رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم هند سعدالدين

رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم هند سعدالدين

صحيت مخضوضة على صوت طبق بيتحط جنب السرير.

فتحت عيني لقيت ماما إلفان قاعدة على طرف الكنبة، ماسكة كباية لبن دافئ.

— اصحي يا بنتي قبل ما يبرد.

بصيت لها وأنا نص نايمة.

— الساعة كام؟

— لسه بدري، بس أنا مش عارفة أنام، قولت أقعد معاكي.

قعدت أعدل نفسي، وسندت ضهري على المخدة.

— أنا كويسة يا ماما.

بصتلي بنظرة أم مش مقتنعة.

ـــ مانمتيش في سريرك ليه؟

بصيت على السرير..

ـــ مش عارفة أنام وعابد مش هنا، اتعودت ينيمني يا ماما.

— عارفة، إنك حاسة بالوحدة، بس بقالنا اسبوعين يا بنتي هتفضلي تنامي على الكنبة.

ـــ مش هنام على السرير من غير عابد، يا ماما أنا طول عمري أنا والوحدة صحاب، بس لما لمست الألفة كلبشت فيها.

ـــ هييجي قريب مش هو كلمنا وقال إنه قرب يخلص؟

ـــ إن شاء الله يبجي بالسلامة.

ـــ يلا اشربي اللبن.

مديت إيدي أخد الكباية، ريحة اللبن خفيفة، مطمّنة.

ـــ اول رمضان عدى عليا من غير أبو عابد كان صعب..

رفعت عيني لها.

— خوفتي؟

ضحكت بهدوء.

— طبعًا خوفت، بس الخوف مش بيكسب لما بنواجه مع ناس بتحبنا.

سكتنا لحظة.

نور الصبح كان داخل من الشباك بهدوء، والبيت لسه غريب من غير صوته.

— كان بيمشي إزاي وهو سايبك؟ سألتها فجأة.

تنهدت.

— كان بيبص ورا كتفه كتير، زي ما عابد عمل.

قلبي دق.

— إنتي لاحظتي؟

— الأم بتلاحظ.

ابتسمت غصب عني.

قربت مني، حطت إيدها على بطني.

— إنتِ حاسة بيهم النهارده؟

— هاديين شوية، يمكن زعلانين.

مالت عليا بخفة وباست بطني.

— متزعلوش بابا راجع.

دموعي نزلت بهدوء.

— هو قالّي أوعى تثقي في حد.

سكتت لحظة.. بس مش سكات معرفة، سكات تفكير.

— ساعات الرجالة بيحسوا بحاجة مش قادرين يفسروها.

بصيت لها.

— وأنا قلبي مش مرتاح.

قامت وقفت.

— طيب نقعد نعيط؟ ولا نعمل جدول رمضان محترم؟

ضحكت رغم نفسي.

— جدول؟

— آه طبعًا. صلاة، قرآن، أكل صحي ليكي، وممنوع تفكير زيادة بعد الساعة عشرة.

— هو في زرار نقفّل بيه التفكير؟

— لو لقيتيه قولي لي.

قعدت جمبي على الأرض.

— قولي لي بقى، لو عابد كان هنا كان هيعمل إيه؟

ابتسمت.

— كان هيجبرني أخرج أتمشى عالبحر.

— يبقى نخرج.

رفعت حاجبي.

— دلوقتي؟

— آه دلوقتي، الشمس لسه ناعمة.

بصيت لها بتردد.

— لو شوفنا العربية؟

وقفت قدامي.

— حتى لو شوفناها، مش كل اللي بيبص علينا عايز يوجعنا.

الجملة عدت.. بس خلتني أفكر.

لبست طرحة خفيفة، وإيد ماما في إيدي.

نزلنا الشارع.

الهواء بارد شوية، خفيف.

مشينا ناحية البحر.

المراكب ماشية هادية، والماية بتلمع.

وقفت لحظة، أخدت نفس عميق.

— يمكن أنا مكبرة الموضوع.

— يمكن.

قالتها وهي بتبص حواليها من غير ما تبين إنها بتراقب.

بصيت بعيد..

العربية السودة.

واقفِة.

بس مش قريبة.

ولا اتحركت.

ولا حاولت تقرب.

— شوفتِ؟

همست.

بصت بسرعة، وبعدين رجعت تبص لي.

— شوفت.

صوتها ماكنش مرعوب.

ولا مطمّن.

— تحبي نرجع؟

— لأ.

مسكت دراعي أقوى.

— مش هنرجع عشان حد واقف بعيد.

مشينا.

وأنا ماشية حسيت إن في عينين بتتابع خطواتي، بس مش بعنف.

كأن حد بيتأكد إني بخير.

عدينا من جنب محل صغير.

ماما وقفت فجأة.

— استني.

— في إيه؟

— عايزة أجيب لك عصير طبيعي.

— مش جعانة وعشان الناس صايمة.

— متشغليش بالك.

دخلت المحل.

وقفت برة دقيقة، وبعدين حسيت بالموبايل بيتهز في جيبي.

“إبعدي عن البحر النهاردة.”

اتجمدت.

رفعت عيني بسرعة على العربية.

لسه مكانها.

لكن بابها مفتوح.

حد نازل.

مش شايفة ملامحه.

مشيت خطوة ورا.

نفس اللحظة..

ماما خرجت من المحل.

— هند؟

بصبت لها.. وقلبي بيدق.

— نمشي.

— في إيه؟

— نمشي بس.

مسكت إيدي.

مشينا بسرعة.. بس من غير جري.

لفينا نرجع ناحية البيت.

لكن قبل ما نوصل لنص الشارع، صوت جه من ورايا.

— هند!

اتجمدت مكاني.

الصوت ده.. مش غريب.

لفيت ببطء.

بحر.

واقف قدام العربية.

مش جنبها.

قدامها.

والراجل واقف وراه بخطوتين.

كأنه سايبه يتكلم.

قلبي نزل في رجلي.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

بحر ابتسم ابتسامة مش واصلة لعينه.

— كنت معدي، شوفتكم.

ماما إلفان وقفت قدامي تلقائي.

— شوفتنا منين يا ابني وإنت ساكن الناحية التانية؟

سكت ثانية.

بص لها.. وبعدين رجع يبص لي.

— في كلام لازم يتقال.

— يتقال في البيت.

قالتها ماما بحدّة.

الراجل اللي وراه قرب خطوة.

صوته هادي:

— مفيش داعي توتروا الموقف.

بصيت له كويس.

عينين هادية.. مش عدوانية.

مش نفس النظرة اللي كنت متخيلاها.

بحر قال فجأة:

— هند، أبوكي عايز يشوفك.

الكلمة خبطت في وداني.

أبوكي.

مش بابا.

مش والدك.

أبوكي.

— ماليش أب، أنا بابا مات.

قولتُها بسرعة.

ماما مسكت إيدي أقوى.

— خلاص يا بحر، الكلام ده ملوش لازمة.

بحر اتنفس بعمق.

— بالعكس، له لازمة، لأنه مش هيسيب الموضوع يعدي.

الراجل بص له بحدة خفيفة.

— كفاية.

هنا فهمت.

هو مش معاه.

هو عليه.

بحر كمل:

— انتي فاكرة إنه سايبك تعيشي حياتك كده؟ تتجوزي، تخلفي، وتنسيه؟

رجلي بقت مش ثابتة.

— أنا منستش حد، هو اللي باع.

صوتي كان بيرتعش.

بحر قرب خطوة.

— لا، هو اتاخد منه حقه.

ماما إلفان انفجرت:

— حق إيه؟ دي كانت طفلة!

الراجل تدخل أخيرًا.

— مش هنا، مش بالطريقة دي.

بحر لف له بعصبية:

— إنت مالكش دعوة!

الراجل رد بهدوء قاتل:

— ليّا، أكتر مما تتخيل.

اتقابلت عيونهم.

في عداء قديم.

أنا واقفة في النص ومش فاهمة غير حاجة واحدة..

في حرب أكبر مني.

الموبايل اهتز في إيدي.

“امشي دلوقتي.”

رفعت عيني على الراجل.

هو الوحيد اللي ما بصش على موبايلي.

كأنه عارف الرسالة قبل ما توصل.

بحر قال بصوت أوطى:

— هو مش عايز يوجعك، هو عايز حاجة واحدة بس.

— إيه؟

سألته وقلبي بيدق في وداني.

سكت لحظة.

— التوأم.

الدنيا لفت.

— إيه؟

ماما شدّتني عليها.

— إنت اتجننت؟

بحر قال بسرعة:

— مش بالطريقة اللي في دماغكم! هو شايف إنه جدهم، وشايف إنهم امتداد العيلة، وشايف إن عابد خطفك منه.

دموعي نزلت.

— محدش خطفني.

الراجل قرب مني لأول مرة، صوته واطي جدًا:

— اسمعي كويس، إنتي في خطر، بس مش مني.

بصيت له.

— إنت تبع مين بالظبط؟

سكت ثانية.. وبعدين قال:

— مش هينفع أقول.

اتجمدت..

قبل ما أستوعب

بحر قال بحدة:

— العربية التانية جاية.

لفيت.

عربية سودة تانية داخلة الشارع بسرعة.

مش نفس العربية.

دي أسرع.

وأشرس.

الراجل شد دراعي.

— ادخلي جوه العمارة حالًا.

ماما ما استنتش.

شدتني وجرينا ناحية المدخل.

بحر وقف في نص الشارع.

العربية وقفت بعنف.

بابها اتفتح.

راجل نزل.

ما شوفتش وشه.

بس صوته وصلنا..

— خلوها تطلع.

الصوت كان تقيل، وبارد.

مفيهوش صريخ.

بس فيه سيطرة.

ماما دفعتني جوه العمارة.

— اطلعي فوق!

رجلي كانت بترتعش.

سمعت صوت شد وجذب تحت.

وصوت بحر بيقول:

— مش هنا!

وصوت الراجل التاني:

— هو اللي قال نتحرك النهاردة قبل ما عابد ييجي..

قلبي كان هيقف.

طلعت درجتين.. وبعدين وقفت.

سمعت اسمي.

مش من بحر.

مش من الراجل اللي بيحميني.

من الصوت التاني.

— هند.

صوته مش عالي.

مش غضباز.

بس واثق.

نزلت دموعي فجأة.

الصوت ده..

سمعته قبل كده.

من سنين.

وأنا طفلة.

اتسمرت في مكاني.

ماما طلعت لي تاني، شدتني من دراعي.

— متبصيش.

— هو ده.....

همست.

ماما بصت في عيني لأول مرة بخوف حقيقي.

— مين؟


الحلقة الثامنة والعشرون

#الحب_بيجمع_ناسه

        الفصل التاسع والعشرون من هنا 

تعليقات