رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم هند سعدالدين
الضلمة كانت تقيلة ومخيفة، صوت نفس متقطع، وباب مقفول.
شايفة نفسي بس وأنا صغيرة، يمكن سبع سنين.
كنت قاعدة على الأرض، ضامة ركبتي على صدري، سامعة صوت ماما في الأوضة التانية.
— لأ، أرجوك، مش هي دي اللي تدفع التمن، هي مالهاش دعوة! ما تأذيش بنتي.
الصوت كان مكسور، وحزين..
هند الصغيرة قربت من الباب سنة، حطت ودنها عليه.
— أنا مش هاخدها منك دلوقتي، ملهاش لازمة معايا وهي عيلة.
— لأ، لأ، أوعى تقرب لها، أطلب مني أي حاجة غير إنك تأذيها.
صوت حاجة اتكسرت.
وسكون بعدها.
الصورة بدأت تتهز..
وصوت راجل جه تقيل، مش واضحة ملامحه، أنا بس كنت شايفة ماما قاعدة على الأرض تتأسف وماسكة رجله اللي حاطيتها على راسها:
— بنتي، مش نقطة ضعف.
صحيت فجأة.
فتحت عيني بسرعة، كنت بنهج كإني كنت بجري، حسيت بدموع على خدي.
إيدي راحت على بطني تلقائيًا.
الأوضة كانت هادية، نور الفجر داخل بخفة.
عابد نايم جنبي، إيده محاوطاني بحماية لا إرادية.
همست لنفسي:
— كان حلم.. صح؟
بس قلبي كان بيقول لأ.
أنا حسيت إن الصوت حقيقي، كأني سمعته قبل كده.
مأخدتش بالي إني بتكلم بصوت عالي غير لما سمعت صوت ماما إلفان بتخبط..
— هند؟
صوتها من برا الأوضة.
— فطرتي ولا لسه؟
ـــ هدخل أخد شاور وأجي وراكي.
حاولت أقوم بهدوء، بس الدوخة ضربت لحظة.
ثباتي أختل فجأة، جيت أسند على السرير، إيدي فلتت
في نفس اللحظة اللي عابد فتح عينه فورًا.
وسندني قبل ما أقع على الأرض.
— في إيه؟
— مفيش.. بس صحيت مخضوضة.
قرب مني، حاوط راسي بإيديه.
— حلم تاني؟
هزيت راسي..
— المرة دي كان أوضح، شوفت ماما، كانت بتعيط، وبتترجى حد ما يأذينيش.
عابد سكت لحظة.
— فاكرة حاجة من زمان؟
— مش عارفة، بس حاسة كأنه مش أول مرة أشوف المشهد ده.
قرب جبينه من جبيني.
— لو في حاجة مضايقاكي، قوليها، هنصلح أي حاجة سوا.
ـــ هو في حاجة، أنا عاوزة أدخل أخد شاور بس خايفة أقع، ممكن تدخلني؟
ـــ استني طيب دقيقة.
دخل الحمام جهز ماية دافيه في البانيو، وحط فيها شاور، جهز لي فوطة وهدوم تانية..
ـــ تعالي يا نور عيني.
كان ماسكني زي أب بيعلم بنته المشي، ماسكها من إيديها الاتنين من كتر خوفه لتقع.
ـــ غمض عينيك طيب..
غمز لي..
ـــ شكلك نسيتي، بس أنا حافظك سنتي سنتي.
وشي أحمر..
ـــ طب اطفي النور العالي ده واكتفي بنور المراية بس.
بص لي ورفع حاجبه..
أخد باله من توتري..
استجاب لطلبي.
خلعت وقعدت في البانيو مدياه ضهري..
شاورت على شعري..
أخد إناء كعادة الحمامات التركية في الاستحمام بالطريقة القديمة..
اخد من ماية دافية ونضيفة وحطها على شعري، حط شامبو وعملي مساج في راسي، نوعًا ما حسيت بالاسترخاء..
غسلي شعري وطلعت من البانيو، لفني ببشكير كبير، وبدأ يلبسني هدومي..
طلعنا من الحمام، قعدت على كرسي قصاد التسريحة..
سرح لي شعري، وبعدين ضفره.
باس راسي وبوست إيديه.
ـــ عاوز أقولك حاجة..
ـــ اتفضل يا حبيبي قول حاجتين، تلاتة مش حاجة واحدة..
ـــ بطنك كبرت..
ضربته بالفوطة.
ولسه جاية بجري وراه، وقف عشان يسندني.
ـــ إنتي خلاص بقيتي عضمة كبيرة، لما تولدي على خير ابقي اجري ورايا ده لو كان عندك وقت ليا.
ضحكنا إحنا الاتنين..
وإحنا نازلين على السلم..
ـــ عابد عي بطني كبرت فعلاً؟
حط إيده على بطني..
ـــ مش فيه روحين هنا، طبيعي يا حبيبتي.
ـــ بعد الولادة هخس وارجع زي ما اخدتني مثالية.
ـــ ومين قالك إني عندي هاجس المثالية، كتر خيرك أوي يعني شايلة ولادنا وتعبينك، ثم إني هحبك تحت أي ظرف وتحت أي تغيرات..
في المطبخ..
ماما إلفان كانت مجهزة فطار خفيف مخصوص عشاني..
لبن دافي، عيش محمص، بيض مسلوق، وطبق فاكهة متقطع بعناية.
— تعالي يا بنتي، وشك باين عليه إنك مش نايمة كويس.
قعدت قدامها، كانت بتأكلني بإيديها، وماكنتش في كامل تركيزي كنت بسرح اوقات.
ماما إلفان لاحظت فورًا.
— في حاجة جواكي قلقاكي؟
بصيت لها بتردد.
— ماما.. هو ممكن الواحد يفتكر حاجة من طفولته فجأة؟
بصيت لي بانتباه، مسكت إيدي.
— الذاكرة ساعات بترجع لما نبقى جاهزين نفهمها.
— طب لو الحاجة دي كانت وجع؟
— يبقى لازم تتشاف، مش تتدفن.
عيني دمعت من غير ما احس.
ماما إلفان قربت كرسيها أكتر.
— أنا مكان ماما لو في أي حاجة عايزة تحكيها.. أنا سامعة.
الكلمة نزلت في قلبي دافية جدًا.
— إنتي دايمًا واقفة جنبي ليه كده؟
ابتسمت لي بحنية.
— يمكن عشان ربنا ما ادانيش بنت، واستنيت لحد ما جات لي واحدة جاهزة.
ضحكت وسط دموعي.
— أنا محظوظة بيكي.
— وأنا محظوظة إنك سمحتي لي أحبك.
في نفس الوقت..
أم هند كانت قاعدة لوحدها في بيتها.
ماسك. الموبايل في إيدها.
صوت راجل على الخط، صوته بارد:
— عرفتي مكانها؟
ماما كانت ماسكة دموعها بصعوبة.
— هي عايشة حياة مستقرة، سيبها.
— لما أقرر أشوف بنتي، محدش يمنعني، خاصة لو إنتي.
نَفَسها اتكسر.
— بس هي معملتلكش حاجة.
سكت لحظة.
— كل حاجة في حياتها ملكي. حتى النفس اللي بتتنفسه أنا اللي أدي أمر يتقطع إمتى ويتوصل إمتى.
الخط اتقفل.
مامت حطت الموبايل على الترابيزة، ودموعها نزلت بصمت.
همست:
— أنا بحميكي حتى لو كرهتيني.
رجوع لبيت هند..
عابد كان واقف في البلكونة، بيبص عليا وأنا قاعدة مع ماما إلفان وبنضحكوا على حاجة بسيطة.
اختفي. غمزنا لبعض أنا وماما إلفان وقولنا في نفس واحد..
ـــ دلوقتي هييجي.
دخل علينا، حط إيده على كتفي.
— إنتي بخير؟
— أيوه.
بص لماما إلفان.
— شكرًا لإنك واخدة بالك منها.
رفعت له حاجبها.
— دي بنتي.
الكلمة المرة دي اتقالت قدام عابد.
وهو ما اعترضش.
بالعكس.. ابتسم.
بصيت للاتنين، وحسيت لأول مرة إن في حاجات كتير في حياتي كانت ناقصة.. وبتتكمل.
بس جوا قلبي
الصوت لسه بيرن.
"بنتي مش نقطة ضعف."
السؤال فضل معلق:
مين كان بيقول كده؟
وليه ماما كانت خايفة بالشكل ده؟
والحلم…
هل كان مجرد كابوس؟
ولا باب بيتفتح على ماضي لسه ما اتكشفش؟
الحلقة الثالثة والعشرون
#الحب_بيجمع_ناسه
