رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الثامن عشر 18 بقلم هند سعدالدين
— إنتي صاحية من إمتى؟
— من بدري.
ـــ بتغيظيني يعني، طب تعالي..
شدني عليه وهو نايم على ضهره، شعري وقع على وشه..
ـــ ريحتك كفيلة تداوي العليل..
ملست على وشه وبوسته على راسه..
ـــ ممكن تقوم عشان قهوتك زمانها بردت، وعشان نلحق فطار العيلة..
ضحك على توتري، قام وهو بيقفل زرار القميص، قرب مني ومد إيده ياخد الفنجان.
— مظبوطة؟
— زيك.. تقيلة بس بتفوق.
سندت ضهري على السرير، بصّت له وهو بيشرب أول رشفة، مستنية رد فعله زي طفلة مستنية الثناء!
— ها؟
— لو القهوة دي بني آدم، كنت اتجوزته.
— طب احمد ربنا إني بني آدمة.
— أكتر حاجة بحمده عليها الصبح..
مد إيده على خصلات شعري اللي كانت مفكوكة بإهمال مقصود.
— ننزل نفطر؟
— آه.. جعانة جدًا.
— ولا جعانة كلام؟
— الاتنين، بس الأكل الأول عشان أعرف أتكلم كويس.
ضحك عليا..
قفل الباب ورانا، ومسك إيدي وإحنا نازلين على السلم:
— اليوم ده شكله رايق.. زيك.
— معاكسه ولا تفائل ده؟
— الاتنين هو في فرق؟
السفرة كانت مفرودة كالعادة.
فطار تركي كامل، بس الجو مش فطار.. جو حسابات.
خبز سخن، جبن أبيض، زيتون، عسل، بيض بالسدق، مربى، لبنة وانواع جبن شكلها حلو ويشهي وزبدة، وشاي.
السكات كان أكتر من الأكل.
أمي كانت قاعدة مستقيمة زيادة عن اللزوم.
ظهرها مش مسنود، شنطتها جنبها، كإنها مش ناوية تطوّل.
طنط إلفان كانت عكسها تمامًا.
تتحرك في المطبخ، أول ما شافتني ابتسمت وجات عشان تحضني وتديني نصيبي من الحنان المفقود.
حطت لي من كل حاجة في طبقي من غير ما تسأل.
— كُلي يا بنتي، العروسة لازم تتغذى.
قالتها وهي بتبتسم.
أمي رفعت عينيها من الطبق.
— العروسة؟
قالتها بنبرة فيها استخفاف.
— هند لسه صغيرة والله على الكلمة دي .
طنط إلفان ضحكت.
— صغيرة؟ دي ست البنات.
بصّت عليّا.
— وأنا مستنية منها حفيد يملى البيت دوشة.
عابد ابتسم، وبص لي.
إيده لمست إيدي تحت السفرة.
أمي حطت المعلقة بغضب..
— حفيد؟ بالسرعة دي؟
وبعدين بصّت لي.
— إنتي مش لسه قدامك شغلك؟ ولا خلاص قررتي تقفليه؟
الكلمة خبطت في صدري.
— هند كانت دايمًا ذكية، طموحة، وأنا ربيتها على كده.
وبصّت لعابد.
— مش معقول تبقى كل أحلامها فجأة مطبخ وعيال.
السكوت نزل تقيل.
طنط إلفان قربت الكرسي.
قعدت.
— وأنا ربيت ابني على إن الست اللي يحبها، يحب اختياراتها مهما كانت إيه.. سواء شغل، أو بيت، أو عيال.
أمي ابتسمت ابتسامة مفيهاش دفء.
— بس إنتوا كده عاوزينها تضحي بكيانها.
— تضحية إيه يا ماما؟
طنط إلفان مالت عليا شوية وطبطبت على إيدي اللي ارتعشت فجأة من كبح الغضب..
رفعت صوتي غصب عني.
— أنا اللي اخترت.
الاتنين بصّوا لي.
— أنا تعبت من فكرة إن كل حاجة لازم تبقى إنجاز منسوب لك فضله، أنا إنسانة مش مشروع بنيتيه!
صوتي كان بيتهز.
— تعبت من إني دايمًا لازم أطلع أحسن نسخة عشان أستاهل تحبيني!
بلعت ريقي.
— أنا عايزة بيت.
وسكتّ ثانية.
— وعيال كتير.
أمي شهقت.
— عيال؟
ضحكة قصيرة خرجت منها.
— إنتي بتقولي إيه يا هند؟
— بقول اللي حاسة بيه.
دموعي قربت تنزل..
— أنا كنت وحيدة طول عمري، حتى وإنتي جنبي، أنا مش عاوزة ولادي يحسوا إني موجودة بالاسم بس وعاوزة اغمرهم بالحب والحنان اللي اتحرمت منه.
طنط إلفان مسكت إيدي فورًا.
— الوحدة وحشة.
أمي قامت.
— لأ
قالتها بحزم.
— ده اسمه هروب.
وبصّت لعابد.
— وإنت طبعًا مبسوط.
— ليه؟
قالها بهدوء.
— عشان شايفها بترمي نفسها للتهلكة!
— لأ عشان هي اللي حابة تعمل ده يا طنط.
بصّت لي.
— هو كده بيلغي طموحك وإنت متفرجة؟.
عابد شدّ الكرسي وقرب.
— أنا مش بلغي حاجة.
صوته كان ثابت.
— أنا واقف جنبها في اللي هي عايزاه.
— حتى لو ندمت؟
— ساعتها أبقى جنبها برضه، هند تعمل اللي تعوزه طول ما أنا عايش، وأنا موجود عشان أحميها واحمي قرارتها، ويا ريت نقفل الكلام لحد هنا، الموضوع مش قابل للنقاش من اي طرف.
أمي سكتت.
النظرة بقت قاسية.
وفي اللحظة دي.. الباب خبط.
سيلين دخلت، وراءها.. بحر.
الدنيا لفت بيا، بس تمالكت أعصابي.
— صباح الخير.
قالتها سيلين بابتسامة بايخة.
— حبيت أعرّفكم.. بخطيبي المستقبلي..
بحر قرب، ماسك إيديها.
لبسه رسمي، ابتسامة واثقة زيادة عن اللزوم.
— أنا شخص ناوي يدخل العيلة.
وبص لي.
— عن قريب.
قلبي وقع.
— إيه؟
أمي بصّت له.
— إزاي؟
سيلين ردّت قبل أي حد.
— بحر شاب محترم، وعنده نية جد.
قرب عليها أكتر.
— وأنا عملت كل ده عشانك يا هند.
صوته كان واطي بس كفيل إني اسمعه.
حسّيت الهوا بيختفي.
— إنت مالك؟ بتتكلم مع مراتي ليه!
قالها عابد بحدة.
محمد رفع إيده.
— أنا بس..
— لأ.
قاطعه.
— إنت بتتعدّى حدودك.
أمي بصّت لي.
— إنتي مخبية إيه تاني؟
قومت.
رجلي كانت بتترعش..
طلعتي اوضتي، كانت ضلمة شوية، قعدت على السرير، نَفَسي كان تقيل، صدري وجعني، رأسي بتلف.
دخل عابد ورايا، قفل الباب.
— هند.
ما رديتش.
قرب، قعد قدّامي، مسك وشي.
— بصّي لي.
بصّيت.. وانفجرت من العياط.
— أنا تعبت.
صوتي طلع مكسور.
— الماضي مش سايبني، وأمي شايفاني مشروع فاشل، وأنا.. أنا إيه؟
دموعي نزلت.
— أنا مش قادرة أتنفّس.
شدّني لحضنه.. قوي.
— أنا هنا، ومش همشي، بوظي واخربي الدنيا ميهمكيش أنا هلم وراكي، بس متعيطيش.
قالها بهدوء.
برا، صوت خناق.
صوت طنط إلفان عالي لأول مرة.
— البيت ده مش ساحة تصفية حسابات! والبنت دي مش مشروع حد! واللي مش عاجبه.. الباب مفتوح.
قعدت في حضنه، جسمي تقيل، عقلي أسود ومشوش.
عرفت ساعتها إن الاكتئاب مش بييجي فجأة…
بييجي لما كل اللي حواليكي يشدوكي في اتجاهات مختلفة،
وإنتي تبقي عايزة بس… حد يمسكك ويقولك: كفاية.
وعابد قالها.
واللي جاي، هيكسر ناس وهيفرح ناس.
#الحب_بيجمع_ناسه
ــ الحلقة الثامنة عشرة
