رواية من نظرة عين الفصل الرابع عشر 14 بقلم هند سعدالدين
دخلت الشغل وأنا لسه حاسة بوجوده ورايا.
مش موجود، بس أثره سابقني.
المكتب مليان حركة، أصوات، ضحك خفيف، تحيات سريعة.
وأنا؟
كنت ماشية بنص وعي.
علّقت الشنطة، قعدت على الكرسي، فتحت اللابتوب.
الشاشة نورت…
بس دماغي مطفّية.
— صباح الخير يا زهرة.
صوت رجالي، رفعت عيني.
ـ كريم.
واقف، مبتسم، ماسك كوباية قهوة.
— صباح النور.
قولتُها بهدوء، أقل من المعتاد.
— مالك؟ شكلك مش هنا؟
ضحك وهو بيقعد قدّامي.
— يمكن.
ابتسامة خفيفة.
مش دفاع، مش هجوم، يمكن حياد.
كريم زميلي في الشغل وقبلهم زميلي من أيام الجامعة..
هو من النوع سريع الملاحظة..
مش بيتكلم كتير، بس بيشوف.
واللي بيشوف… ساعات بيقلق.
— سألت عنك في الأجازة الطويلة، قالوا لي عروسة بقى، عروسة يا زهرة؟
قالها كده، من غير تمهيد.
اتلخبطت.
مش من السؤال…
من إن الكلمة بقت واضحة أوي.
— آه.
قولتُها وأنا ببص في الشاشة.
— ألف مبروك.
سكت ثانية.
— بس مش باين عليكي.
ضحكته كانت لطيفة، بس الجملة دخلت غويط.
رفعت عيني له.
— الجواز مش فلتر إنستجرام.
قولتُها وأنا بقفل ملف.
ضحك.
— صح، بس برضه، في حاجة ناقصة.
ما ردّتش.
لأني كنت عارفة.
الناقص مش حاجة.. الناقص إحساس.
رنّ تليفوني.
اسمه ظهر.
مالك.
سكت.
التليفون كمل رن…
وأنا ببص له كأنه شاهد مش دليل.
كريم لاحظ.
— ردي.
قالها بهدوء.
— بعدين.
وقومت دخلت الحمام.
قفلت الباب.
ردّيت.
— ألو؟
صوتي طالع أهدى من قلبي.
— وصلتي؟
سؤال بسيط…
بس وراه ألف سؤال.
— آه.
— تمام.
سكت.
— نسيت أقولك..
سكت تاني.
— بلاش تتأخري قوي.
غمضت عيني.
— ماشي.
قفلت.
بصّيت لوشّي في المراية.
الست اللي قدّامي مش غريبة…
بس مش أنا.
رجعت المكتب.
كريم كان ماسك التليفون.
— المدير عايزك.
قالها وهو باصص لي بنظرة مش مطمّنة.
دخلت.
قعدت.
سمعت.
وافقت.
كل ده وأنا حاسة إني برا جسمي.
قبل ما أطلع، قال:
— بالمناسبة.. في شغل جديد هيبدأ قريب، سفر، كام يوم كده.
سكت.
الكلمة نزلت تقيلة.
— فكّري، أنا عارف إنك مهندسة شاطرة، عشان كده مقدرش أخد مناقصة زي دي وإنتي مش بتشرفي عليها، عارف إنك لسه متجوزة جديد بس واثق في قرارك..
قالها وهو بيبتسم.
خرجت.
قعدت مكاني.
سفر.
مسافة.
هواء.
مساحة اتنفس فيها، وافكر فيها..
فتحت الواتس.
رسالة من مسك:
“ماما، المدرسة حلوة، بس وحشتيني.”
قلبي دق جامد بس فرحت..
ردّيت فورًا:
“وأنتي أكتر يا قلبي.”
بعدها بثواني…
رسالة تانية.
من بيسان.
ولا كلمة.
إيموجي واحد.
🙃
ضحكت ضحكة قصيرة.
ضحكة اللي مش عارفة تضحك ولا تعيط.
بصّيت للشباك.
الشمس طالعة زيادة عن اللزوم.
زي الحقيقة بالظبط…
منوّرة، بس القرب منها بيوجع العين.
قلت لنفسي:
يمكن المشكلة مش في مالك، ولا في البنات، يمكن المشكلة إن زهرة اللي جوايا اتغيرت، ولسه ما اعترفتش.
قعدت قدّام الشاشة، المؤشر بيومض كأنه مستعجلني أقرر.
وأنا؟
مش عارفة أقرر حتى أفتح أنهي ملف.
السفر.
الكلمة بتلمع في دماغي زي باب موارب.
مش هروب، بس يمكن متنفس.
كريم عدى من جنبي، وقف ثانية.
ما سألش.
وده أسوأ من السؤال.
اللي يعرفك بجد، بيحس إمتى يسكت… وإمتى يتكلم..
بدأت أشتغل.
رسومات.
مقاسات.
أرقام.
الحاجات اللي ما بتكذبش.
بس حتى الخطوط كانت مكسورة سنة…
زيّي.
بعد ساعة تقريبًا، تليفوني اهتز.
رسالة من مالك:
طمنيني عليكي.
قرّيت الجملة كذا مرة.
مش “وحشتيني”.
مش “عاملة إيه”.
طمنيني.
كتبت:
تمام.
كلمة واحدة، مقتضبة، قصيرة، آمنة.
سابني على Seen.
ما ضايقنيش.
اللي ضايقني إني كنت مستنية الرد.
الساعة عدّت ١١ الصبح..
وبعدين اتنين.
خرجت أجيب قهوة.
وقفت قدّام الماكينة، شوفت انعكاسي في الإزاز.
انفعالاتي هادية
زيادة عن اللزوم.
الهدوء اللي بيبقى قبل العاصفة، أو بعده!
— بتفكري في السفر؟
صوت كريم جه من ورايا.
— يمكن!
قولتُها من غير ما أبص.
— أنا فاهم.
قالها ببساطة.
لفّيت له.
— فاهم إيه؟
ابتسم نص ابتسامة.
— إن في أوقات، الواحد بيكون محتاج يبعد شوية… عشان يشوف الصورة أوضح.
الجملة مكانتش نصيحة.
كانت لفت نظر!
رجعت مكاني.
كملت شغل.
خلصت اللي ورايا..
الساعة كانت ٤.
قفلت اللابتوب.
قعدت ثانية قبل ما أقوم.
الثواني اللي بتقرري فيها هتروحي على فين…
مش مكان، إحساس.
خرجت.
الشارع زحمة.
الهواء تقيل.
بس أنا كنت أخف شوية.
ركبت تاكسي.
السواق شغّل أغنية قديمة.
“لسه فاكر قلبي يديلك أمان”.
ضحكت في سري.
الأغاني بتيجي دايمًا في التوقيت الغلط.
وصلت البيت.
المفتاح لفّ في الباب.
الصالة هادية.
هادية زيادة عن اللزوم.
حطّيت الشنطة.
خلعت الجزمة.
ناديت:
— مسك؟
— بيسان؟
مفيش رد.
افتكرت إن مالك لسه ما رجعش بالبنتين.
دخلت المطبخ.
وقفت قدّام البوتاجاز.
فتحت التلاجة.
قفلتها.
فتحتها تاني.
مش عارفة أعمل إيه، ولا لمين.
قعدت على الكرسي.
التليفون في إيدي.
فتحت الواتس.
شفت صورة مالك.
نفس الصورة.
واقف، شايل مسك وبيسان، الاتنين ضاحكين.
وأنا برا الكادر.
دخلت الشات.
كتبت، ومسحت.
كتبت تاني، ومسحت.
لحد ما سبت التليفون وقلبته على ضهره.
الباب اتفتح.
ضحكة مسك سبقتهم.
— مامااا!
جريت عليّ.
حضنتها.
حضن كامل.
من اللي بيرقّع الروح.
— وحشتيني.
قالتها وهي لازقة فيّا.
— وإنتي كمان..
بوستها من راسها..
بيسان دخلت وراهم.
شالت الشنطة، سابت الجزمة.
بصّت لي.
نظرة سريعة.
مش عداء، حذر.
— عاملة إيه؟
سألتها.
— كويسة.
ردّت، ودخلت أوضتها.
مالك وقف في الصالة.
شايل المفاتيح.
باصص حواليه.
كأنه بيدوّر على حاجة ناقصة.
— اتأخرت؟
سأل.
— شوية.
قولتُها بهدوء.
سكت.
خلع الجاكيت.
قعد.
— البنات كلوا في المدرسة.
قالها وهو بيفتح الموبايل.
— تمام.
ردّيت.
السكات ده بقى بينا زي قطعة أثاث…
موجودة ومش عارفين نشيلها.
— زهرة.
قال اسمي.
— نعم؟
— في حاجة حصلت؟
سؤاله كان مباشر…
بس صوته لأ.
— لأ.
جاوبت بسرعة زيادة.
بصّ لي.
طوّل البصة.
— طيب.
قام.
دخل يغيّر هدومه.
وأنا؟
قعدت مكانى.
حاسّة إن في كلام واقف على لساني…
بس مش عارف ينزل.
بيسان طلعت من أوضتها.
وقفت قصادي.
— ماما؟
— نعم؟
— إنتي هتفضلي معانا؟
سؤال صغير…
بس تقيل.
— أيوه.
قولتُها وأنا بابتسم.
سكتت ثانية.
— أصل بابا دايمًا…
وسكتت.
— بابا إيه؟
شجعتها.
هزّت كتفها.
— ولا حاجة.
مشيت.
وسابت السؤال معلق.
دخل مالك.
قرب.
قعد قصادي.
— كريم كلمك النهاردة؟
اتفاجئت.
— آه… في الشغل.
— كان عايز إيه؟
سؤال عادي.
بس عينه كانت بتدور على إجابة تانية.
— سفر كامبين شغل.
قولتُها بصراحة.
شدّ حواجبه.
— سفر؟
— كام يوم.
مش أكتر.
سكت.
اتكأ على الكرسي.
— ولسه بتفكري؟
بصّيت له.
طوّلت البصة.
— آه.
— ليه؟
قالها بهدوء..
— عشان محتاجة أعرف…
وسكتّ.
— تعرفي إيه؟
سأل.
ابتسمت.
ابتسامة متعبة.
— أعرف أنا واقفة فين.
سكتنا.
سكات طويل.
مش عدائي…
بس صادق.
مالك قال في الآخر:
— أنا مش عايزك تبعدي.
قلت بهدوء:
— وأنا مش عايزة أضيع.
قرب مني، رفع عينه ناحيتي، حط إيده على وسطي..
ـ عارف إني غلطت، ومش ذنبك تحاسبي على فواتير غيرك، وأنا ماكنتش أحسب إن الأمور هتوصل بينا للمنحدر ده، أنا حسيت بالخوف، ووعدتك هتعالج..
سابني وراح جاب تليفونه، فتح ايميل مكتوب فيه تأكيد حجز مع ثيرابي.
ـ بصي، أنا نفسي فعلاً أكون أحسن عشانك وعشان البنات، أنا بس محتاج صبرك عليا..
ضميت شفايفي على بعض .
ـ أنا اسف..
كنت بدور في عيونه على الصدق والامان..
ـ عاوزة تسافري اتفضلي، بس اتمنى ترجعي زهرة اللي عندها adhd .
ضحكنا.
ـ انا معملتش غدا وجعانة..
قرب مني، حط جبهته على جبهتي..
ـ غير هدومك، حجزت لك في بوتيستا، عارفك بتحبي الباستا.
ـ فوريرة..
ـ زهرة؟
ـ نعم؟
ـ النهاردة الباستا هتبقى بطعم الحب برضه؟
#من_نظرة_عين
الحلقة الرابعة عشر
