رواية ما وراء النفوس الفصل الثاني عشر 12 والاخير بقلم مريم ابوعمر
دخل من الباب شخص ما كنتش متوقّعاه، ولا جه في بالي أصلًا.
لقيت همس بتدخل من باب الأوضة، وابتسامة خوف على وشّها من ردّة فعلي. قرّبت مني بخطوات بطيئة، لكن محسوبة، وهي بتقول:
— بحاول أصلّح من غلطتي في حقّك وحق نفسي…
مش عارفة إنتِ مسمحاني ولا لأ، بس كل اللي عايزاه إني أكون عرفت أصلّح جزء من غلطتي، حتى لو كان صغير.
ردّيت عليها بابتسامة حب:
— أهم حاجة إنك تكوني حسيتي بغلطتك. وأنا فاهمة شريف عمل إيه عشان يقدر يسيطر عليكِ بالشكل ده.
جريت ناحيتي وارتمت في حضني، وهي بتعيّط وبتقول:
— بجد ندمت على أي أذى سبّبتهولِك يا خلود.
طبطبت عليها وإحنا بنقعد، ونظرات قيس ما اتشالتش من على همس. بصّيت لآدم وضحكت، فبادلني نفس الضحكة.
قلت لأدهم:
— همس ساعدتكم إزاي بقى؟
ردّ عليّا أدهم بابتسامة:
— هي اللي جايبة أغلب المعلومات اللي كانت في الملف، لأنها كانت قريبة منهم، وقدرت توصل لحاجات محدّش كان يعرف عنها حاجة.
بصّيت لهمس بدهشة، وقالتلي بصوت مكسور:
— كان بيقولي إنه أبويا… وبعد فترة بقى يقولي: عايزة تعرفي مين أبوكِ الحقيقي؟
— اعملي اللي أقولك عليه… يا إمّا هموتهولك.
كانت مجبورة، والله… دموعها نزلت غصب عنها.
قيس قال بنظرة طويلة:
— ومن غيرها، ما كنّاش وصلنا للنقطة اللي إحنا فيها دي.
حسّيت بوجع في قلبي، لأن الحكاية لسه ما خلصتش… وارتحت في نفس الوقت، علشان إحنا كلنا مع بعض دلوقتي.
قلت لهمس بهدوء:
— الماضي انتهى وخلص… المهم الحاضر والمستقبل يا حبيبتي.
أدهم قال بهدوء:
— كل واحد فينا كان بيدفع التمن بطريقته، بس وصلنا كلنا للنقطة دي… والفضل يرجع لربنا سبحانه وتعالى.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن جسمي كله مرهق، بس قلبي لأول مرة من سنتين مش تقيل.
قيس قرب وقال:
— لسه في خطوة أخيرة… شريف.
رفعت عيني له، ومسحت دموعي بإيدي:
— المرة دي مش هسيبه يفلت.
أدهم قرب مني، مسك إيدي وقال بثبات:
— ولا أنا.
واتلاقى نظرنا في لحظة صامتة… مليانة وجع، بس مليانة قوة أكتر.
كنت عارفة إن اللي جاي مش سهل…
بس المرة دي، ما كنتش لوحدي.
سِبت إيد أدهم بهدوء، وخدت نفسي وأنا بقول:
— طب هنعمل إيه دلوقتي؟
ردّ قيس فورًا:
— المفروض أدهم يرجع تاني مكانه.
همس قالت بسرعة:
— وأنا كمان هرجع.
قيس بصّ لها بحدّة خفيفة:
— لا… كفاية كده. دورك انتهى. وجودك خطر عليكِ بالشكل ده.
همس حاولت تعترض، لكني قربت منها وخدتها في حضني:
— دورك انتهى يا حبيبتي… دلوقتي دورنا إحنا. خدي بالك من نفسك، ومن آدم، وبابا في البيت.
أدهم ابتسم وقال بنبرة خفيفة يحاول يهوّن الجو:
— وأنا عندي خبر حلو ليكوا إنتوا الاتنين يا قطط.
بصّينا له باهتمام، وقلنا في صوت واحد:
— إيه هو؟
أدهم قال بهدوء:
— همس… إنتِ عايزة تعرفي مين أبوكِ؟
دموع همس لمعت في عينيها.
أدهم كمّل بسرعة:
— اهدي… أبوكِ هو محمود المحمدي يا همس.
بصّينا أنا وهمس لبعض، وهي دموعها نازلة على خدّها، وقلنا في صوت واحد:
— إزاي ده؟
أدهم خد نفس عميق، وبدأ يحكي:
— شريف أخدك وإنتِ صغيرة جدًا، وحط مكانك جثة لطفل حديث الولادة… علشان يوهم عمي إن خلفته التانية ماتت.
سكت لحظة، وبعدين كمّل بصوت تقيل:
— وطبعًا علشان عمي ما يدورش ورا الموضوع. أخدك بعدها وحطّك في ملجأ، علشان يرسم السيناريو كله مظبوط.
همس كانت واقفة ثابتة، بس جسمها بيرتعش. قربت منها ومسكت إيديها:
— إنتِ بنت محمود… يعني أختي.
انهارت همس فجأة، ووقعت في حضني وهي بتعيّط بحرقة:
— وكنت بأذيكوا بإيدي… بأذي عيلتي بإيدي. وأنا طول عمري بدوّر على عيلتي!
ردّيت عليها والدموع في عيني:
— ما تقوليش كده يا هموس… أنا فرحانة أوي إن صاحبتي وصحبة عمري طلعت أختي.
شدّيتها في حضني بقوة، وكأني بحاول أعوّضها عن سنين الوحدة.
أدهم بصّ لنا بعين موجوعة وقال بصوت تقيل:
— شريف دمّر كل واحد فينا بطريقته… بس والله العظيم نهايته هتكون الليلة.
قيس قال بحزم وهو بيقف:
— دلوقتي كل واحد فينا عارف هيعمل إيه. لازم نبدأ في أسرع وقت… وبهدوء.
كنت فرحانة إن الحقيقة ظهرت أخيرًا، بس في نفس الوقت كنت عارفة إن اللي جاي أصعب من كل اللي فات.
قلبي كان بيدق بسرعة… مش خوف، قد ما هو استعداد لمعركة أخيرة.
وصلنا المكان اللي همس بعتلنا اللوكيشن بتاعه.
كان مخزن قديم في آخر طريق شبه مهجور… النور ضعيف، والهواء تقيل، كأن المكان نفسه شاهد على كل اللي حصل.
قيس وقف العربية فجأة وبصّ لنا:
— من هنا هنكمل على رجلينا.
أدهم نزل قبلنا، عشان يكمل دوره ويضمن إننا ما نكشفش نفسنا كلنا مرة واحدة. بعد خمس دقايق وصلنا.
دفعت الباب بإيدي ببطء، وصرير عالي اتردد في صمت المكان. دخلنا واتدرّينا، وقيس طلب المساعدة منّا عشان نقدر نواجه شريف بطريقة منظمة.
استنينا إشارة أدهم، اللي كان بينادي باسم شريف بصوت عالي شويّة… وبعدها اتحركنا.
اتجهنا نحو الصوت، قيس ماسك سلاحه وأنا كالعادة في الشراب، مستعدة لأي خيانة أو غدر.
دخلنا ولقيت المنظر صادم… شريف كان واقف، وأدهم واقف جنبه، واحنا اتصدمنا.
سمعنا طلقات رصاص من برّه، وبدأ الهجوم.
أدهم انضم لينا بعد ما نفّذ اللي كان عايزه.
شريف كان متأثر من منوم بسيط أخدناه له، وابتدينا نضرب في العصابة.
فجأة، ظهرت همس من غير ما نحسّ، وصرختلها بصوت عالي:
— إيه اللي جابك هنا يا همس؟ ده خطر عليكِ!
ردّت عليا بسرعة:
— لازم أبقى في ضهركم، وإنتوا دلوقتي عيلتي!
وبالفعل ساعدتنا كتير، وغطتنا لحد ما الشرطة وصلت، وكملت باقي المواجهة.
لكن قبل ما المنوم يشتغل عند شريف، هو ضرب طلقة، أصابت همس.
جريت عليها بسرعة عشان الحقها… والحمدلله، الرصاصة كانت في كتفها بس، قدرنا نربطها ونركبها في عربية إسعاف.
وأنا واقفة، اتفاجأت بضربة سكينة في ضهري…
غصبت على نفسي، لفيت وضربت اللي طعني لحد ما الشرطة لمّت الباقي، حتى شريف.
اتجمعنا كلنا في العربية، محدش خد باله من الجرح بتاعي، وأنا بدأت الرؤية تتلاشى.
قلت بصوت مكسور:
— ودوني عند المستشفى… لهمس.
اتفاجأت بأدهم نزل وجلس جمبي، حط إيده على ضهري ولقيت ايده كلها دم.
قال لقيس بسرعة:
— اطلعوا على المستشفى حالًا… همس متصابة يلا!
وقبل ما حد يلحق يستوعب اللي حصل، الدنيا حواليّا بدأت تلف…
صوت قيس كان بعيد، كأنه جاي من آخر الدنيا:
— خلود! خلود ركّزي معايا!
حسّيت بإيد أدهم وهي ماسكة كتفي بقوة:
— افتحي عينيك… إحنا وصلنا خلاص!
العربية وقفت قدّام المستشفى، وقبل ما ألحق أتكلم، كانوا شايليني على ترولي الإسعاف.
النور الأبيض ضرب في عيني، وأصوات الأجهزة اختلطت بصوت قلبي.
آخر حاجة فاكرها… إني لمحت همس على السرير اللي جنبي، وكتفها مربوط، بس عينيها مفتوحة.
محستش بحاجه حواليا… فتحت عيني على ريحة مطهّر وصوت أجهزة.
أول وش شوفته كان أدهم.
كان قاعد جنبي، عينيه حمرا، وإيده ماسكة إيدي كأنه خايف أفلت.
همست بصوت واطي:
— همس؟
رفع راسه بسرعة:
— بخير… الرصاصة جات في الكتف بس. خرجت من العمليات من ساعة.
ارتحت… دموعي نزلت من غير ما أحس.
قيس قرب من السرير وقال بابتسامة تعب:
— شريف اتقبض عليه، والعصابة كلها اتلمّت. الموضوع خلص يا خلود.
خدت نفس طويل… أول نفس حقيقي من زمان.
— يعني… خلاص؟
أدهم قرب أكتر، صوته كان مكسور:
— خلاص.
بعد شوية دخل آدم يجري، أول ما شافني طلع على السرير وحضنّي وهو بيعيّط:
— متخضّنيش عليكِ تاني… وعد؟
مسحت على شعره بابتسامة ضعيفة:
— وعد.
دخلت همس بعدها، ذراعها مربوط، بس واقفة على رجليها.
وقفت قدّامي، وعينيها مليانة دموع:
— لو جرالك حاجة بسببي… ما كنتش هسامح نفسي طول عمري.
مدّيت إيدي ليها:
— إنتِ أختي… فاكرة؟
قربتني لحضنها، وإحنا الاتنين بنعيّط.
أدهم بصّ علينا وقال بصوت هادي:
— العيلة اتكسرت كتير… بس ربنا جمعها من تاني.
بصّيت لهم واحد واحد:
آدم.
همس.
قيس.
أدهم.
كنت موجوعة… تعبانة… بس لأول مرة من سنين، حاسة بالأمان.
غمضت عيني، وقلت في سري:
— يمكن الحرب خلصت… بس الرحلة لسه مكمّلة.
بعد خمس سنين، كنت بجري ورا عمار الصغير وانا بقول:
— يا عماار، تعالا… متتعبش ماما!
نزل آدم وهو بيشيل عمار وقال:
— تعبان خلودي… ليا ي عمار باشا!
ضحك عمار وهو بيرمي نفسه في حضن آدم وقال بتهته:
— إيممم…
ضحك آدم على اسمه اللي طلع من عمار، ودخل أدهم وقيس وهما بيضحكوا.
قيس قال:
— أخبار هموستي إيه؟
رديت عليه:
— مصدعاني كل خمس دقايق… هولد هولد!
وشوية بعدين سمعنا صراخها:
— الحقوني بوم!
قيس حري عليها، وشالها وروحنا بيها على المستشفى.
وبعدها بساعتين خرج الدكتور من أوضة العمليات وقال:
— البنوته زي القمر.
خرجت الممرضة وفي إيدها البنوته وهي بتعيّط.
راح أدهم وقال:
— زنانه زي خالتها!
ضحكنا كلنا مع بعض، والأمان حسّينا بيه أخيرًا رجع لعيلتنا كلها
وهنا اقدر اقول ان الرواية تمت علي خير
#ما_وراء_النفوس
#أدهم_وخلود
#بقلمي_مريم_أبوعمر
#الفصل_الثاني_عشر
تمت
