رواية من نظرة عين الفصل الخامس عشر 15 بقلم هند سعدالدين
المطار دايمًا بيخلّيني أحس إني نسخة أخف من نفسي.
ناس ماشية، ناس راجعة، وناس واقفة في النص…
زيّي.
شنطتي صغيرة.
مش عشان السفر قصير.
عشان أنا أصلًا مش عايزة آخد حاجات كتير من حياتي القديمة معايا.
مالك كان واقف جنبي.
ساكت.
سكاته كان فاضح حنيته وقلقه المستور..
— طمّنيني لما توصلي.
قالها وهو ماسك إيدي.
— هطمنك.
ابتسمت.
شدّ إيدي سنة.
— زهرة…
سكت، وبعدين قال اللي كان خايف يقوله.
— ارجّعي لي.
بصّيت له، مش وعد، مش تهديد، طلب.
— هرجع.
قولتُها بصدق..
حضنّا بعض حضن سريع.
من النوع اللي بيبقى في مطار…
حضن فيه وداع أكتر من شوق.
ركبت الطيارة المتجهه للكويت..
قعدت جنب الشباك.
والمدينة صغرت في عيني.
زي المشاكل لما تبعدي عنها، مش بتختفي، بس بتبان على حجمها الحقيقي.
وصلت.
المدينة كانت باردة.
هواءها نضيف، وبيشبه أوّي فكرة البداية الجديدة.
أكتر حاجة بتخوف مش إنك تمشي، إنك تكتشف إنك كنت واقف غلط..
مالك قال لي: “ارجّعي لي"
الكلمة فضلت متعلّقة في ودني، مش أمر.. كان رجاء باين وواضح من عينيه اللطف والمحبة..
الشغل أخدني.
مقابلات، موقع، اجتماعات.
كنت شاطرة…
أكتر مما توقعت..
وفي نص اليوم التاني..
كنت خارجة من الموقع.
لابسة جاكيت تقيل.
سايبة شعري البني الطويل نازل على ضهري..
في خطوات كل ما بمشي بتمشي، كل ما بقف بتقف..
حسّيت إني مش متراقبة.
ـ زهرة؟
الصوت جه من ورايا.
مش غريب.
ولا جديد.
صوت كان جزء من زمن ما كنتش فيه بنفس الوعي..
لفّيت له، واقف.
أنضج.
أهدى.
نفس العيون اللي كانت دايمًا بتسبق الكلام.
— إنتي؟ معقولة؟
قالها وهو مبتسم، كأنه مش مصدّق، بس عمومًا مصدقتش الصدفة!
واقف قدّامي مش كذكرى…
كاحتمال وارد حدوثه مش شيء بعيد!
اخدت نفس طويل، كانت نظراتي باردة، بس قلبي معرفش ليه كان بيدق بعنف!
حسّيت إن في حاجة قديمة قامت من مكانها وسألتني بهدوء قاتل: لسه فاكراني؟ ولا دفنتيني مع اللي فات؟
قرب خطوتين مني وبعدت عنه ٣ خطوات..
اتكلم بصوت مسموع:
— تفتكري الزمن لسه بيعرف يودّينا لنفس الأماكن؟
ضحك.
— الدنيا لسه فاكرة تجمعنا.
سكتنا ثانية.
ثانية طويلة.
فيها عشر سنين اديتهم للشخص ده من غير مقابل..
— عاملة إيه؟
سأل.
— كويسة.
رديت الإجابة السهلة.
— لسه زي ما إنتي.
قالها وهو بيبصّ لي نظرة فاحصة.
— بس تعبانة أكتر.
ضحكت ضحكة خفيفة.
— الزمن كريم قوي.
مشينا شوية.
الكلام كان سهل، كإن السنتين اللي سيبنا فيهم بعض كانوا وهم.
— سمعت إنك اتجوزتي.
قالها وهو باصص قدّامه.
— آه.
— مبروك.
سكت.
وبعدين قال:
— ماكنتش فاكر إنك هتعمليها.
بصّيت له.
— إنت كنت فاكر إيه؟
— إنك مش بترضى بحد أقل من حجم ثراءك العاطفي.
ـ مرة قبلت، عمومًا، مالك أكبر من عاطفتي.
قعدنا في كافيه مصري هناك، بيعمل قهوة حلوة على قولة اصحابنا..
مكان دافي.
ريحة البن فيه قوية..
ـ لسه بتحبي كيك الفراولة والكريمة؟
ـ اه
— لسه بترسمي؟
سأل.
— بحاول.
— فاكرة لما كنتي بتقولي إنك مش هتتجوزي غير اللي يفهمك؟
ضحكت..
— كنت صغيرة.
— لأ.
قالها بهدوء.
— كنتي صادقة.
سكتنا.
— زهرة..
قال اسمي.
بالطريقة القديمة.
— إنتي مبسوطة؟
السؤال دخل من غير استئذان.
— مبسوطة دي كلمة كبيرة، بس أحب اريحك واقولك اه.
قولتُها وأنا بلعب في المعلقة الخشب..
— طب متطمنة؟
سكتّت.
وهو فهم.
— إنتي لسه بتحاولي تقنعي نفسك إن اللي عايشة فيه ده اختيارك؟ لسه مصرة تعانديني؟
رفعت عيني له.
— وإنت مالك اختياراتي عمومًا أنا اللي هحاسب عليها؟
ابتسم.
الابتسامة اللي دايمًا كانت بتسبق اعترافاته.
— هحس بالحزن أوي لو كنتي سبتي الاختيار الصح عشان اختيار غلط.
وقفت.
— أنا لازم أمشي.
— زهرة.
قالها بسرعة.
— أنا ما رجعتش فجأة كده، أنا رجعت عشانك.
قالها من غير لف ولا دوران..
لفّيت ببطء.
— متأخر.
— يمكن.
— بس مش غلط.
سكت.
— جوازك مش سجن، إنتي تقدري تمشي في اي وقت..
ضربت بإيدي على الترابيزة، اتخض..
اتكلم..
— أنا مش جاي أخرّب حياتك أنا بس بقولك.. لو عايزة تمشي
امشي وإنتي رافعة راسك، أنا مستنيكي..
— وإنت؟ عايز إيه؟
قرب سنة، لمس كفي..
— عايزك تختاري نفسك.
ولو ده معايا، أنا موجود.
بعدت خطوة.
قلبي كان بيجري..
— أنا متجوزة، الجواز مش هزار..
قولتُها كأني بفكّره…
— وأنا مش بطلب خيانة.
مشيت.
سيبته.
بس الكلام فضل ماشي ورايا.
رجعت الأوتيل، قفلت الباب، قعدت على الأرض، ظهرى للحيطة، فتحت تليفوني.
رسالة من مالك:
طمنيني وحشتيني.
عيوني دمعت، مش عشان طه..
عشان اللحظة اللي فهمت فيها إن الحب لوحده…
مش دايمًا كفاية.
كتبت.
مسحت.
وبعدين كتبت:
وصلت، كويسة، البنات عاملين إيه؟ روحت الجلسة.
بعت.
وقعدت.
وأنا عارفة…
إن السفر ما كانش هروب.
كان مواجهة.
السفر ماكنش محاولة هروب.
كان اعتراف متأخر إن في حاجات ما بتتحلش وإنتي محشورة في نفس المكان، وسط نفس الأصوات، ونفس الأدوار اللي اتوزعت قبل ما تقولي رأيك.
كنت فاكرة إن الجواز قرار.
طلع أحيانًا بيبقى تأجيل.
تأجيل لسؤال أكبر:
أنا عايزة إيه؟
#من_نظرة_عين
الحلقة الخامسة عشر
