رواية بلا انذار الفصل السادس 6 والاخير بقلم امل عبدالرازق
فجأة، السكون اتكسر على صرخة حادة شقت قلب البيت.
_ الحقووووني! يا ناس… يا مصيبتييي!
أبوس إيدكم ارحموني، آه ياني ياما
الصرخة رجّت البيت، والأبواب اتفتحت مرة واحدة، خطوات ملخبطة، قلوب بتخبط قبل الرجلين.
ملك وقفت مكانها، وبصّت ناحية أوضة حماتها وهي حاسة إن اللحظة دي بالذات كانت مستنياها من زمان.
الصريخ كان بيعلى، ومش صريخ وجع وبس… دا ضريخ رعب وخوف.
وساعتها، سؤال واحد ضرب في دماغ الكل:
يا ترى إيه اللي حصل خلى أم مصطفى تصرخ بالطريقة دي؟
قربت منها بخطوات هادية وعينيا ثابته عليها:
_ مالِك يا حماتي؟ في إيه يا غاليه؟
حماتي كانت بترتعش وبتلف حوالين نفسها كإنها محاصَرة:
_ قرين شروق جالي… جالي ومش هيرحمني… إلحقوني يا ناس!
عرفيتها طلعلي.
مصطفى فرك وشه بعصبية وقرب منها:
_ هو إنتِ مش هتبطلي سيرة القرين والقرينة دي بقى؟
حماته بصّتله بحدة وخوف في نفس الوقت.
أنا لسه راجع من برا وتعبان.
بصتله بحدة وتحذير:
_ اسكت! دول حوالينا، الجن والعفاريت عمار البيوت، إحنا ضيوفهم، واللي يزعلهم عليه العوض فيه، راح في سكة اللي مبيرجعش.
مصطفى انفجر فيها بعصبية:
_ يا دي الشغلانة المهببة! زلّتينا وإحنا صغيرين، كل شوية ممنوع حد ينطق في الحمام، وبخور كل خمس دقايق لحد ما دمرتي صدرنا، والملح اللي حرق جلدنا، إيه اللي رجّع الهلاوس دي تاني؟
صرخت فيه وهي ماسكة راسها:
_ بقولك قرينها جالي وبيقولي هينتقم مني، وشروق كل شوية تدخل الحمام تعيط وتصرخ، وخلاص مبقاش مستحمل اللي بيحصل ومش هيصبر عليا أكتر من كده.
مصطفى هز راسه بسخرية:
_ يا دي الجنان… ايه اللي فكرك بيها، شروق عايشة في محافظة تانية!
دخلت بينهم بهدوء غريب:
_ أنا مصدقاكِ يا حماتي، واحدة قريبتي حصل معاها حاجة زي دي زمان ومحدش صدقها، وفجأة كدا من غير مقدمات اتجننت.
مصطفى بصّ لملك بصدمة:
_ إنتِ كمان يا ملك؟ هتصدقي الجنان ده؟
اتجاهلته، وقربت من حماتي وقولتلها وأنا باصه في عينيها:
_ سيبك منه، قوليلي حصل إيه بالظبط، والتفصيل عشان اقدر اساعدك.
قعدت على الأرض وإيديها بتترعش:
_ دخلت انام عادي زي كل يوم، وخلاص دخلت في النوم وبقيت في دنيا غير الدنيا، وفجأة حسّيت الهوا سخن في وشي، قولت بحلم، الهمس بقى أعلى، وصوت بيقولي: «قومي يا سيدة… أنا جاية آخد حقها منك».
الكل كان ساكت، والجو مشحون، كملت وقالت:
_ فتحت عيني بالراحة، لاقيت شروق نايمة جنبي، وشها في وشي، شعرها أبيض ومنكوش، عينيها حمرا ومبرقة، وسنانها سودا… مسكتني من رقبتي وقالتلي: «أنا قرينة شروق ومش هرحمك».
ميادة بصت لملك وهي مصدومة وقررت إنها هتسكت لأن خلاص مبقاش حد هيعرف يقف في وشها.
حماتها قالت وهي بتترعش:
_ دخلت انام عادي زي كل يوم، وخلاص دخلت في النوم وبقيت في دنيا غير الدنيا، لاقيت هوا سخن في وشي، قولت انا بحلم ولا إيه، الموضوع اتحول لهمس يخوف، وسمعت صوت بيقول قومي يا سيدة هاخد حقها منك.
سكتت لحظة وكملت:
_ جسمي اتنفض وفتحت عيني بالراحة لاقيت واحده شكل شروق بس مرعبة نايمة جنبي ووشها لازق في وشي، منكوشه عينيها حمرا وتحتها أسود بتقولي انا قرينة شروق ومش هرحمك.
_ قعدت على السرير اترعش وحطيت إيدي على عيني وأنا مرعوبة، لاقيتها مسكتني من رقبتي وإيديها كانت متعورة وأسنانها سودا وبتقولي صبرت عليكِ كتير، شوية الملح اللي بتروشيهم مش هيمنعوني عنك.
_ قولتلها أوامرك أنا تحت أمرك بس ارحميني، قالتلي ترجعي الحق لأصحابه وكل اللي ظلمتيه هياخد حقه منك.
ولسه ملك اللي دموعها مش بتنشف من ظلمك يا مشعوذة، الدجالين اللي بتروحيلهم نهايتك هتكون سودا زيهم.
ظلمتي ابنك ومراته وسلبتي حقوقهم ورمتيهم في الشارع، ليل ونهار شروق بتدعي عليكِ.
ودمرتوا ملك بالأدوية اللي بتحطوها ليها عشان تعملولها هلاوس واكتئاب وتاخده ورثها، ومرات ابنك الكبير لسه دورها جاي، ومصطفى حسابه كبير أوي.
وقالتلي أنا قرينة شروق جيت اخد حقها منك، شروق جننتني بسبب عياطها كل ليلة في الحمام وخلاص جه دورك.
قالتلي كل يوم تدخل الحمام تعيط وتصرخ وتدعي عليكِ وتصرخ حتى قرينك مبقاش مستحمل واستدعاني،هتروحي من ربنا فين؟
مسكتني جامد من شعري ونفسها كان ريحته صعبه.
كملت وهي بتنهار:
بقت غضبانه اكتر وعيونها بتطلع نار وقالتلي هخلص الدنيا من شرك يا سيدة، لكل ظالم يوم أسود بيخلص منه القديم والجديد
اتنفضت من مكاني وجيت اجيب كيس الملح عشان ارشها بيه، بدأت تصرخ ومسكتني جامد من رقبتي حتى مكان إيديها معلم ازرق في رقبتي.
أنا كنت صابر عليكِ بقول هتتوب وهترجع عن اللي هي بتعمله، لكن اصطادتي ضحية جديدة ملك الغلبانه اللي قرينها بردو جايلك.
وقالي من ظلمكم وصل بيكم الحال إنكم تحطولها مسببات اكتئاب وهلاوس، كل دا عشان الفلوس؟
انتِ وابنك ومرات ابنك نهايتكم هباب.
خلاص يا سيدة كل اللي شايلاه في خزنتك اختفى، لا بقى حيلتك فلوس ولا حاجه.
كل الجن والعفاريت مش مستحملينك نهايتك سودا.
هتطلعي دلوقتي وتعترفي بكل عمايلك اللي زي وشك وإن كذبتي في حرف هتتلعني ويتخسف بيكِ الأرض.
كملت وهي بتعيط وصوت نفسها عالي:
قطعتلي هدومي وجابت أغلى عبايه على قلبي وحرقتها.
_ ومضتني على عقود تنازل عن ملكية البيت والأراضي وكل اللي عندي.
حتى الصيدلية بتاعتك اللي بإسمي خدوها هي كمان، خلاص كله راح.
وفجأة لاقيتها ماسكه تعبان وشدتني من شعري وقربته مني جامد ووقتها أغمى عليا وجسمي كله بيترعش.
مصطفى حاول يسيطر على الموقف:
_ بطلي بقى الكلام اللي بتقوليه دا يا ماما، أكيد دا كابوس او أنتِ بتهلوسي.
وفجأة استوعب:
_ أنتِ بتقولي إيه، عقود إيه وصيدلية إيه؟ دا أنا هروح فيكم في داهيه أنتِ وعفاريتك.
مسكته من إيده وأنا بتعيط:
_ حبوب اكتئاب وهلاوس إيه اللي بتحطوها ليا يا مصطفى؟ الكلام دا حقيقي؟
مصطفى زعق:
_ أنتِ هتصدق الجنان دا كمان ولا إيه؟ اعقلي يا ملك وركز، قوليلي فين مفتاح الخزنه بسرعة يا ماما.
فقدت السيطرة، كسّرت اللي حواليها، ومسكت ميادة من رقبتها:
_ الكلام دا حصل يا ميادة؟ كنتو بتحطولي الحاجات دي؟
ميادة ردت بخوف:
_ حصل وهقولك كمان مصطفى شايلهم فين.
مصطفى ضربها بالقلم.
_ يا كذابة، انا مستحيل أعمل كدا، أكيد دي خطة منك.
أمه قربت منه وشكلها كان مرعب.
_ اخرس بقى متكذبش الأسياد محوطانا انا شيفاهم.
_ اسكتي بقى بطلي جنان أنتِ كمان، انا عايز حاجتي اللي عندك.
سحبته من إيده، دخلت الأوضة، وفرجته على لبسها المرمي على الأرض، والعباية اللي ولعت، وفتحت الخزنه لاقيتها فاضية.
فضلت تصرخ:
_ فلوسي قرين شروق خدها، فلوسي راحت، شقى عمري راح، يا مصيبتي ويا خراب بيتي.
مصطفى قال بغل:
_ لأ متعمليش أفلام عليا انا حافظك، مش هخرج خسران، فين الفلوس يا سيدة؟ كدا مش هيحصل كويس.
مردتش عليه، فضلت تلطم وتقطع في هدومها وتقول كلام مش مفهوم.
قولتله بإصرار:
_ أنا عايزه افهم كنت بتحطلي إيه يا مصطفى، قولي الحقيقة.
مصطفى صرخ فيا:
_ مش وقتك خالص أنتِ كمان… خلينا نشوف المصيبة اللي إحنا فيها.
أمه حالتها بقت صعبة حطيلها مهدئ وخدني وطلعنا شقتي.
قولتله أول ما دخلنا:
_ عملت معايا كدا ليه؟ حرام عليك مش خايف من ربنا
قالي بتجاهل:
_ قولتلك بطلي جنان، انا هعمل كدا ليه يعني
_ دا السؤال اللي انت هتجاوبني عليه وحالا
قالي ببرود:
_ الدكتورة قالتلك إيه، كله تمام
بدأت اعيط وجسمي يرتعش:
_ لأ مش تمام، انا خلاص مش هعرف أبقى أم، أنا عقيمة واتحرمت من أجمل إحساس في الدنيا، كدا مش هلاقي اللي يورثني
مسك إيدي وقعدني في الصالون وقعد جنبي:
_ إهدي يا ملك، أنا روحت فين يعني؟
مش إحنا اتفقنا انك هتكتبي كل حاجه بإسمي عشان أخلي بالي من فلوسك
_ هو دا كل اللي فارق معاك، بقولك بسببك بقيت عقيمة، كنت بتحطلي إيه في الأكل؟ كنت بتدمرني ليه؟
عملت فيا كدا ليه؟
_ ملك انا هصارحك أنا عارف انك عندك مشكلة في الحمل من البداية، وعشان كدا اتجوزت من شهرين في السر ومراتي حامل، أول ما هتولد هاخد الطفل وهطلقها وهرميها في الشارع
اتجمدت مكاني ومحستش بنفسي إلا وأنا بضربه بالقلم على وشه
مسك إيدي بقسوة وقالي:
_ أنتِ مجنونه بتمدي إيدك عليا؟
قولتله وأنا بضحك بصوت عالي ملى المكان:
_ هتجيب عيل مش من صلبك ولا ابنك يورثك يا مصطفى؟ شوف بقى دا ابن مين
قالي بعدم فهم:
_ أنتِ بتقولي إيه؟
أنتِ كذابة
قصدك إيه بالكلام بتاعك دا؟
رميت أوراق التحاليل في وشه وقولتله:
_ شوف بنفسك انت عقيم يا دكتور يا محترم، يا ترى مراتك حامل من مين يا مغفل؟
خلاص اللعبة اتقلبت عليك وكل حاجه اتكشفت.
للأسف ربنا ابتلاني بيك وطلعت مش راجل وخاين وياريته بفايده، انت كمان حب عمرك خانتك يا قلبي، بجد مش مستوعبة إزاي هتبقى اب لإبن مش ابنك يا مغفل.
بقى تحطلي أدوية وتتفقوا عليا!!
ليه يا ظالم؟
لييييه عملت فيا كدا؟
أهو سبحان الله ربنا حفظني وخلى اللي انت كنت عايز تعمله فيا يبقى فيك، وهتتحرم من الأبوه، ولا اقولك أبقى ربي ابن عشيق مراتك.
رد عليا وعينه بتطلع شرار:
_ هخلص عليها وعليكِ، ودلوقتي حالا همديكِ على أوراق فيها تنازل عن كل حقوقك، أيوه يا ملك حطيتلك أدوية هلاوس واكتئاب ومانع للحمل، ولو كنت عايز كنت هحطلك سم وأخلص منك، بس حبيت اشوفك بتموتي بالبطيء.
وآه اتجوزتك بس عشان أخد كل فلوس أبوكِ اللي سابها
بدأ يقرب مني حاولت أجري وأبعده عني لكني وقعت على الأرض، كتم نفسي وحاول يكتفني، سحبت الفازه وخبطته في دماغه، شليت حركته دقايق وقدرت أكتفه.
بقى قاعد قدامي مذلول قولتله وأنا بضحك بهستريا:
_ أنا عارفه بلعبتك من بدري يا صاصا، وعشان كدا حبيت ألاعبك بردو.
امك أنا بردو حطيتلها حبوب هلوسة، كل اللي شافته حقيقي وهتعرف كمان شويه.
انت بقى يا حبيبي هحول كل الفلوس اللي في حسابك ليا، أنا عارفه ان ٣٠٠ ألف ميعملوش حاجه بس يلا مش مشكلة على رأي المثل نوايا تسند الزير.
مرات اخوك المصونه بتخونه، شكلها عادة في العيلة دي ونظام ماشيين عليه، لازم كل واحد فيكم يخون اللي معاه، عارف بتخونه مع مين مع سواق التوكتوك.
مصطفى كان هيتجنن وبيحاول يفك نفسه، قولتله بشماته:
_معلش نفسي اسيبك تتكلم لكن مضطرة أخلي اللزق على بؤك الجميل العسول دا عشان لسه في مفاجآت لازم تعرفها.
خلاص رفعت عليك قضية خلع، اللي زيك بيترمى زي فردة الشبب القديمة اللي ملهاش صاحب.
الصيدلية بقت بتاعتي خلاص بس لسه هوثق الورق بعد ما تتحبس، البيت دا بقى بتاعي، الدهب كله رجعلي بزيادة.
صح نسيت اقولك انا اللي بلغت عن فتحي.
أيوه زي ما انت فهمت كدا أنا ورا كل حاجه، وصحيح بلغت عنك انت كمان لأني عارفه انك بتتاجر في الممنوعات وفاتح الصيدلية لممارسة أعمال مشبوهة، وسجلت اعترافك انت وأمك ومرات أخوك وقدرت أثبت إنكم أذتوني وهسلم التسجيل للشرطة وهما يتصرفوا معاك.
دخلت بيتكم وأنا ضعيفة وعيوني مغمضة وقُلت خلاص يا ملك دا العوض اللي هيعوضك عن كل حاجه وحشه، علفكره بردو لو كنت عاملتني بما يرضي الله كنت هسيبلك الفلوس وكل حاجة بنفس راضية، بس الطمع وحش أوي.
فتحت عيني على صدمة ورا التانية مبقتش عارفه أحزن على إيه ولا إيه بس الأهم إني عرفت افوق بسرعة وأوقعكم واحد ورا التاني.
كنت سيبني في حالي واتجوز واحدة شبهك من الأول، بس يلا حصل خير مكتوبلكم تتشرفوا بمعرفتي ونهايتكم تبقى على إيدي.
قربت منه وهمست ليه: معلش في حاجه نفسي أعملها من بدري، ضربته بالقلم على وشه، مش قلم واحد لأ عشرة، حاولت أخرج كل الوجع اللي جوايا وقولتله:
_ أنا جوايا إعصار مش راضي يهدى بس هخلي القانون ياخد مجراه ومش هوسخ إيدي.
كنت هروح ضحية جشعكم، بس ربنا كان مقدر حاجة تانية خالص.
سيبته مربوط قدّامي، عينيه مليانة رعب، ومش قادر حتى يصرخ.
قربت منه، ووطّيت لمستواه، وصوتي كان هادي زيادة عن اللزوم:
_ هنزل افتح للشرطة بقى لأني سامعه صوت خبط جامد على البوابة، حتى العيش والحلاوة مش هجيبهم ليك لأنك واطي.
_____________
عربيات الشرطة كانت واقفة قدّام البيت، والنور الأزرق والأحمر عمال يلف، والجيران متجمعين، ووشوش بتتفرج في صمت.
مصطفى خارج مكبّل، راسه في الأرض، ملامحه مكسورة، لا دكتور ولا محترم، مجرد واحد اتعرّى قدّام الكل.
أمه ماشية وراه، جسمها محني، عينيها تايهة، بتتمتم بكلام مش مفهوم، ولا قرين نفعها ولا بخور.
مرات أخوه ماسكة في العساكر وبتعيط، وشها شاحب، لأول مرة حاسّة بالضعف بجد.
كنت واقفة بعيد شوية، دموعي نازلة بهدوء، مش فاهمة دي دموع شماته ولا فرح ان حقي رجعلي.
اللي جوايا كان وجع تقيل.
أختي قربت مني وحاوطتني بإيديها:
_ دي دموع فرح يا ملك… عشان خدتي حقك، مش كدا؟
بصّيت قدّامي، وصوتي كان مكسور بس ثابت:
_ لأ… دي دموع حزن، على الأيام اللي عيشتها مع ناس زي دول، خلّوني أبقى أسوأ نسخة من نفسي، وأنا كنت شايلة في قلبي كل الخير ليهم.
مسحت دموعي وقالت:
_ متزعليش، كان ابتلاء كبير وربنا نجّاكِ، حقك رجع أهو.
سكتت ثانية وبعدين سألتني بحذر:
_ بس هتعملي إيه في ولاد سلفتك؟ دي عندها طفل صغير.
أخدت نفس طويل وقلت:
_ سألت المحامي، وقالي هيقدر يطلعها بكفالة…
وأنا هروح أتنازل عن حقي.
بصّتلي بدهشة:
_ بجد يا ملك؟
هزّيت راسي:
_ هي متستاهلش، بس الطفل مالوش ذنب…
حرام يتربي من غير أمه.
وقفت وكملت بنبرة حاسمة:
_ هجيبها تشتغل، تاكل من عرقها،
وهعلّمها الأدب كمان… بس من غير ظلم.
بصّتلها وابتسمت ابتسامة باهتة:
_ متقلقيش، لسه في شوية إنسانية جوايا…
يمكن أكتر من اللي هما استاهلوه.
____________
كنت قاعدة قدّام شروق وببصلها من غير ما أتكلم، لحد ما خرجت مني الكلمة لوحدها:
_ طلعتي فظيعة ومتتقدريش يا شروق…
الست عقلها طار منها، وسمعتهم بيقولوا هيودّوها مستشفى المجانين.
أنا قعدت معاها قد ما قعدت، ومعرفتش إنها بتؤمن بالحاجات دي أصلاً.
ابتسمت شروق ابتسامة جانبية وقالت بهدوء فيه رضا: _ أنا مكنتش هعرف أعمل حاجة من غير مساعدتك،
إنتِ اللي هيأتيلي الظروف والمكان،
وجيبتيلي نسخة من مفتاح شقتها… ومفتاح البوابة الرئيسية.
هزّيت راسي وأنا بضحك ضحكة قصيرة:
_ بس برافو عليكِ… أظن كدا قلبك ارتاح شوية.
ضحكت ضحكة مكتومة، وكملت وهي باصة في الأرض:
_ والله يا ملك كنت كاتمة الضحك بالعافية،
وبحاول أقاوم منظرها وهي مرعوبة، وبتقول: «عيوني للأسياد» وتبوس في إيدي.
بقى دي نفسها سيدة الجبروت اللي ورّتني النجوم في عز الضهر؟
وظلمتني ورمتني في الشارع!
رفعت عينيها وقالت بنبرة شماتة ممزوجة بوجع:
_ الميكب والشغل الجامد دا خلّاني أخاف من منظري أنا شخصيًا… بس يلا، خدت نصيبها.
قلتلها بهدوء:
_ إنتِ كمان لازم تاخدي حقك في البيت دا.
هزّت راسها بسرعة:
_ مستحيل أرجع أعيش هنا.
كل ذكرى فيه أسوأ من اللي قبلها.
بيعيه يا ملك، وجوزي ياخد نصيبه وحقه وخلاص.
وطبعًا مش هوصيكِ… هو ميعرفش أي حاجة عن اللي عملناه، هو مسافر.
قلت من غير تردد:
_ طبعًا مش هيعرف حاجة.
وفكرة بيع البيت أنسب اقتراح.
وكمان هحفظ حقوق ولاد الزفت فتحي، دول غلابة مالهمش ذنب، ضحايا جشع أب وأم ما عندهمش ذرة إنسانية.
يا رب بعد اللي عاشوه يطلعوا أسوياء.
بصّتلي شروق وقالت بهدوء:
_ مرتاحة يا ملك كدا يا ملك؟
سكت شوية وبعدين رديت:
_ مش عارفة بصراحة… كان نفسي في زوج حنين، عنده أصل ومحترم، الناس مش بالمظاهر فعلا.
مكنتش أتمنى أوصل لكدا.
بس لو هنصح حد بخلاصة تجربتي…
بصّيت في عينيها وكملت:
_ إياكِ… ثم إياكِ ترضي بالظلم وهو لسه في بدايته.
لأنك كدا بتظلمي نفسك، وهتتحولي لواحدة عمرك ما هتحبيها.
نزلت بصري وقلت:
_ الظروف ساعدتني أخد حقي بحِرفة، بس إنتِ وضعك غير وضعي.
طالبي بحقوقك اللي الشرع أمر بيها، ربنا مش بيظلم حد.
رفعت عيني تاني وختمت:
_ سكوتك هيتحول لألم مش هتستحمليه.
ومعناه إنك راضية باللي بيحصل معاكِ.
ساعتها فهمت إن الانتصار مش دايمًا فرحة،
وأحيانًا بييجي متأخر أوي…
بعد ما يخسّرك ناس، ويعلّمك دروس كان ممكن تتعلّمها
من غير كل الوجع ده.
بس الحقيقة الوحيدة اللي ارتاحت لها روحي
إن الظلم
مهما طال
ليه نهاية…
وإن السكوت عليه
كان أول غلطة
وأكبر تمن.
#تمت
#الفصل_السادس
#بلا_إنذار
للكاتبة #أمل_عبدالرازق
إلى كل اللي قرأ الحكاية دِ لحد هنا، افتكر دايمًا إن الظلم لما نسكت عليه بيكبر، وبيغيّرنا من جوا…
وبيخلّينا نبقى ناس مش شبهنا.
إياكِ تعيش دور الضحية وإنت قادر تطلع منه،
ومتنتظرش الوجع يكمل شكله عشان تتحرك
الحق مش بيضيع، بس أحيانًا محتاج شجاعة
ووقفة مع النفس قبل ما يكون مواجهة مع الناس.
لو في حكاية ملك رسالة، فهي إنك تختار نفسك
قبل ما تختفي، وتدافع عن حقك
من غير ما تخسر إنسانيتك.
يمكن الطريق بيكون صعب، بس دايمً اللي ربنا معاه
عمره ما بيطلع خسران.
شكراً لكل قلب صدّق، استنى الحق معايا لحد آخر سطر.
وجودكم هو القوة اللي كملت الحكاية.
اتمنى تكون الحكاية عجبتكم.
تمت
