سكريبت سباق دون خط نهاية (كامل) بقلم مريم ابوعمر

سكريبت سباق دون خط نهاية (كامل) بقلم مريم ابوعمر

سكريبت سباق دون خط نهاية (كامل) بقلم مريم ابوعمر

يلا يا بت، انزلي!

— يا ليل، اصبر بقى… هقع!

— ونِعمة يا ليلة، لو جدي صحي على صوتك لأخلّص عليكِ!

— أعمل إيه بس؟! هتموّتني وتقولي لو عملت صوت أخلّص عليّا!

نهيت كلامي وأنا باخد نفس سريع، وبعدين نطّيت من بلكونة بيتنا اللي في الدور الأرضي.

وقعت في حضنه مباشرة، فضحك عليّا وهو بيهز راسه.

ضربته على كتفه بغيظ وقلت:

— أصل أنا مش قردة شبه ناس، الموضوع سهل عليهم!

ردّ ليل بغيظ مصطنع وهو بيبعدني عنه:

— طب يلا، بطّلي لماضة، خلّينا نتحرّك قبل ما حد يشوفنا!

بصّيت له بتحدي:

— أهو أنا اللي لمّاضة؟! ده أنا اللي كنت هموت من الرعب!

قرّب وشّه شوية وقال بنبرة مستفزّة:

— ومع كده نطّيتي… يعني شجاعة على خفيف.

لفّيت وشي وقلت بدلال:

— غصب عني… ما أنا لو فضلت فوق كنت هقع بجد.

ابتسم بخفة وهو ماسك إيدي:

— يلا بقى قبل ما جدي ينزل بنفسه يشوف إحنا بنعمل إيه.

ومشينا وإحنا بنضحك بصوت واطي، وكل واحد فينا بيحاول يبان شجاع أكتر من التاني.

روحنا مكاننا المفضّل… طريق فاضي بعيد عن الناس، بنعتبره بتاعنا إحنا الاتنين.

سباق درجات نارية… هوسنا المشترك من وإحنا صغيرين.

ليل ركب مكنته وبصّ لي بنظرة تحدّي، وأنا ركبت مكنتي ورفعت حاجبي بثقة.

قال وهو بيشغّل الموتور:

— جاهزة تخسري كعادتك؟

ضحكت باستهزاء:

— في أحلامك يا بطل.

صوت الموتور علي، والهواء لفّ حوالينا.

عدّينا المسافة المعتادة، لفّينا ورجعنا… وكل واحد فينا بيحاول يسبق التاني ولو بنص متر.

خلصنا جولتنا المعتادة. وقفنا جنب بعض، وأنفاسنا سريعة، والضحكة مش راضية تفارق وشوشنا.

شلت الخوذة وقلت بانتصار:

— سبقتك.

ردّ وهو بيقلع خوذته:

— سبقتيني عشان سيبتلك الطريق… عيب عليكي.

رميت عليه قفازي بخفة:

— آه طبعًا… حجة الخسرانين المعتادة!

ونسيت أقولكم…

ليل ابن عمي.

ومفروض يبقى خطيبي بعد آخر سنة كلية ليا… واللي هي السنة دي.

الفكرة دي لوحدها كانت بتخلّيني أتوتر وأبتسم في نفس الوقت.

هو دايمًا صاحبي قبل أي حاجة…

رفيقي في كل جنان، وكل مغامرة، وكل خناقة صغيرة.

بس السؤال اللي عمري ما سألته بصوت عالي…

هل إحنا فعلًا مستعدين للخطوة دي؟

ولا إحنا بس متعودين على بعض؟

ليل بصّ لي فجأة وقال:

— مالك؟ سرحتي في إيه؟

ابتسمت بسرعة وأنا برجع خوذتي مكانها:

— ولا حاجة… كنت بفكر إن السنة دي هتخلص بسرعة.

بصّ لي بنظرة أطول من المعتاد، وكأنه فاهم أكتر مما بيوضح، وقال بهدوء:

— أيوه… وهتبدأ حاجة جديدة.

واحنا راجعين البيت، الطريق ما خلاش من الضحك والمرازية في بعض.

— واضح إنك بطّلتي تسوقي من ساعة ما خسرتي.

— آه طبعًا… ده إنت اللي كنت هتقع من على المكنة!

وصلنا البيت وبدأنا نتسلّل بهدوء كعادتنا علشان جدو ما يحسّش بينا.

فتحنا الباب بالراحة… خطوة خطوة… ولسه بندخل—

اتجمّدنا.

جدو واقف في وشّنا، إيده ورا ضهره، ومعالم الجدية مرسومة على وشّه.

طبعًا أول رد فعل مني إني أستخبّى ورا ليل بسرعة، وأمسك في تيشيرته كأني صغيرة.

ليل حاول يبان ثابت، بس أنا حاسة بتوتره من وقفته.

جدو نطق بصوت هادي، بس مليان هيبة:

— كنتوا فين يا بشوات؟

ليل بلع ريقه وقال بثبات مصطنع:

— كنا… بنتمشّى شوية يا جدو.

جدو رفع حاجبه:

— بليل؟ وباللبس ده؟

بصّيت على نفسي وعلى ليل… ولسه ماسكين الخوذ في إيدينا.

همست من وراه:

— قول حاجة مفيدة بدل ما نتفضح.

ليل ردّ من غير ما يلف:

— ما تسكتي إنتِ خالص!

جدو قرب خطوة، وصوته بقى أهدى وأخطر:

— سباق تاني؟

سكتنا إحنا الاتنين.

كمّل وقال:

— كل حاجة تخصّكم بتوصلني… اتفضلوا على أوضكم ونكمل كلام بكرة.

ودخل أوضته وسابنا واقفين.

تنفست أنا وليل في نفس اللحظة.

بصّ لي وهمس:

— نجينا.

ابتسمت وأنا بخبطه بخفة:

— بسببك.

ردّ وهو بيضحك:

— بسببك إنتِ.

ودخلنا البيت وإحنا بنضحك، بس في دماغي سؤال واحد بس بيلف…

هو بكرة "هنتكلم" دي معناها إيه؟

دخلنا أوضنا، وكل واحد فينا دماغه بتفكّر في موضوع شكل.

في صباح اليوم التالي، كلنا كنا متجمعين على الفطار، ونظرات التوتر باينة في عينينا.

جدو نزل من فوق، وقعد على الكرسي المترأس السفرة، وقال بحزم:

— بعد خمس أيام، خطوبتكم أنتم الاتنين.

ظهرت الصدمة على ملامحنا إحنا الاتنين، ومنطقناش بكلمة.

قمت من على السفرة من غير ما أستأذن، ومشيت لبرا.

الهوا كان بارد شوية… يمكن علشان يهدّي النار اللي جوايا.

قعدت على الكرسي اللي في الجنينة، وبصّيت قدامي من غير ما أشوف حاجة فعلًا.

بعد شوية سمعت خطواته.

ليل قعد جنبي من غير ما يتكلم في الأول.

سكت لحظة… وبعدين قال بهدوء:

— ليلو… هنتكلم دلوقتي كصحاب. مش ولاد عم، ومش اتنين داخلين على خطوبة. تمام يا ليلة؟

بصّيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت:

— أحب فيك إنك فاهمني.

هزّ راسه وقال:

— قولي بقى… إيه اللي مخوّفك؟

سكت شوية.

كنت بحاول أرتّب الكلام… أو يمكن أرتّب مشاعري.

وبعدين طلعت كل حاجة دفعة واحدة:

— خايفة نتغيّر.

— خايفة لما نبقى رسمي… نفقد العفوية اللي بينا.

— خايفة نكتشف إننا كنا متعودين على بعض مش أكتر.

— وخايفة أكون بوافق علشان ده الطبيعي… مش علشان ده اللي أنا عايزاه فعلًا.

كنت بتكلم وأنا ببص قدامي، مش قادرة أبص له.

ليل فضل ساكت يسمعني من غير ما يقاطعني.

ولما خلصت… قال بهدوء غريب:

— طب وأنا أقولك أنا خايف من إيه؟

بصّيت له المرة دي.

— خايف تضغطي على نفسك علشاني.

— خايف تحسي إنك مجبرة علشان العيلة.

— وخايف أكون أنا السبب لو في يوم حسّيتي إنك اتسرعتي.

الكلام نزل عليّا بهدوء… بس بعمق.

كمّل وهو بيبص في عيني:

— بصّي يا ليلة… لو مش متأكدة، لو محتاجة وقت، لو عايزة تفكّري… أنا أول واحد هيقف جنبك.

مش عايزك توافقِي علشان أنا ابن عمك، ولا علشان جدو قرر.

عايزك توافقِي علشان قلبك مرتاح.

حسّيت قلبي بيهدى شوية.

سألته بصوت واطي:

— وإنت؟ مرتاح؟

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

— أنا طول عمري شايفك شريكة كل حاجة في حياتي…

بس لو في يوم حسّيتي إنك عايزة حاجة مختلفة، مش هكون ضدك.

سكتنا لحظة.

الهوا كان أهدى، والتوتر اللي كان مالي صدري بدأ يخف.

بصّيت له وقلت بهدوء:

— يمكن أنا مش خايفة منك…

يمكن أنا خايفة من الخطوة نفسها.

ضحك بخفة:

— يبقى نعدّيها مع بعض.

مدّ إيده قدامي وقال:

— شركاء زي ما كنا دايمًا؟

بصّيت لإيده لحظة… وبعدين حطّيت إيدي في إيده.

— شركاء.

بس جوايا لسه سؤال صغير بيهمس…

هل الشراكة دي هتفضل سهلة زي سباق المكن؟

ولا الحياة هتختبرنا بجد؟

اليوم خلص وسط لمتنا، وبالليل كالعادة سمعت طوبة خبطت في شباك بلكونتي.

قومت لقيت ليل واقف تحت، ومربع إيده.

قلتله بغيظ:

— إنت محرمتش ولا إيه؟

رد عليّ بابتسامة:

— لا، شكلك إنتِ اللي خايفة من الهزيمة زي المرة اللي فاتت.

قلتله:

— طب وسّع.

كان لابس بنطلون أسود وتيشيرت بسيط.

وسع لي المكان، ونطّيت مرة واحدة.

قال ليل بإعجاب وصفير:

— الله… الكتكوت بقى شطور!

بصّيت له بغرور مصطنع وضحكت، ووصلنا مكاننا كالعادة وبدأنا السباق.

بس اللي حصل المرة دي كان حاجة مكناش متوقعينها…

لقيت شخص تالت في السباق معانا.

ما اهتمتش، وكملت سباقي مع ليل، لحد ما هزمته فعلًا المرة دي.

مش عارفة إيه اللي شغله، بس قشطة.

قلعت الخوذة وأنا بلهث وقلت:

— شفت مين ده يا ليلة؟

كان الشخص ده بعد ما عدّى جنبنا خط النهاية… اختفى فجأة.

ردّيت وأنا بقول:

— معرفش والله…

بس حاجة واحدة كنت متأكدة منها:

المرة دي الحياة هتختبرنا بطريقة مختلفة…

والسباق مش مجرد متعة، ده بداية حاجة أكبر.

روحنا البيت وسط ضحكنا، ومعانا آيس كريم خلصناه، وكل واحد دخل أوضته ينام.

والحمد لله، جدو ما صحاش.

في صباح اليوم التالي، بدأ الناس ييجوا يظبطوا مكان الخطوبة، لأنها هتكون في حديقة البيت.

بالفعل، الناس بدأت شغلها، لأن الخطوبة خلاص بعد أربع أيام.

وأنا وليل كنا بنروح السباق عادي.

بعد مرور ٣ أيام من الـ٥…

نطّيت من البلكونة، ورميت طوبة على شباكه.

لقيته شكله لسه صاحي من النوم، شعره مبعثر ووشّه نص نايم.

قلتله بغيظ:

— هو ده اللي هجيلك هجيلك؟ روح كمل نوم!

قال وهو بيضحك:

— خلاص يا هبلة، تعالي… أنا نازل أهو.

غاب شوية، وفعلاً نزل.

روحنا مكاننا كالعادة.

قعدنا ناكل، لأني ما كنتش كلت. هو طلب أكل، وقعدنا ناكل وإحنا بنهزر كأن مفيش خطوبة بعد يومين.

كأن مفيش حاجة بتضغط علينا.

بعدها بدأنا السباق.

الهواء كان أقوى شوية النهارده.

وصوت المواتير أعلى من المعتاد.

بصّ لي ليل بنظرة تحدي وقال:

— جاهزة؟

رفعت خوذتي ونزلتها على راسي بثقة:

— طول عمري.

انطلقنا.

الطريق كان فاضي… بس إحساسي ما كانش مرتاح.

في حاجة غريبة في الجو.

وفجأة—

ظهر قدامنا نفس الشخص التالت.

المرة دي ما كانش بعيد.

كان قريب… قريب قوي.

كان سايق بسرعة غير طبيعية، وبيتحرك بينا كأنه عارف الطريق أكتر مننا.

لفّ حوالينا مرة… واتنين…

حاولت أركز في السباق، بس تركيزي اتشتت.

ليل سبقني شوية، بس أنا زوّدت السرعة علشان ألحقه.

الشخص التالت فجأة دخل بينا.

قرب قوي… قوي لدرجة إن عجلة مكنته لمست عجلة مكنتي.

الدنيا اتلخبطت في ثانية.

حسّيت بالمكنة بتميل…

الدنيا لفت…

والطريق قرب مني بسرعة مخيفة.

سمعت صوت ليل وهو بيصرخ اسمي:

— ليــــلة!!

حاولت أعدل نفسي في آخر لحظة.

بالعافية مسكت توازن المكنة، وعدّلتها قبل ما أقع.

وقفت فجأة، وأنفاسي بتتقطع.

ليل وقف جنبي بسرعة، وشال خوذته بعصبية:

— إنتِ اتجننتي؟!

صرخت فيه:

— أنا؟! ده هو اللي دخل فيا!

بصّينا حوالينا.

مفيش حد.

ولا أثر لصوت موتور.

ولا نور بعيد.

ولا أي حاجة.

كأن اللي حصل من ثواني… ما حصلش.

ليل بصّ لي بقلق حقيقي المرة دي:

— شوفتيه كويس؟

هزّيت راسي ببطء:

— أيوه… وكان قاصد.

سكتنا لحظة.

قلبي كان بيدق أسرع من صوت المكن.

ليل قال بهدوء مش متعوداه منه:

— ده مش سباق عادي يا ليلة.

بصّيت له وسألته:

— تقصد إيه؟

قال وهو بيبص للطريق قدامه:

— اللي بيعمل كده… مش بيلعب.

الكلمة علقت في دماغي.

"مش بيلعب."

رجعنا البيت المرة دي من غير ضحك.

من غير هزار.

كل واحد سايق جنب التاني… ساكت.

وأول مرة… سباقنا ما كانش ممتع.

كان مخيف.

وقبل ما ندخل البيت، ليل وقفني وقال:

— من النهارده… مفيش سباق لوحدك.

بصّيت له باستغراب:

— أنا عمري ما بسابق لوحدي.

قال بجدية:

— قصدي… حتى وأنا مش معاكي، ما تروحيش.

سألته بهدوء:

— خايف عليّا؟

بصّ لي نظرة طويلة… وقال:

— أيوه.

الكلمة دي هزّت حاجة جوايا أكتر من الخبطة نفسها.

دخلت أوضتي، وقعدت على السرير وأنا بفكّر.

خطوبة بعد يومين.

شخص غريب بيظهر ويختفي.

ومحاولة إسقاط واضحة.

السؤال اللي كان بيلف في دماغي المرة دي ما كانش عن الخطوبة…

كان:

هو مين؟

وليه اختار يظهر دلوقتي بالذات؟

حسّيت إن حياتنا بدأت تدخل سباق من نوع تاني خالص…

سباق مش هيكون فيه فايز وخسران.

سباق هيكشف أسرار.


#يتبع 

#سباق_دون_خط_نهاية 

#بقلمي_مريم_أبوعمر

          الفصل الثاني من هنا 

تعليقات