رواية خالد وملك الفصل السابع عشر 17 بقلم سلمي ايمن

رواية خالد وملك الفصل السابع عشر 17 بقلم سلمي ايمن

_ قصدك... هو أنا الشخص اللي بعتلك لك الرسالة ولا لأ.. قولي أيوه 


​فتحت عينيها تدريجياً وهي تنظر لوجهه الذي ظل كما هو، رغم ما قاله، وكأنه نطق شيئاً عادياً معتاداً بالنسبة إليه. تراجعت خطوات للخلف وهي لا تصدق ما استمعت له، وقد أيقنت أنها وقعت في فخ استطاع عقلها الاقتناع به، لتكتشف في النهاية أنها لم تكن إلا كذبة صدقتها.


​= يا ترى بتفكري في إيه دلوقتي من ناحيتي عارف إنها صدمة بس هي دي الحقيقة.. هنعمل إيه بقى


​تفوه بها بنبرة هادئة متلاعبة، وظلت ملامحه جامدة. وقف في ثبات دون أن يتحرك أو يهتز من مكانه، مما جعلها ترتاب منه قلقاً وخوفاً من تلك الشخصية التي تقمصها الآن. لم يكن هو الشخص الذي تقابله دائماً بملامحه الحزينة المعهودة وألمه الواضح المرسوم على وجهه، بل كان شخصاً أظلمت عيناه بسواد غامض، ولم تستطع تفسير علامات وجهه، لكنها ولأول مرة شعرت بشيء لا يبشر بالخير أبداً فيما هو قادم.


​_يعني بعد ده كله... طلعت..


​قاطعها قائلاً:

= سمّيه تمثيل، معنى قريب لكل ده.


​_ طب وليه يعني عملت لك إيه عشان تعمل فيا كده ده.... أنا حتى ساعدتك


​اقترب ثلاث خطوات منها حتى وقف بجانب مقدمة الدراجة وقال بعدم اهتمام وهو يعقد حاجبيه:

= أحياناً يا ملك أكبر غلطة بيعملها الإنسان إنه بيصدق اللي حواليه في أقل تمثيلية تتعمل قدامه.. وأنتِ صدقتي، فده اللي جنيتيه على نفسك.


​ارتدت للخلف قليلاً بعد اقترابه، وعيناها مفتوحتان مع كل كلمة ينطقها، كلمات تثبت لها كم كانت حمقاء وغبية. ورغم قلقها، إلا أن حديثه كان صحيحاً فهي من أوقعت بنفسها بمجرد أن أبصرت علامات الحزن عليه، لكنها علمت الآن أن ليس كل إنسان يستحق التضحية

​_ بس أنا معملتلكش حاجة عشان تعمل معايا كده، ده أنا كنت بساعدك، وأنت ساعدتني كمان في إني أوصل لمرحلة إني ألبس الحجاب بسبب نصايحك ليا.. وبعد ده كله تطلع..


​قاطعها ثانية، ولكن هذه المرة ببرود قاتل:

= كذبة


​_ ليه


​سألت بنبرة مليئة بالتساؤلات والحيرة، تتوق لإجابة تشفي غليلها، فقال لها وهو يستقيم في وقفته بعد أن كان مسترخياً على دراجته:

= عاوزة تعرفي ليه... وماله.. أقولك ليه. دلوقتي مفيش سبب يخلي الحقيقة متتقالش بعد ما عرفتي مين اللي ورا التهديد ده، وهو أنا.. والحقيقة يا ستي إني ولا عندي سرطان، وعايش حياتي راجل متهني عادي وبتفسح عادي، وأرجع في بداية اليوم أكمل المسلسل معاكي.. شفتي قد إيه الحكاية سهله


​أنهى كلامه بابتسامة واسعة، مما جعلها تتعجب أكثر وأكثر؛ فهي المرة الأولى التي تبصره يبتسم بطريقة فظة كهذه، فقالت بعدم استيعاب

_ ومراتك.. هي..


​قاطعها وعيناه مفتوحتان بشدة، وتزداد ابتسامته اتساعاً مع كل كلمة ينطقها:

= هااا.. ومراتي هي فعلاً ماتت ودي المعلومة الوحيدة الصحيحة ما بين ده كله. وأنا فعلاً كنت متجوز من 8 سنين كده، ومراتي ماتت بعد سنتين من جوازنا.. بس المعلومة اللي محققتيش فيها أو فاتتك، هي إزاي ماتت.. مسألتيش نفسك مرة أو حاولتي حتى تسأليني هي ماتت إزاي


​أنهى كلامه بابتسامة بسيطة يخبئ وراءها خبراً لن يعجبها أبداً، وهي تبصره ينظر للناحية الأخرى قائلاً:

=هحكيلك حكاية حلوة.. دايماً بحكيها لنفسي عشان مأنبش ضميري، وأديها ماشية.. في بيت صغير عايش فيه اتنين، واحد وواحدة، أو راجل وست.. المعنى الأقرب ليكي اختاريه  في يوم من الأيام الراجل ده كان راجع من شغله بالليل كأي راجل مهدود الحيل، مستني اللقمة اللي في البيت ياكلها ويستريح وينام. بس ينام إزاي وهو متجوز واحدة معندهاش قلب ولا عين في الراجل ده وفي يوم قفشوا هما الاتنين في كلام.. عادي جداً بتحصل..


​أنهى كلامه وهو يهز كتفيه ببساطة، وصمت لثوانٍ وهو يتلفت إليها ببطء قائلاً:

=بس لكل إنسان طاقة محدودة وبتخلص، فا يستحمل بقى الشخص التاني اللي هيجراله، مش ذنب الطرف الأول.. كلمة منه وكلمة منها، الجنان اشتغل ومدراش بنفسع والدنيا اسودت في عينيه.. وبيلاقي نفسه تاني يوم صاحي طبيعي، يطلع يبص في السفر..  ملقاش الفطار المعتاد بتاعه، دور عليها في البيت ولما دخل المطبخ لقاها مرمية في الأرض.


​أكمل بنبرة مستغربة وهو ينظر أرضاً:

= قرب منها وحركها على جنب براحة أوي، وشاف بركة دم سايلة من بطنها ومن كل حتة.. ومن هنا بقي عايش بوشين؛ وش بيضحك، ومن ناحية تانية وش حزين.. تحبي تعرفي عمل إيه بعديها


​كانت متسمرة في مكانها، تحبس أنفاسها من هول ما تسمعه؛ كلمات وحقائق جعلتها ترتجف من فرط الصدمة. كانت نيتها الآن الهروب لولا حديثه الذي استوقفها، وجعل عينيها تتسعان أكثر فأكثر:

= شلها وهو مش مصدق حاله إن اللي في إيدي دي هي مراته، حبيبة قلبه وشريكة عمره وحياته.. وطبعاً مكنش هينفع يدفنها ولا إنو يقول لأهلها أو لي اهله، لأني انا وانتي عارفين اللي فيها لو قال.. ولأن برضه مفيش شنطة على قدها يدخلها فيها ويرميها في أي حتة.. فـ مسك سك/ـينة بي ايده كده، و أقطع أقطع أقطع لخمس حتت... وخفيهم عن العالم.... وفضل على كده مش مصدق موت مراته، ولمدة سنة بيحلم بيها.. مش مصدق إنها بعدت عنه فجأة كده.. وبقي زي المجنون


​نطق جملته الأخيرة وعيناه تتفحصانها بدقة وتتعمقان في ملامحها بنظرات أسد يبصر فريسته، منتظراً منها أي حركة ليهجم عليها بأنيابه. فيما كانت هي، وببطء شديد، تحرك يدها داخل حقيبتها؛ تشعر أن قلبها سيتوقف بعد ثوانٍ مما استمعت إليه. لم يكن شيئاً عادياً تسمعه إلا في الأخبار أو الأفلام النفسية، وها هي الآن تقف أمام إحدى الشخصيات التي تحمل ذلك الجنون المريب، وعليها التصرف في أسرع وقت.


_اي رايك في الحكايه دي... او اقصد حكايتي.. حلوه مش كده.. 


​اقترب خطوة منها، ولكن كانت تلك الخطوة كفيلة بجعلها تنتفض سريعاً، وأخرجت من حقيبتها السكين وقالت بتردد وخوف:

= أوعى تقدم خطوة تاني.. أنت فاهم.. أوعى تقرب


​نظر للسكين لثوانٍ وابتسم ساخراً وهو يضرب يده في العمود الحديدي الذي بجانبه قائلاً:

ـ يعني بذمتك بعد كل ده وفي الآخر دي زعلتيني صراحة منك يا ملك.. مكنتش متوقعها منك أنتِ.. كنت متوقع الأسوأ صراحة، بس شكل مقامك مابيرفعش إلا الحاجات الصغيرة... بس وماله، ساعات الحاجات الصغيرة اللي قد كف الإيد بتفلح عن حاجة كبيرة، وأنا كمان شايل معايا حاجة صغيرة عشان متفتكريش إني جاي فاضي.


​نظرت له بترقب وهي تبصره يضع يده داخل جيبه، وفور استخراجه لشيء ببطء ارتجفت يداها ووقعت منها السكين، ولكن نزلت سريعاً وأمسكتها من جديد وهي ترفعها اتجاهه برعب وخوف. والثاني الذي حين استخراجه عادت ابتسامته قائلاً وهو يلف مسدسه حول يديه كالحلقة:

ـ إيه رأيك.. الصراحة أنا مش عاجبني، حاسه حاجة ماتناسبش واحد قتل عشرات من الناس بأدوات مايعديش منها حيوان.. فمعلش بقى تتعوض في المرة الجاية.


​= طب... طب أنا عملت إيه برضه.. أنا لسه مفهمتش ذنبي إيه


​اقترب منها سريعاً عندما استمع لسؤالها ذلك، وبالكاد لا يفصل بينهما شيء، بينما الثانية أمسكت بيديها الاثنتين السكين أمام وجهها، فقال وهو يقرب يده من وجهها ببطء وعلامات الغضب والحدة بادية عليه:

ـ ذنبك إيه.. بتسألي ذنبك إيه.. مش كفاية إنك شبهها في كل حاجة.. حاجة واحدة بس منها في أي حد كفيلة إني أقتله مهما كان هو مين، وأنتِ من أول يوم شوفتك فيه قدامي وأنا كوابيسي ملاحقاني كأني شايفها هي.. ذنبك الوحيد إنك شبهها يا ملك


​تنفست بعمق حتى تستطيع الكلام وقالت:

= بص، أنت من كام ساعة هددتني وقلتلي ابعت رسالة لخالد وبعت الرسالة اللي أنت قولتلي عليها، ورسالة زي دي تخليه يكرهني ويبعد عني، عاوز إيه تاني


​في الناحية الأخرى

كان في طريقه للخروج لكن أوقفه صوت والده الذي كان خلفه وأبصره فنادى عليه:

ـ شكلك نسيتني ولا إيه.. مش قولتلي هنروح أنا وأنت ومعانا المأذون عشان تجوز البت.. ولا الأب ملهوش لزوم في الحاجة دي


التفت له و​اقترب منه سريعاً فور أن رآه والغضب يعلو وجهه حد الانفجار وقال:

= أنت كلمت ملك مش كده... وأكيد أنت اللي خليتها تقول الكلام ده.


​تراجع والده إلى الخلف قليلاً من هجومه المفاجئ ذلك، فقال له دون فهم:

ـ كلام إيه... أنا آخر مرة اتكلمت معاها كانت من خمس أيام، ومن بعدها مرفعتش تليفون تاني أكلمها.


​أخذ ينظر له بحدة دون كلام وهو لا يفهم، إذا لم يكن والده وراء ذلك فمن يستحيل أن تفعل ملك ذلك دون أي سبب، فقط مجرد تخيل الرسالة التي أرسلتها له وكلماتٍ يصعب على قلبه أن يتقبلها. أغمض عينيه بضيق وقبل أن ينسحب تاركاً والده ينظر في أثره بتعجب شديد، فقال له

= إيه اللي حصل يا خالد خلاك هايج كده.. ملك قالتلك حاجة ولا في إيه


​نظر إلى أثره بسخرية قائلاً:

ـ لا باين عليك الاهتمام أوي.


​زفر بضيق منه وقال:

= رد عليا... إيه اللي حصل


​ـ وهيحصل إيه لو عرفت أو لو قولتلك اللي حصل ما هو كل ده عشان مصلحتك أنت في الآخر مش عشاني ولا عشانها هي... جوازي من ملك ده عشان تطلعني بره البيت ده و..

​صمت عندما أبصرها تقف أمامه خلف والده، والتي كانت أميرة، وهزت رأسها سريعاً عندما استمعت لحديثهم، وكان سيفضح أمرها لو أنه أخبر والده عن أمر ملك وشقه فنظر الثاني للخلف حيث ما يبصر خالد، وعندما أبصر أميرة، تصنعت الثانية سريعاً أنها ترتب حجابها وتقدمت أمامه قائلة له بابتسامة:

= أنا جهزت دلوقتي يا حاج.. العريس جاهز ولا خايف


​أنهت كلامها بابتسامة سامجة تنظر إلى خالد، الذي ابتسم ابتسامة شبيهة لابتسامتها قائلاً:

ـ والله أنا على ما أذكر قولتلك إن وجودك مش مبشر في القاعدة، وشوفتي سبحان الله نيتك لوحدها إنك تيجي خلت الجواز ميكملش.


​رفعت عينيها بضيق وفكرت أنه يقول ذلك الكلام لاستفزازها لا أكثر، فيما نظر له الثاني بعدم فهم قائلاً له بعد أن نسي أمر حديثه السابق وانتبه لحديثه الأخير:

ـ قصدك إيه إن الجواز مكملش يا خالد.. أنت بتهزر ولا بتتكلم جد


​= وأنت شايف إن دي أركشنات واحد بيهزر ولا لازم أعيطلك دمعتين على خدي عشان تصدق


​أغمض عينيه بغضب شديد من كلامه وهو يعلم جيداً أنه يريد أن يثير استفزازه، ولكنه لم يدع له الفرصة في فعل ذلك، وهدأ قليلاً وقال:

ـ لو فاكر إني ورا الحاجة دي فاعرف كويس إني مليش أي دخل فيك أنت وملك، ده غير إني أنا اللي ساعدتك أصلاً في جوازك منها، فليه أحاول دلوقتي أفرقكم عن بعض


​نظر له لثوانٍ وهو يفكر في جدية حديثه، فرغم أنه يفعل ذلك للتخلص منه، إلا أنه بالإضافة لذلك يفعل ذلك أيضاً ليأخذ شقتها انتقاماً منها ومن والدتها، تماماً كما حكى له أخيه محمد عندما علموا الحقيقة من والدة ملك وعن أمر ابنتها عبير وأخيه الثاني آسر. ومن بعد أن طردوا أسرته بسبب فعلته تلك وهو يريد سلب شقتهم بعد تزويجهم، فلن يتبقى سوى والدتهم والتي لن يتركوها بالطبع لوحديها، وهكذا سكونون مضطرين أن يدبروا لها مأوى للعيش به.. ولكن بمراجعة التفكير ثانياً، فإن فعل كل ذلك من أجل طردٍ وحسب شيء ليس كافياً في انتقام شخص من آخر.


​بعد تفكير طويل في الأمر، التفت ولم يرد عليه، وبمجرد خروجه قال الثاني بنبرة حازمة:

ـ أميرة


​ابتلعت ريقها بقلق وقالت بنبرة حاولت أن تكون عادية:

= نعم يا بابا


​ـ حبيت بس أتأكد، أنتِ قولتي حاجة لحد في اللي بينا ولا لسه فعلاً السر مابينا بس


​= كده تزعلني منك برضه... هو يعني في سر كان بينا وخرج من دايرة اللي بينا سرك دايماً في بير.


أنهت كلامها بابتسامة حاولت استخراجها واثقة خلف قلقها ذلك، فيما نظر لها الثاني بتركيز جعلها ترتاب منه وقال:

_بتمني يكون كده فعلاً


​ورحل تاركاً الثانية التي بمجرد رحيله أغمضت عينيها وأخذت أنفاسها براحة..

=أميرة


​تفوه بها محمد وهو يقف أمامها، فتراجعت الثانية بقلق مريب وهي تضع يدها على قلبها بعد أن أبصرته أمامها فجأة:

_ لا إله إلا الله قلبي وقف منك لله.. حد يقف قدام حد كده.. وبعدين أنت مالك بقيت ورايا كده ليه يا عم.. أصحى من نوم أتصبح بوشك، أخلص أكل ألاقيك مبحلقلي، أخلص كلام مع أي حد تكون واقف وراه على طول... أنا عاملة جريمة ولا إيه


​تجاهل كل كلامها ذلك وقال وهو ينظر حوله:

= تعالي نقف بره البيت عشان في كام كلمة عاوز أقولهملك.


​_ليه


​= يا ستي تعالي وخلاص.. مش هينفع نتكلم هنا وأبوكي يسمعنا


​تنهدت بضيق وهي تعلم أنها حتى إن رفضت فسيصر عليها، فخرجت وتبعها الثاني للخارج.

....

​_ آخر سؤال وهمشي يا عبير فقوليلي..


​قاطعته وهي تضيق حاجبيها بضيق قائلة بصوت منخفض:

= رايح فين


​لم يستمع لها جيداً فقال لها مقرباً وجهه منها:

_ بتقولي إيه


​= رايح فين


​_ أهاا... رايح العيا... قصدي الشغل، رايح الشغل يا عبير


​انتبهت من كلمته الأولى والتي قالها بكل ثقة وبعدها غيرها بكلمة ثانية على الفور وعلاه التوتر قليلاً، فنظر لها بعد أن استمع لصمتها الذي طال كثيراً فوجدها تطيل النظر به بتركيز شديد فقال لها:

= مالك..


​هزت رأسها بلا وهي تبعد أنظارها عنه مركزاً في شيئاً اخر فقال لها:

_ طب هسألك آخر سؤال ده وهديكي ده..

​نظرت للشئ الذي أخرجه من حقيبته والذي كان حبلاً طويلاً (حبل القفز) والتي عرفته على الفور من خلال مشاهدتها له على هاتف لأحد الأشخاص يلعبون بها 


​_"عارفها.

​هزت رأسها سريعاً وعيناها تلمعان بتركيز، وانتظرت السؤال الذي سيوجهه لها، لكنها تعجبت من سكوته المفاجئ، فرفعت أنظارها إليه ورأت علامات الضيق والحزم على وجهه، لتتذكر سريعاً وتقول ارتباكاً:

_ آه.. آه.


​= المرة الجاية لو لقيتك بتهزي فيها راسك تاني، هنقص من عدد الحاجات اللي بجيبهالك.. تمام


​وقبل أن ترفع رأسها، قالت سريعاً مع اهتزازة لي رأسها كأنها عادة لا تستطيع التخلص منها:


_تمام.. تمام.

​رفع حاجبه مبتسماً وهز رأسه هو الآخر بيأس منها قائلاً:

=تمام يا عبير.. قولي لي بقى، أنتِ أكلتي


​عقدت حاجبيها باستغراب من سؤال كهذا، ولكنها أجابت في كل الأحوال:

_ لأ


​=ليه


​لم تعرف بماذا تجيب وأخذت تنظر إليه منتظرة منه الإجابة، فهو في بعض الأسئلة التي تعجز عن الرد عليها كان يبرر عنها وهي تؤكد كلامه، وبالفعل فعل ذلك وهو يقول لها:

_ عشان كنتِ زعلانة على أختك ملك فماكلتيش، مش كده


​هزت رأسها، فقال:

= طيب وإيه ذنبك أنتِ في اللي بتعمليه في نفسك؟ ما هو كده أنتِ بتضري حالك لما بتوقفي الأكل.. أنتِ دلوقتي زعلانة ومضايقة إن ملك هتتجوز، ماشي، وقفتِ أكل.. هل ده هيمنع جواز ملك


​هزت رأسها نفياً، فأكمل:

_ طيب واللي عملتيه ده دلوقتي.. بصي، أي حاجة تحصل مهما كانت وحشة وتضايقك أو تخنقك، نفسك مالهاش دعوة بكل ده، عملت إيه عشان تعاقبيها وتمنعيها عن حاجة أساسية زي دي الأكل ده مش مجرد وسيلة لسد الجوع وبس، ده هو المحرك اساسي لأي تفصيلة في حياة الإنسان.. يعني زي الوقود اللي بتحتاجه العربية عشان تتحرك وتشتغل، الأكل الجسم بيحتاجه عشان يعيش وينمو ويقوم بوظائفه الحيوية زي التنفس وضربات القلب.. وليه أهمية للعقل كمان، يعني من غيره مش هتعرفي تحلي أي مسائل رياضية تاني وهتبقي ضعيفة، وزي ما العربية من غير بنزين مجرد حديد مركون، الجسم من غير أكل مجرد هيكل مافهوش طاقة... فهماني


​هزت رأسها بإنصات شديد له وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهها، فابتسم لها وقال:

= دي تالت مرة بتهزي فيها راسك وأنا ساكت ده أنتِ لو مولودة راسك بتهز لوحدها مش هتعملي كده


​ضحكت بخفة وهي تضع يدها على فمها لتداري ضحكتها، فقال لها:

_ أنا من حقي مادكيش اللعبة، بس بعد ضحكة القمر دي تستاهليها وفوقيها واحدة هدية كمان.. اتفضلي يا ستي.


​أخذتها بسعادة شديدة، فيما وقف مهند وقبل أن يتحرك نظر إليها قائلاً:

= بعد ما أمشي على طول تاكلي، ماشي يا عبير.. عبير


​لم ترد عليه بسبب تركيزها الشديد في الأشياء التي أعطاها إياها، والتي كان نصفها "ألعاب ذكاء" تفضلها دائماً وترغب بها. بعضها أحضرته لها ملك سابقاً، وبعضها لم تستطع بسبب صعوبة شرائه، والآن كان عليها الإجابة على سؤال لتفوز بأكثر الأشياء التي ترغبها( كالسودوكو والكلمات المتقاطعة و أحجية الصور المقطوعة) قاطع تفكيرها صوت مهند الذي رفع نبرته قائلاً:

= يا بنتي ما تردي عليا.. هتخليني أندم إني جبتلك الحاجات دي


​نظرت إليه سريعاً ووقفت أمامه، فقال لها:

_ هتاكلي بعد ما أمشي على طول، ماشي


​هزت رأسها بابتسامة بسيطة، ولكنها فوراً تراجعت للخلف بفزع من صوته العالي:

=يا بنتي هتشليني! ما تقولي ماشي إيه الصعوبة في كده ده أنا راسي اللي وجعتني من كتر ما هزيتي راسك


​رغم ارتباكها منه إلا أنها ضحكت، وهذه المرة بصوت عالٍ، مما جعل والدتها تدخل الغرفة وهي تبصرها بتعجب وتفاجؤ؛ فكانت المرة الأولى التي تسمع فيها ضحكات ابنتها الغالية بعد سنين طويلة من الصمت. كانت  ستبكي من فرط الفرحة إلا أنها تمالكت حالها وقالت لمهند:

_ هي بتضحك على إيه البت دي


​= بقالي ساعتين بحاول أقنعها متهزش راسها وتتكلم عادي، تقول آه، لأ، ماشي مش عارف ليه حابة لغة الإشارة دي.. ده غير إني عاوزها تتعود على الكلام، بس مافيش فايدة


​_ أهااا.. عشان كده. لا ما تحاولش في دي لأن غيرك حاول وماعرفش، أنا وملك عملنا المستحيل معاها في النقطة دي بس مفيش حل، راسها مش هتقف في مكانها أبداً


​نظر مهند لعبير التي كانت تقف خلف والدتها وتبتسم، فقال:

= طالما محاولتي بتخليها تضحك كده، فمافيش مشاكل لو حاولنا تاني ورابع.. كله يهون مقابل الضحكة الحلوة دي.


​ابتسمت عبير وهي تخفي وجهها وراء والدتها بخجل شديد، فألقى لهما ابتسامة أخيرة وتحرك للمغادرة قائلاً:

_ طيب أمشي أنا بقى عشان ما اطردش من شغلي.


​تابعته والدة عبير قائلة:

= تعبناك معانا يا دكتور..


​توقف مهند عن الحركة واتسعت عيناه بصدمة، فيما انتبهت الثانيه سريعاً وصححت كلامها:

_ قصدي يعني إنك شبه الدكتور بالنظارة اللي لابسها.. فكرر زيارتك دي تاني وعبير أكيد مستنياك.


​تنهد مهند براحة والتفت ليغادر، لكنه انتبه لملامح عبير التي زالت عنها الابتسامة فجأة وعلتها ملامح لم يفهمها، فقال:

= طبعاً، ده كل يوم هكون عندها بألعاب جديدة وأسئلة كمان... وفي كام مسألة كاتبهم في دفتر بني كبير، عاوزك تحليهم لأني هشوفهم المرة الجاية، تمام يا عبيرتي


​لاحظ صمتها الغريب وهي تنظر للأرض، فرفع صوته قليلاً:عبير


نظرت إليه وهزت رأسها قائلة: تمام.. ماشي.


​رغم تعجبه منها وشكه في أنها اكتشفت شيئاً ولا تريد إخباره به، إلا أنه قرر الانتظار للزيارة القادمة. التفت وقبض على مقبض الباب، وعندما فتحه أبصر خالد يقف أمامه، فقال له باستغراب مفاجئ:

_ خالد جاي هنا ليه


​= أنت اللي كنت بتعمل هنا إيه


​_أنا باجي هنا عشان أشوف عبير.


​= تشوفها إزاي يعني مش ملك كلمتك عشان تيجي تعالجها عشان مرضها


​أغمض مهند عينيه ، وهو يعلم أن عبير خلفه وتستمع لكل شيء، ولا يريد الالتفات ليبصر وجهها؛ فهو يعلم أن نظراتها له في هذه اللحظة ستكون قاتلة. فقال لخالد بغيظ:

_ أنا مش عارف أدعي عليك بإيه ولا إيه الشتيمة اللي تنفعك دلوقتي.. بس منك لله يا أخي، دمرت مباني هضطر أبنيها من جديد


​لم يفهم خالد مقصده، ولكنه أبصر الفتاة التي تقف في الخلف، وعلم من شبهها بملك أنها أختها "عبير". رأى الدموع في عينيها وهي تنظر لمهند، الذي كان لا يزال مغمض العينين رافضاً الالتفات. كانت والدتها تقف بجانبها تنظر لها بخوف وقلق وهي تشعر بارتعاش بي جسد ابنتها الشديد، ولم تدم وقفتها طويلاً إذ ركضت سريعاً لغرفتها وأغلقت الباب بقوة أدت لوقوع أحد الأشياء عن الطاولة. لم يتبعها مهند لعلمه أن أي محاولة الآن لن تفلح، فنظر لخالد الذي سأله بعدم فهم:

= في إيه يا مهند


​​نظر مهند في الاتجاه الآخر بمرارة وقال بصوت عالي:

_عجبك كده روح صلح الموقف دلوقتي.


​=طب فهمني فيه إيه

​_هي ملك ما قالتلكش إن عبير ما بتحبش الدكاترة ومش بتستقبلهم ولا إيه يا خالد


​وضع يده خلف رأسه بتذكر وقال:

=عشان كده.. أنت كنت كل ده مخبي عليها وبتتعامل معاها على إنك واحد عادي عشان ماتعرفش إنك دكتور.


​_تخيل... وأنت جاي هنا ليه بقى

​تذكر سريعاً الأمر الذي جاء من أجله ونظر لوالدة ملك وقال:

=كنت جاي أسأل على ملك.. هي قافلة تليفونها بقالها ساعتين فكنت عاوز أكلمها فقلت أجي عندها.


​ردت عليه والدة ملك باستغراب:

_بس ملك لسه ما جاتش لحد دلوقتي يا بني.


​ضيق حاجبيه بتعجب وقال:

=نعم.. كل ده ولسه ما جاتش هي مش بتوصل البيت الساعة 3


​_ما هي ساعات بتتأخر.


​=الساعة داخلة على 5 ازاي ما جاتش لحد دلوقتي وكمان تليفونها مغلق.. طب لا قدر الله حصلها حاجة هنعرف نتواصل معاها ازاي دلوقتي


​_يا عم ما تقولش كده ربنا يحميها ويحفظها، استنى ربع ساعة كده وهتيجي.


​قال وهو يتحرك مبتعداً عنهم:

=لا أنا مش هستنى، هروح أستناها في المترو أو أدور عليها.


​ورحل تاركاً الاثنين ينظران في أثره باستغراب شديد، فقالت له والدة ملك بتعجب وقد نسيت أمر ابنتها الثانية:

_ماله ده


​=سيبك منه هو دايماً كده.. المهم.


​نظر لها وقال:

_ما تسيبيهـاش وافضلي حاولي معاها، أنا عارف إنها مش هتطلع مهما حاولت معاها دلوقتي مش هعرف، بس بكره هعدي وهحاول معاها، تمام


​هزت الثانية رأسها بصمت، فيما تحرك هو قبل أن ينظر لغرفة عبير آخر مرة ثم انصرف للخارج.

​......

​كان يقف مقرباً منها وقال بعد جملتها الأخيرة تلك:

_أنا خليتك تعملي كده عشان أكون ضامن إني أفرقكم، وأكيد رسالة زي دي أكيد وجعاه ومش هيصدق إنها منك.. فأنا...


​ودون أن تشعر وضع يده داخل حقيبتها وأخرج هاتفها منه ووضعه أمام وجهها وأكمل كلامه:

=همسك تليفونك وأبعت صورنا أنا وأنتِ وكام رسالة مجرحة للقلب، وكده تم الانفصال مية في المية.


​رفعت عينيها بصدمة لهاتفها الذي لم تستوعب بعد أنه أخرجه دون شعور منها، فرفعت يدها لتأخذه وقبل أن تصل أصابعها له كان هو يبعده عنها بحركة خفيفة وسريعة، وأمسك كف يدها يلفه حولها بعنف جعلها تكتم صرخة عنيفة كادت تخرج لولا تحكمها بها، وشعرت بأنفاسه جانب رأسها:

_عشان كده زي الشاطرة تيجي معايا بهدوء.. بدل ما أذي خالد حبيبك وعائلتك وكل اللي بيحبوكي، أكيد مش هيهون عليكي تشوفي عائلتك بتأذي.. فا اختاري أنتِ


​وقبل أن يفك يدها تذكر شيئاً آخر جعله يقبض أكثر ويزداد في اقترابه أكثر، وذلك جعلها تغمض عينيها ألماً وقهراً، واستمعت لصوته الذي خرج هذه المرة بنبرة منخفضة متلاعبة:

=آه وأخر حقيقة.. طبعاً وفقاً لكل الخطط دي صعب شوية إن نفر واحد يعملها لوحده، فاستعنت بحد كده.. وللأسف الشديد الحد ده يبقى من عائلتك

يتبع

بقلم سلمي ايمن

       الفصل الثامن عشر من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا

تعليقات