سكريبت الحموات (كامل) بقلم حور حمدان
كنت واقفة في المطبخ بصوّر لميرنا مرات أخويا طبق المحشي، وأنا بتلفّت يمين وشمال ومرعوبة حماتي تيجي.
خلصت وبعتلها الصورة وكتبت بسرعة:
كده صح يا ميرنا ولا إيه؟ أصل حماتي لو شافتني بستشيرك أصلًا مش هتبطل تريقة عليّا، وهتمسكهالي طول اليوم.
أنا مش عارفة كان فين عقلي وأنا بوافق أتجوز معاها في نفس البيت.
وكعادتها، ميرنا يستحيل تتأخر عليّا، لقيتها في ثانية ردّت وكتبتلي:
آه يا بنتي، ده كده تحفة، تسلم إيدِك يا حبيبتي، قدّمي بقى بقلب مطمّن.
كنت خايفة رغم إني عاملة الأكل أصلًا على طريقة ميرنا وأمي، وده عشان أنا مبعرفش أطبخ أصلًا.
بس اتجوزت في بيت عيلة، ومش أي بيت عيلة… ده أنا اتجوزت ولد وحيد لأمّه، وقاعدين معاها في نفس الشقة كمان.
رجعت كتبت لميرنا وإيدي بتترعش:
حاضر، وربنا يستر، أصل دي ست مفتريّة وأنا زهقت منها بجد.
بس فجأة، الموبايل وقع من إيدي من الخضة لما سمعت صوت حماتي بتزعق وبتقول بصوت عالي:
إنتِ بتعملي إيه يا بت يا نِسمة؟! كل ده ومخلصتيش حِلّة المحشي؟!
اتكلمت وأنا بحاول أطلع صوتي ثابت، مع إن قلبي كان بيدق في وداني:
لا يا حماتي، خلاص… أهو فاضل شوية وبخلص.
دخلت المطبخ من غير ما تستنّى رد، بصّت على الحلل، وبعدين بصّت عليّا من فوق لتحت، البصّة اللي تحسسك إنك متهمة مش بتطبخي.
قربت من حِلّة المحشي، فتحت الغطا، قلبت واحدة بإيدها وقالت:
هو ده محشي؟! ولا لعب عيال؟
بلعت ريقي، وما نطقتش.
كمّلت وهي بتهز راسها بسخرية:
ما أنا قلت من الأول… البنت دي ما ينفعش تتجوز وتيجي تقعد في بيت عيلة. لا طباخة، ولا شاطرة، ولا فاهمة يعني إيه بيت.
حسّيت عيني دمعت، بس غصب عني مسكت نفسي.
مش عايزة أعيّط، ومش عايزة أديها اللي هي مستنياه.
قالت وهي بتشد الغطا وتقفله بعصبية:
اعملي حسابك، لما ابنّي يرجع هيفهم إن كده ما ينفعش. أنا مش هستحمل الإهمال ده.
خرجت من المطبخ وسابتني واقفة، جسمي كله بيرتعش.
مسكت الموبايل بسرعة وبعت لميرنا:
الحقيني… دخلت وزعّقت، وقالتلي كلام يكسّر، وأنا خلاص على آخري.
ردّت بعد دقيقة:
اهدي يا نِسمة، ما تكسريش بخاطرك. هي كده مع الكل، مش إنتِ بس. خلّصي واعملي نفسك مش سامعة.
بصّيت للمحشي، وبعدين بصّيت لنفسي في انعكاس الشباك.
سألت نفسي بهمس:
هو الجواز كان المفروض يبقى كده؟ خوف وتوتر وإني أبقى حاسة إني غريبة في بيتي؟
وقفت ثانية باصة للمحشي، وأنا عارفة كويس أوي…
إنه مستوي،
وإن الغطا لو اتفتح أكتر من كده هيتبخر مش هيستوي أكتر.
مدّيت إيدي وفتحت الحِلّة تاني، طلّعت واحدة، دوستها بالشوكة، طرية ومستوية زي الفل.
ضحكة صفرا طلعت مني من غير ما أحس، وقلت في سري:
حتى المحشي مش واقف في ضهري.
في اللحظة دي سمعت صوت حماتي من الأوضة:
وإنتِ واقفة بتعملي إيه؟! خلّصتي ولا لسه؟
حسّيت حاجة اتفكت جوايا.
الخوف اللي كان ماسكني من أول الجوازة… وقع.
ردّيت، بس المرّة دي بصوت عالي شوية:
لا خلّصت… والمحشي مستوي على فكرة.
دخلت المطبخ تاني، وبصّتلي باستغراب:
إيه؟!
قلت وأنا حاسة إني لأول مرة واقفة على رجلي:
بقولك المحشي مستوي، ومش لعب عيال، ومش إهمال.
ضحكت ضحكة قصيرة، سخيفة، وقالت:
إنتِ بتعلي صوتك عليّا؟
قربت خطوة، وأنا ما رجعتش ولا خطوة:
أنا بعلي صوتي على الظلم، مش عليكي. من ساعة ما دخلت البيت ده وأنا عاملة زي المتهمة، لا عاجبك أكلي، ولا طريقتي، ولا نفسي.
قالت بسخرية:
ده بيت ابني، وأنا قاعدة فيه.
ردّيت من غير ما أفكّر:
وأنا مراته، مش خدامة ولا طفلة بتتعلم.
سكتت ثانية، وبعدين قالت بنبرة تقيلة:
واضح إنك نسيتي نفسك.
ضحكت، بس المرة دي بوجع:
لا، بالعكس… أنا لأول مرة فاكرة نفسي.
مسكت الفوطة، سيبتها على الرخامة، وقلت:
أنا مش قادرة أكمّل العيشة دي. ولا قادرة أستحمل إهانات أكتر.
قالت وهي بترفع صوتها:
يعني إيه؟!
يعني همشي.
الجملة وقعت في المطبخ زي طبق اتكسر.
هتمشي تروحي فين؟!
أي حتة… بس مش هنا.
دخل جوزي في اللحظة دي، كان سامع آخر كلمتين.
بصّ عليّا، وبصّ على أمه:
في إيه؟
قلت وأنا عيني في عينه:
في إني تعبت. وتعبت قوي.
حماتي بدأت تشتكي، تحكي، تزوّد:
مراتك قليلة الأدب، بتعلّي صوتها، وبتسيب البيت!
مسك إيدي وقال:
استني… نفهم الأول.
سحبت إيدي بهدوء:
لا، أنا فاهمة خلاص. يا نعيش لوحدنا، يا كل واحد يروح لحاله.
سكت.
وسكوتُه كان إجابة.
لمّيت هدومي في شنطة صغيرة، وخرجت.
وأنا بقفل الباب ورايا، كنت بترعش…
بس المرّة دي من القرار، مش من الخوف.
الشارع كان زحمة، والدنيا ماشية عادي، وأنا الوحيدة اللي حاسة إن الدنيا كلها واقفة.
ركبت عند أمي.
أول ما فتحتلي الباب وبصّت في وشي، فهمت.
ما سألتش، بس حضنتني حضن طويل… الحضن اللي بيقول أنا هنا من غير كلام.
عدّى يوم…
واتنين…
وأنا ساكتة، بنام كتير، وبصحى تعبانة.
دوخة، غثيان، ونَفَس مقطوع.
قولت يمكن زعل، يمكن توتر، يمكن كل اللي حصل.
بس أمي كانت بتبصلي بنظرة غريبة.
وفي يوم قالت بهدوء:
اعملي تحليل يا نِسمة.
ضحكت ضحكة باهتة:
تحليل إيه بس يا ماما؟
قالت:
اعمليه وخلاص.
عملته.
قعدت مستنية النتيجة وأنا ماسكة الكوباية بإيد بتترعش، مش عارفة ليه.
الشرطتين ظهروا بسرعة…
سريع قوي.
قعدت على الأرض.
ضحكت.
عيّطت.
حطّيت إيدي على بطني وأنا مش مصدقة:
أنا حامل…
في اللحظة دي، كل حاجة اتلخبطت جوايا.
فرحة وخوف، قوة وضعف، كلهم مع بعض.
كلمته.
رد بعد رنة واحدة.
قلت:
أنا حامل.
سكت.
سكوته المرة دي كان مختلف.
سمعت نَفَسه يتقل، وبعدين قال بصوت واطي:
بجد؟
بجد.
قفلنا.
ومن غير أي اتفاق…
تاني يوم الباب خبط.
فتحت.
كانت هي.
حماتي.
وقفت قدّامي، مش بنفس الوش، ولا بنفس الوقفة.
مفيش صوت عالي، ولا نظرة فوقية.
قالت بهدوء:
ممكن أدخل؟
دخلت.
قعدت.
سكتت شوية، وبعدين قالت:
محمد قالي انك حامل
ما رديتش.
بصّت على بطني، ومدّت إيدها، وبعدين سحبتها كأنها مستأذنة:
ده… حفيدي؟
هزّيت راسي.
عيّطت.
أيوه، عيّطت.
وقالت:
سامحيني يا بنتي… أنا غلطت.
الجملة وقعت تقيلة، بس حقيقية.
كمّلت:
كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي، طلعت بهدّه بإيدي.
بصّتلها.
لقيت ست مش قوية زي ما كنت فاكرة،
لقيت أم خايفة… مش متسلّطة.
قالت:
ارجعي البيت. بس المرة دي… البيت يبقى بيتك.
رجعت.
بس رجوع مختلف.
رجعت وأنا راسي مرفوعة، وكلمتي مسموعة.
جوزي وقف جنبي، ومن غير صوت عالي قالها:
نِسمة مراتي، وأم ابني، وأي حاجة تضايقها تضايقني.
ومن ساعتها…
كل حاجة اتغيّرت.
بقت تصحيني على مهلي.
تعملّي الأكل وتقول:
اقعدي، الحمل مش سهل.
وتضحك وتقول قدّام الناس:
دي بنتي.
وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ، هي اللي فتحت حِلّة المحشي، وبصّتلي وقالت وهي بتضحك:
قوليلي بقى… استوى؟
ضحكت.
ضحكة طويلة، من القلب.
حطّيت إيدي على بطني، وقلت:
استوى يا حماتي… كله استوى.
#تمت
#الحموات
#حكاوي_كاتبة
#حور_حمدان
تمت
