رواية ما وراء النفوس الفصل الثالث 3 بقلم مريم ابوعمر

رواية ما وراء النفوس الفصل الثالث 3 بقلم مريم ابوعمر

رواية ما وراء النفوس الفصل الثالث 3 بقلم مريم ابوعمر

مينفعش كده يا محمود، قلتلك إنت وآدم آخر مرة كنت هنا إنك عندك سرطان، ولازم تبدأ جلسات الكيماوي.

في اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة ودخلت.

الكلام خبط في ودني قبل ما أستوعبه، ولقيت بابا واقف مكانه، باين على وشه معالم الصدمة، كأنه اتسحب منه الكلام.

الدكتور بصله بصّة سريعة ومشي، وساب الصمت تقيل في الأوضة.

روحت قعدت على الكرسي قدامه، ماسكة إيدي في بعض، ومستنية تبرير من بابا… أو حتى كلمة واحدة تكسر السكوت.

بابا فضل ساكت، لحد ما باب الأوضة اتفتح ودخل أدهم.

بصّ لنا باستغراب وقال:

— مالكم يا جماعة؟ في إيه؟

بابا رد عليه بجملة واحدة، مهزوزة:

— خلود عرفت يا أدهم.

الجملة وقعت عليّا زي الصاعقة.

يعني أدهم عارف؟

يعني أنا بس اللي ماكنتش أعرف؟

طب إزاي؟

الأفكار فضلت تلفّ وتدور في دماغي، لحد ما ماستحملتش. قومت وخرجت من الأوضة جري.

خرجت جنينة المستشفى، وقعدت على الأرض، وبصّيت للنجوم اللي مفترشة السما.

مخي رجّعني للتحاليل اللي لقيتها قبل كده في دولاب بابا.

قومت بسرعة من مكاني، وفي نفس اللحظة كان أدهم خارج من المبنى.

ركبت العربية وطلعت على سرعة معقولة، عشان الشارع كان زحمة.

ومن مراية العربية قدرت أشوف عربية أدهم، كانت على بُعد عربيتين تقريبًا.

بس… مااهتمتش بكل ده.

كنت عايزة أبعد.

عايزة أهرب من كل حاجة، وأروح مكان أكون فيه لوحدي.

الإشارة فتحت، ودست بنزين وطلعت على أقصى سرعة.

خدت الطريق اللي كان بابا دايمًا يحب يمشيه معايا، الطريق اللي بيودّي على الكهف.

وصلت المكان، وقفت العربية، نزلت وقفلتها، وقعدت على الرمل.

أحلى حاجة في الكهف ده إنه على البحر.

غمضت عيني، ونزلت دموعي من غير ما أحس.

اتخنقت.

كل يوم صدمة جديدة…

أنا هستحمل لحد إمتى؟

وليه بابا يخبي عليّا حاجة زي دي؟

ليه هو وأدهم يعملوا كده، وهم عارفين إني أول واحدة هبقى جنبه في تعبه؟

أنا وحيدته…

وبنته.

ليه كل ده؟

صوت الأمواج كان عالي، بينافس صوت أفكاري.

رجّعت راسي على صخرة، ودموعي لسه نازلة زي الشلال.

سمعت صوت فرامل عربية.

عرفت من غير ما أبص إنه أدهم.

فضلت مغمضة عيني، مرضيتش أفتحهم.

لقيته قعد جمبي، وسند راسه على نفس الصخرة…

ولا قال كلمة. 

صوت أدهم قطع الصمت وهو بيقول بهدوء مكسور:

— عمي ماكنش معرّف حد غير مرات عمي… وأنا عرفت لما سمعتهم بيتكلموا.

ما رديتش.

ما لقيتش كلام أقدر أرد بيه.

كمّل وهو بيبص قدامه:

— ماكنش عايز يقولك، لأنه عارف إنك هتتعبي… وكمان الموضوع زاد عليه قوي يوم وفاة مامتك.

كنت بسمع…

من غير أي ردّة فعل.

دموعي بس هي اللي كانت بتتكلم عني.

وفجأة ماقدرتش أستحمل أكتر من كده.

انفجرت.

قلت بصوت متقطع، طالع من وجع:

— يخبي عني ليه؟

ليه ما يقوليش؟

لفّيت وشي له، وكمّلت وأنا بحاول أتنفس:

— أنا أخدت الفترة دي صدمات كسرت قلبي قبل ما تكسر ضهري يا أدهم.

ليه يخبي عليّا وأنا بنته؟

من دمه؟

صوتي علي، وغصب عني:

— هو مايعرفش أنا زعلت قد إيه لما عرفت؟

وإني عرفت بالصدفة كمان؟

ما يعرفش شعوري إيه وأنا ممكن أفقد أبويا في يوم من الأيام؟

سكت لحظة، وبصّيت للبحر قدامي وقلت بصوت أهدى بس أوجع:

— ليه يخبي عني؟

ما ردّش عليّا…

بس كنت سامعة صوت نفسه، تقيل ومتقطع.

قومت وقفت قدّام الميه.

شكلها هادي وجميل،

بس أول ما تدخل جواها… تغدر بيك.

زي البشر بالظبط.

أدهم قام وقف جمبي، حاطط إيده في جيوبه،

وأنا دموعي نازلة على وشي من غير ما أحاول أمسحها.

فجأة لقيته بيمد إيده، وعدّلني بهدوء عشان وشي يبقى في وشّه.

صوته كان واطي، بس واضح إنه طالع من قلبه:

— خلود… ممكن تكون أول مرة أقولك كده،

بس اللي إنتِ متعرفهوش إن أنا بحبك.

الكلمة خبطتني.

كمّل وهو ثابت رغم الارتباك اللي باين عليه:

— وكنت مكلّم عمي إني أخطبك بعد ما تخلصي جامعة.

هنا الصدمة كانت مختلفة.

مش وجع…

ده ذهول.

يعني هو بيحبني؟

وبيبادلني نفس الشعور؟

فضلت ساكتة شوية،

مش عارفة أقول إيه، ولا حتى أفكر.

قطع الصمت وقال بهدوء:

— تعالي نرجع… وهقولك كل حاجة.

وافقت.

مش لأن عندي كلام،

لكن لأني كنت فعلًا مرهقة…

من التفكير،

ومن العياط،

ومن كل اللي حصل في وقت واحد.

ركبت معاه عربيته، وسيبت عربيتي.

سندت راسي على الكرسي، والتعب كان واخد مني أكتر مما أقدر أستحمل.

قطع الصمت وقال بصوت واطي:

— عمي بدأ يلاحظ إن في دم بينزل من مناخيره.

راح كشف… واكتشف المرض ده.

سكت لحظة، وبعدين كمّل وهو بيحاول يثبت صوته:

— رجع البيت متضايق، وقال لمرات عمي، وأنا كنت داخل بالصدفة وسمعتهم.

جريت عليه، ومن ساعتها وأنا متابع حالته مع الدكتور… لحد اللي حصل.

وقبلها الدكتور قاله لازم يبدأ حقن الكيماوي.

كل كلمة كانت بتقع عليّا تقيلة.

دموعي نزلت من غير صوت…

ولقيت نفسي بروح في النوم من غير ما أحس.

ما فُقتش غير على فرملة العربية.

فتحت عيني على ابتسامة أدهم وهو بيقول:

— يلا، وصلنا. وعايزك تقفي جنب أبوكِ.

ابتسمتله بتعب:

— ماشي يا دومه.

وقبل ما أنزل، قلتله بهزار خفيف:

— وردي هيوصلك قريب.

ضحك، وده كان كفاية.

طلعنا المستشفى.

دخلنا أوضة بابا، لقيته قاعد…

الحزن باين على وشه من غير ما يتكلم.

جريت عليه وقعدت في حضنه:

— هتبقى كويس يا محمودي… هتبقى كويس، وأنا جنبك.

نبضات قلبي كانت سريعة،

وهو دموعه نزلت على خده.

مسحتها بإيدي وقلت:

— دموعك غالية عليّا يا بابا.

دخل أدهم بابتسامة متعمدة:

— تقوم لنا بالسلامة، وإحنا محضّرين لك مفاجأة حلوة يا عمي.

الدكتور دخل، والجو اتغيّر.

عدّلت نفسي وقعدت جنب أدهم على الركنة،

وقلت بصوت مهزوز:

— بابا هيبدأ جلسات الكيماوي من النهارده، وأنا هفضل معاه خطوة بخطوة.

الدكتور بدأ التحاليل وتجهيز الجلسة.

دخلت مع بابا…

وأدهم فضل برّه.

قلبي كان بيتعصر.

بابا بيتوجع قدّام عيني، وأنا عاجزة.

دموعي نزلت… على وجعه.

بعد الجلسة، دخل يرتاح.

دخلت أنا وأدهم معاه.

فضلت جنبه لحد ما نام،

وعيني خانتني من قلة النوم.

نمت نوم تقيل…

براحة مؤقتة.

صحيت على صوت حركة.

أدهم كان لسه داخل، واضح إنه كان بيكلم الدكتور.

بابا صحي، وقعدنا شوية، وبعدين قلنا له هنروح نغيّر ونرجع.

خرجت أنا وأدهم.

في العربية، قال بابتسامة خفيفة:

— ردك هاخده إمتى بقى يا خوخة؟

قلتله:

— قريب يا دومه… بس نروح البيت الأول، عايزة أتأكد من حاجة.

شغّل أغنية هادية.

رجّعت راسي وفضلت أبص للشوارع لحد ما وصلنا.

دخلنا البيت، غيّرنا، ونزلنا نعمل أكل.

روحت أطمن على عم محمد وولاده…

ما لقيتش حد.

جريت على أدهم بقلق:

— أدهم، عم محمد وولاده مش موجودين!

نزلنا نجري على المخزن…

وهناك

اتذهلت 

من اللي شوفته.


#مريم_أبوعمر 

#البارت_الثالث

           الفصل الرابع من هنا 

تعليقات