل الكواراث اللي ممكن تحصل أو هتحصل لدرجة إنه ييجي بنفسه عشان يحذرني أو ينقذني منها, لو كانت أخبار عادية كان بعت لي أي حد من القبيلة, لكن ييجي بنفسه! الموضوع كبير.
اتكلّم أخيرا وقالي إنه خلاص وجودي هنا ملوش فايدة وجي الوقت عشان اروح للمرحلة التانية, حسبت في دماغي الفترة اللي قضيتها كمعالج واللي كانت تقريبا 8 شهور وكام يوم, ولما عرف إني بحسب الفترة اللي قعدتها قالي إن الفترة دي كانت قابلة للزيادة أو النقصان حسب مهاراتي وسرعتي في التعلم.
سكت متكلمتش بعدها افتكرت أمي اللي لوحدها وطلبت منه بسرعة إني ارجع لحياتي الطبيعية كام أسبوع عشان افصل من التجربة اللي عشتها لإني حرفيا نسيت إني جيولوجي وليا اكتشافات وبحضر مؤتمرات وبدأت أصدّق إني معالج خبير بمارس المهنة من سنين مش فقط 8 شهور.
"برهام" هز راسه بالمموافقة وهو بيتفحصني بعينه كإنه شاكك في مقدرتي على اللي جاي, هل هقدر عليه ولالا, وكان اّخر حاجه قالهالي قبل ما يختفي إنه هيتواصل مع "شدام" وهو اللي هينقلني للمكان الجديد اللي هتعلم فيه.
مكان جديد! قولتها في نفسي بعدين ما اهتمتش, المهم إن دلوقتي خلاص هرجع لطبيعتي وأمي وشغلي اللي وحشوني جدا, خلصت باقي الحالات الموجودة في عجالة وقولت بعدها لعم جابر إني مسافر لرحلة ممكن تطول, واعطيته حسابه وإيجار البيت لمدة 3 شهور وقولتله لو مرجعتش بعد 3 شهور رجّع البيت لصاحبه, واتغاضيت عن نظرات التساؤل اللي وجهالي وطلعت أوضتي.
حلقت دقني وغيرت هدومي لبست اللي جيت بيها أول مرة, أينعم ضاقت عليا شوية من القعدة لكن الاختلاف مكانش ملحوظ قوي, استدعيت شدام وقولتله رجعني بيتي, مدّ لي إيده ولمستها وخلاص لحظة كنت في أوضتي في بيتي, والجن المتشكل بصورتي بمجرد ما شافني رفع ايده بابتسامة واختفى.
كنت عايز اروح لأمي أصحيها لأي سبب, لكن استسخفت الفكرة وقولت الصباح رباح, ونمت الليلة وأنا بفكر في جملة برهام الأخيرة وخصوصا لما قال المكان الجديد.
في الأسبوع الخامس سمعت شدام بيهمسلي في الصبح وبيقول إن دا اليوم الأخير ليا, وبالليل هياخدني للمكان الجديد حسب تعليمات "برهام".
"وادي الأرنت"
قبل المغرب بشوية كنت واقف قصاد وادي ضخم, المكان مكانش مخيف لكن مكانش مريح, الريح فيه ما بتهبّش, بتتزق كإن حد فاتح له سكة, حتى الرمل مكانش بيتحرك في الهوا, كان بيزحف على الأرض, شدام وقف ورايا وقالي هتدخل لوحدك, الوادي ده ما يقبلش غير واحد, وأنا هفضل مستنيك هنا لحد ما تخلص, كان بيقولها كإني هقعد ساعة أو يوم, مع إني عارف إن الوقت ممكن يطول ويطول جدا..
سألته ليه مردّش, اختفى وسابني واقف قصاد فراغ عامل زي الفم المفتوح.
ودخلت..
أول حاجه حسيتها إن الصوت اختفى..
خطواتي مكانش ليها صدى..
كإني ماشي فوق قماش مش فوق رمل وصخور..
مشيت وأنا ببص حواليا, خايف ومش خايف, لحد ما وصلت عند صخرة قعدت عليها واستنيت اللي هيحصل, طلّعت مياه وشربت وفي نص الشرب سمعته بيقول ما تشربش كتير, اللي في الوادي ده بيفك اللي جوه الإنسان,,
سمعت صوته قبل ما اشوفه, رفعت عيني لقيته قاعد على حجر كإنه جزء منه, عجوز ضهره محني وعينه الشمال أغمق من اليمين, ماسك عايه في إيده لكن العصاية ما كانتش بتلمس الأرض!
قال إنت اللي باعتك جنيك؟
هزيت راسي..
ما قالكش اسمي؟
قلت: قالي عجوز من جن العهود.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال يبقى لسه مخانكش, سكت شويه وقال اللي بيتعلم هنا مبيتعلمش عشان القوة, بيتعلم عشان يعرف حدوده, مبيتعلمش عشان يبقى معالج, بيتعلم عشان يعرف يسيطر على اللي حواليه.
عرفت ساعتها إن الرحلة دي هتلعمني إزاي اتعامل مع الجن من غير ما اضيّع نفسي.
الجزء الثامن عشر
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
