كنت بعت الصورة لماما على أمل أسمع منها كلمة حنينة…
إيدي كانت متبهدلة من كتر المحاليل اللي بتركب فيها.
كنت عارفة إنها قاسية،
بس كلامها المرة دي وجعني أكتر.
لما بعتتلي وقالت:
"مم نعم يا أختي خير؟ عايزة إيه؟ بعتالي الصورة دي ليه؟"
مكنتش عارفة أكتب لها إيه…
غير إني قولتلها:
"بعتها بالغلط يا ماما، آسفة جدًا لو أزعجت حضرتك."
شافت الرسالة…
وسكتت شوية.
وبعدها بعتت مسدجين أصعب من بعض:
"آه أزعجتيني، ومتبعتليش مسدجات تاني، أنا مش ناقصة هم."
"وللمرة المليون بقولك متقوليليش ماما دي."
وتاني مسدج كان أقسى:
"أنا عندي أسمعها من واحدة في الشارع، ولا إني أسمعها منك."
قلبي وجعني…
بس مش زي كل مرة.
المرة دي الوجع كان أقوى.
أنا بس عايزة أفهم حاجة واحدة…
ليه مش بتعاملني زي إخواتي؟
ليه مش بتعاملني بحنية أصلًا؟
ليه قاسية عليّا كده… لدرجة إن حتى إخواتي خدوا قسوتها؟
قعدت أبص لإيدي اللي فيها الكانيولا، جلدي مورم وأزرق من كتر الشكشكة، والمحلول بينزل ببطء كأنه بيعدّي على قلبي قبل ما يدخل وريدي.
كنت فاكرة لما أبعت الصورة يمكن تقول لي “سلامتك” يمكن تحس إني تعبانة فعلًا، يمكن مرة واحدة بس تبقى أم.
مش فاهمة ليه دايمًا بحاول.
ليه كل مرة بقول يمكن المرة دي غير؟
يمكن تكون هديت، يمكن تكون اشتاقت، يمكن تكون حست إني بنتها.
بس الحقيقة إن كل مرة بترجعني لنقطة أبعد من الأول.
كل مرة بتأكدلي إن المسافة اللي بينا مش سوء تفاهم، دي قرار.
إخواتي لما بيغلطوا بتزعق لهم شوية وبعدين تضحك معاهم.
لما يتعبوا بتجري بيهم على دكتور وتفضل سهرانة جنبهم.
أنا لما أتعب أبقى عبء.
لما أتكلم أبقى إزعاج.
لما أقول “ماما” أبقى بتعدّي حدودي.
هو أنا عملت إيه لكل ده؟
هو وجودي نفسه غلط؟
ولا أنا جيت في وقت هي مكنتش عايزة فيه حد؟
يمكن أنا كنت دايمًا فاكرة إن القسوة دي مؤقتة.
بس يمكن الحقيقة إنها عمرها ما شافتني بنت.
يمكن شافتني ذكرى لحاجة هي مش عايزاها.
يمكن شافت فيا شبه حد هي بتكرهه.
الموضوع عمره ما كان عن المسدج.
ولا عن الصورة.
ولا حتى عن كلمة “ماما”.
الموضوع إني طول عمري بحاول أاخد مكان مش معمول لي.
بحاول أستجدي إحساس طبيعي المفروض يتقدم من غير طلب.
النهارده بس حسيت بحاجة مختلفة.
مش بس زعل.
مش بس وجع.
حسيت إني تعبت.
تعبت من الجري ورا كلمة.
تعبت من محاولة إثبات إني أستاهل.
تعبت من إني أبرر لنفسي ليه هي بتعمل كده.
يمكن المشكلة مش فيا.
يمكن عمري ما كنت أنا المشكلة.
يمكن هي عندها حرب جواها وأنا مجرد ساحة من ساحاتها.
بس أنا مش مجبرة أفضل ساحة.
مش مجبرة أستنى حد يقرر يعاملني كبني آدمة.
مش مجبرة أمد إيدي كل مرة وهي ترفض تمسكها.
المرة دي الوجع مختلف.
لأنه لأول مرة بحس إن قلبي بيقول لي حاجة غير “حاولي تاني”.
قلبي بيقول لي “كفاية”.
كفاية أستنى حنية مش جاية.
كفاية أبرر قسوة واضحة.
كفاية أوجع نفسي بإيدي.
يمكن أنا عمري ما كان عندي أم بالشكل اللي كنت بحلم بيه.
بس يمكن أقدر أبقى أنا لنفسي كل الحنية اللي اتحرمت منها.
والفكرة دي…
رغم وجعها…
ريحتني شوية.
قعدت أبص في السقف وقت طويل.
كلامها كان بيرن في وداني.
“متقوليليش ماما دي.”
الجملة دي بالذات فضلت معلقة جوايا.
مش أول مرة تقولها.
بس أول مرة أحس إنها مش مجرد عصبية.
أول مرة أحس إن وراها سر.
افتكرت حاجات قديمة.
افتكرت نظراتها ليا وأنا صغيرة.
افتكرت لما كنت بسألها عن صوري وأنا بيبي، كانت دايمًا تقول ضاعوا.
افتكرت إني عمري ما شوفت نفسي في بطنها في صورة.
ولا سمعتها بتحكي عن يوم ولادتي زي ما بتحكي عن إخواتي.
فجأة حسيت إن في حاجة غلط.
غلط أكبر من مجرد قسوة.
لما رجعت البيت بعدها بأيام، دخلت أوضتي وأنا مش قادرة أستحمل التفكير.
كنت بدور على أي حاجة تخليني أفهم.
مش عارفة بدور على إيه بالظبط… بس كنت حاسة إن الحقيقة مستخبية في ورق.
فتحت درج قديم في دولاب بابا.
درج عمره ما كان بيخليني أفتحه.
قلبي كان بيدق بعنف.
ملفات قديمة.
أوراق صفراء.
شهادات ميلاد.
إيدي كانت بترتعش وأنا بطلع شهادتي.
بصيت على الاسم.
اسمي كامل.
اسم أبويا.
واسم الأم…
كان اسمها.
وقفت لحظة.
حاولت أهدى نفسي.
يمكن أنا بأوهم نفسي.
بس لقيت ورا الشهادة قسيمة قديمة.
ورقة زواج بتاريخ بعد تاريخ ميلادي بشهور.
بصيت في التاريخ مرة واتنين وتلاتة.
الحساب كان واضح.
هي اتجوزت بابا بعد ما أنا اتولدت.
يعني…
يعني إيه؟
رجعت أقلب في الورق بهوس.
لحد ما لقيت شهادة وفاة.
اسم الست مختلف.
اسم عمري ما سمعته قبل كده.
وتاريخ الوفاة… نفس يوم ميلادي.
الدنيا سكتت.
الصوت اختفى.
حتى نفسي حسيت إنه وقف.
قرأت الاسم تاني.
دي كانت أمي.
أمي الحقيقية.
ماتت يوم ما جبت أنا الدنيا.
وسجلوني باسم مرات أبويا.
كبرت وأنا فاكرة إنها أمي.
استحملت قسوتها، رفضها، كرهها ليا…
وأنا بحاول أرضي حد أصلًا مش أمي.
“أنا عندي أسمعها من واحدة في الشارع ولا إني أسمعها منك.”
الجملة رجعتلي تاني.
المرة دي فهمتها.
هي مكنتش بتطردني من كلمة.
هي كانت بترفض دور مش دورها.
أنا طول عمري كنت بلوم نفسي.
بقول أكيد فيا حاجة غلط.
أكيد أنا السبب.
بس الحقيقة؟
أنا كنت طفلة فقدت أمها أول ما اتولدت.
واترمت في حضن ست عمرها ما حبت وجودها.
دموعي نزلت بس مش بنفس الإحساس.
المرة دي كان في وجع… آه.
بس كان في وضوح.
أنا مش مرفوضة عشان فيا عيب.
أنا كنت دايمًا تذكرة بحياة هي مكانتش عايزاها.
كنت ذكرى لست ماتت يمكن بابا كان بيحبها.
فهمت ليه كانت دايمًا بتبصلي نظرة مختلفة.
فهمت ليه إخواتي واخدين حضنها وأنا لأ.
أنا مش بنتها.
بس لأول مرة في حياتي…
حسيت إني عايزة أعرف أمي.
حتى لو في ورقة.
حتى لو في اسم.
حتى لو في قبر.
يمكن عمري ما عرفت يعني إيه حضن أم.
بس يمكن لسه قدامي فرصة أعرف الحقيقة كاملة.
والمرة دي…
مش هسكت.
قعدت طول الليل ماسكة شهادة الوفاة كأنها كنز اتسرق مني ورجع فجأة.
الاسم قدامي واضح.
اسم أمي.
الست اللي ماتت عشان أعيش.
أول مرة أحس إن في حد حبني فعلًا… لدرجة إنه دفع عمره تمن وجودي.
الصبح واجهت بابا.
حطيت الورق قدامه من غير مقدمات.
إيده اتهزت أول ما شاف شهادة الوفاة.
وشه اتغير.
قالي بصوت مكسور إنه مكانش عايزني أكبر وأنا حاسة إني يتيمة.
إنه كان فاكر إنه بيحميني.
إن تسجيلّي باسم مراته هيخليني “طبيعية” زي باقي الأطفال.
سألته ليه سمح لها تعاملني كده.
سكت.
وسكوته كان أقسى من أي إجابة.
قال إنها كانت رافضة وجودي من الأول.
كانت شايفاني سبب موت مراته الأولى.
وهو… اختار السلام بدل المواجهة.
السلام اللي كان على حسابي أنا.
المواجهة كانت صعبة.
دخلت لها وأنا ماسكة الورق.
بصتلي بنفس النظرة الباردة المعتادة.
قولتلها بهدوء غريب إني عرفت الحقيقة.
ملامحها متغيرتش.
ولا اعتذرت.
ولا حتى حاولت تبرر.
قالت جملة واحدة بس:
“أنا عمري ما كنت أمك.”
المرة دي الجملة مجرحتنيش.
المرة دي ريحتني.
لأن أخيرًا اتأكدت إن المشكلة عمرها ما كانت فيا.
خرجت من البيت وأنا حاسة إني بخطو أول خطوة في حياتي بجد.
روحت على عنوان المقابر اللي كان مكتوب في الورق.
وقفت قدام قبرها.
قريت الاسم بصوت عالي.
حسيت بدفء غريب في صدري.
قولتلها إني سامحتها إنها سابتني، رغم إنها مكانش بإيدها.
وقولتلها إني هعيش كويس عشانها.
عشان تضحية يومها متبقاش وجع وبس.
وأنا ماشية حسيت بحاجة لأول مرة:
مش فراغ.
مش رفض.
مش احتياج.
حسيت إني متسندة على حقيقة.
رجعت البيت بعدها بأيام جمعت هدومي بهدوء.
بلغت بابا إني همشي.
مش ههرب.
بس هبدأ حياة بعيد عن بيت اتبنى على سر.
هو حاول يمنعني.
بس المرة دي كنت أقوى.
ممشيتش وأنا مكسورة.
ممشيتش وأنا مستنية اعتذار.
ممشيتش بدور على كلمة “ماما”.
لأني أخيرًا فهمت إن الأمومة مش اسم في شهادة ميلاد.
ولا كلمة تتقال غصب.
الأمومة كانت في ست ماتت يوم ما أنا اتولدت.
وفي قلبي أنا… لما قررت أبقى لنفسي الحضن اللي اتحرمت منه.
يمكن حياتي بدأت بوجع.
بس نهايتها مش لازم تكمل بنفس الطريقة.
أنا مش البنت اللي كانت بتستنى رسالة حنية.
أنا البنت اللي اكتشفت حقيقتها…
واختارت تعيشها بشجاعة.
#تمتتت
#مرات_الاب
#حكاوي_كاتبة
#حور_حمدان
تمت
