سكريبت مليكه (كامل) بقلم حور حمدان
أول مرة أحس إن الواتساب ممكن يوجع أكتر من الكلام في الوش.
الموبايل كان في إيدي، والساعة كانت داخلة على اتناشر، وانا راجعة من يوم طويل، دماغي مفرغ، وقلبي تقيل من المذاكرة.
لقيت إشعار باسمه.
حبيبة بابا، جبتلك البوكيه ده عشان نفسك تتفتح على المذاكرة كده…
ابتسمت لا إرادي، قبل ما حتى أفتح الشات.
قلت في سري: أهو أخيرًا شايف تعبي.
فتحت الرسالة.
بوكيه…
بس مش ورد.
أقلام.
كتبتله بضحكة باينة في الكلام أكتر ما هي في القلب:
أقلام؟ يعني يا بابا تجيبلي بوكيه في أقلام؟ وبعدين ما أنا والله بذاكر.
ثواني، والرد نزل… تقيل.
تقيل أوي.
أنا لحد دلوقتي مشوفتش أي نتيجة لمذاكرتك دي أصلًا يا مليكة، وكونك دخلتي صيدلة مش عاجبني. لو كنتي ذاكرتي أكتر كنتي جبتي مجموع طب بشري. بس خلاص، طالما دخلتيها، اجتهدي فيها عشان تتعيني في الجامعة عندك.
قريت الرسالة مرة.
اتنين.
تلاتة.
ولا مرة عرفت أرد.
الموضوع مكانش صيدلة ولا طب.
الموضوع إني حسيت إني طول عمري بحاول، ومفيش حد شايف المحاولة نفسها.
كأني طول الوقت متحاسبة على النتيجة بس، مش على السهر، ولا التعب، ولا القلق اللي بياكل فيا كل ليلة.
قعدت أبص على الأقلام اللي في البوكيه،
ألوانها كتير…
بس كلها كانت شبه بعض.
زي أيامي.
افتكرت الليالي اللي كنت بصحى فيها من النوم مفزوعة،
حاسّة إني متأخرة،
حاسّة إني أقل،
حاسّة إن مهما عملت، في حاجة ناقصة.
الموبايل وقع من إيدي.
مش عن قصد.
بس قلبي اللي وقع بجد.
دخلت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على الأرض.
ولا عياط، ولا صريخ.
الصمت كان أوجع.
بعد شوية، رجعت مسكت الموبايل.
فتحت الشات تاني.
الرسالة لسه هناك،
ولا كلمة بعدها.
كنت عايزة أكتب:
أنا تعبانة.
أنا بعمل اللي أقدر عليه.
أنا مش فاشلة.
بس ما كتبتش.
قمت لمّيت الأقلام، وحطيتهم في المقلمة.
مش علشان أذاكر.
علشان أفكر.
هل أنا فعلًا مقصرة؟
ولا بس عمري ما كنت كفاية في نظر حد؟
ومن اليوم ده، فهمت حاجة واحدة:
أكتر حد ممكن يكسرك…
هو أكتر حد نفسك تفرحه.
فضلت قاعدة على الأرض فترة، مش عارفة قد إيه.
الدقيقة كانت بتعدّي تقيلة، كأنها ساعة، وأنا سرحانة في الرسالة، في الكلمة اللي اتحفرت جوايا من غير ما أستأذن.
لو كنتي ذاكرتي أكتر…
طب وأنا عملت إيه طول السنين اللي فاتت؟
وأنا بسهر؟
وأنا بخاف؟
وأنا بحاول أطلع أحسن نسخة من نفسي وأنا أصلًا مش واثقة فيها؟
قومت بالراحة، مسحت وشي، وبصّيت في المراية.
وشي كان باين عليه التعب، بس عينيّ… لا.
عينيّ كان فيهم حاجة تانية، حاجة بدأت تتكوّن من غير ما أخد بالي.
فتحت المقلمة، طلعت قلم من البوكيه.
قلم أزرق عادي، مفيهوش أي تميّز.
بس أول ما مسكته، افتكرت إن كل حاجة كبيرة في حياتي بدأت بحاجات عادية جدًا.
قعدت على المكتب، فتحت الكتاب.
مش علشان أثبت لحد حاجة.
ولا علشان أسمع كلمة رضا.
فتحت الكتاب علشاني.
ساعتها بس فهمت معنى الجبر الحقيقي.
الجبر مش إن حد يعتذر.
ولا إن كلام يتسحب.
الجبر إنك تعملي اللي عليكي وإنتِ راضية عن نفسك، حتى لو العالم كله شايفك أقل.
الوقت عدّى،
وأنا بين سطر وسطر، كنت بصلّح حاجة جوايا.
كل صفحة كنت بخلصها، كنت بحس إني برجع لنفسي حتة.
مش كل قرار صح هيعجب اللي حوالينا.
ومش كل حلم ليه شكل واحد.
بس طول ما القرار مش غلط،
وطول ما الطريق نضيف،
محدش له حق يمسك الدركسيون غيرك.
فهمت إني لو سيبت حد يتحكم في اختياراتي، حتى لو بحبّه،
هصحى في يوم مش شبهي.
وحياة مش حياتي.
يمكن ما دخلتش طب.
بس دخلت طريق اخترته وأنا واعية،
وطول ما أنا بعمل اللي عليّ،
ربنا مش هيكسر بخاطري.
الجبر بييجي متأخر أحيانًا،
بس بييجي نضيف.
بييجي في صورة طمأنينة،
في إحساس إنك ماشية صح، حتى لو لوحدك.
قفلت الكتاب،
وحطيت القلم مكانه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية،
مش منتصرة…
بس مطمئنة.
ومن اليوم ده، قررت حاجة واحدة:
ما اسمحش لحد، مهما كان قربه،
يتحكم فيا،
طول ما قراري صح،
وطول ما ضميري مرتاح.
#تمت
#حور_حمدان
تمت
