رواية قدري الاجمل الفصل الثاني عشر 12 بقلم ندا الهلالي
هرولت مكّة خلف ذلك الذي انطلق كالثور الهائج،
في حين ظلّ سامر يحدّق في طيفهما، عاجزًا عن استيعاب أيّ شيءٍ مما حدث.
فتح تميم باب غرفته كالأعمى، لا يرى أمامه سوى صورٍ قد نسيها منذ زمن.
وفجأةً شرد…
وانتزعت منه ذكرى خاطفة.
فلاش.
كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره،
يصرخ بألمٍ وبكاءٍ هستيري: — بابا ما تسيبنيش يا بابا… أنا عاوز بابا!
— عمتو هالة… عاوز بابا!
فاق من شروده على دمعةٍ فرت من عينه دون قصد،
لكنّه سرعان ما مسحها.
في تلك اللحظة، شُلّت مكّة أمامه…
هل هذه دموع؟
اقتربت منه بتردّدٍ شديد، ومدّت يدها لتضعها فوق كفّه،
فانتفض تميم فجأة، ونظر إليها بعينٍ منكسرة تحمل الكثير:
حبًّا دفينًا،
وحقدًا،
وكراهيةً أشد.
لم تستطع مكّة تفسير تلك النظرات.
قالت بألم: — إنت كويس؟
ثم أضافت بصوتٍ منخفض: — أنا آسفة… أنا السبب في كل الدوشة اللي حصلت في حياتك دي.
تنفّس تميم بعمق، ثم قال بحدّة: — ممكن تسكتي؟ اطلعي برا… مش عاوز أشوفك.
نظرت إليه مكّة بصدمة؛
فهذه أول مرة يتعامل معها بهذه الطريقة،
طريقةٍ خاليةٍ من أيّ شيء.
خفضت بصرها بارتباك، ثم اتجهت نحو الخارج بألم، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
تنفّست بعمق وهي تخطو خارج القصر،
فتفاجأت برهف جالسةً على أحد الكراسي، تحرّك قدمها بسرعةٍ وتوتّر.
اقتربت منها بحذر.
قالت بصوتٍ هادئٍ للغاية: — ر… ر… رهف.
نظرت إليها رهف بكراهية: — إنتِ عاوزة إيه؟!
جلست مكّة بجوارها، وقالت بألم: — إنتِ ليه بتتعاملي معايا كده؟ هو أنا أذيتِك؟
وقفت رهف بعنف: — أنا لا بحبك ولا بكرهك، وبصراحة مش طايقة وجودك أصلًا… إنتِ بسببك تميم رفع صوته عليّا.
اقتربت مكّة سريعًا، وضعت يدها على كتفها: — أنا آسفة.
أبعدت رهف يدها بعصبية: — إنتِ ليه عايشة جو البريئة؟
ابتسمت مكّة بألم: — أنا…
ثم أكملت قبل أن تغادر رهف مباشرة: — بلاش تخلي عقلك دايمًا هو اللي يتحكم يا رهف، بلاش تخسري اللي بتحبيهم علشان عايزة عقلك هو اللي يطلع صح… اسمعي لقلبك مرة.
توقّفت رهف، وظلّت كلمات مكّة عالقةً في أذنها لثوانٍ.
لاحظت مكّة تأثير كلماتها، فأكملت بجدية: — بلاش تخسري الست اللي تعبت قوي علشانك، علشان شايفة إنك عايزة تبقي حرة وتتحكمي في تصرفاتك.
انهمرت دموع رهف بألمٍ وهي تهمس: — بس أنا اتحرمت من الأب طول عمري… ما عرفتش يعني إيه سند، ولا حب الأب، ولا يعني إيه أكون محتاجة وأقول بابا.
كل ده ليه؟ علشان هي رفضت تبقى زوجة تانية.
عشنا في رعب، والكل كان متحكم فينا، وكل واحد يقول كلمة في حقنا علشان يربّينا…
وأنا أبويا عايش، بس كان بالنسبالنا ميت.
ابتسمت مكّة بلطف، وأمسكت بكفّها تبثّ فيها الأمان: — ما تقبليش على أمك حاجة ما كنتيش هتقبليها على نفسك يا رهف.
هي عملت كده علشان كبريائها اتجرح، بس ما رمتكيش إنتِ وإخواتك.
اختارت تبيع راحتها وشبابها علشانكم، وفضّلتكم على نفسها.
بلاش ننكر فضل اللي بيحبونا علينا لمجرد إننا عايزين نشوفهم مذنبين.
لو خسرتِ أمك بكرة يا رهف، مش هتلاقي اللي يعوضك عنها… فاهمة؟
ربّتت على كفّها، ثم قالت بهمس: — بلاش تنكري فضل حد عليكِ… الدنيا صغيرة.
دخلت مكّة،
بينما جلست رهف مكانها تبكي بحرقةٍ على حظّها؛
فقد خرجت إلى دنيا غير عادلة،
بأبٍ أناني…
وحياةٍ قاسية.
مسحت دموعها بعنف، وعزمت على الذهاب إلى والدتها،
لتعترف بتقصيرها في حقها طوال هذه المدة،
كم كانت ترتدي قناع القسوة،
وتنكر الاعتراف بالمحبة.
وقفت رهف أمام باب غرفة والدتها،
تفرك يديها بتوتّر؛ فهذه أول مرة تأتي لتجلس معها وتتحاور…
لطالما كانت لقاءاتهما تنتهي بالشجار،
ودائمًا ما رأت في والدتها المذنبة الوحيدة.
تنفست أخيرًا،
ودقّت الباب مرة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة…
دون إجابة.
فتحت الباب بهدوء.
وقعت عيناها على والدتها نائمة على الفراش بسلامٍ عميق،
سلامٍ يشبه الأمان.
كانت كالبدر،
نورٌ هادئ يكسو وجهها،
وراحةٌ غريبة تسكن ملامحها.
ابتسمت رهف دون وعي،
واقتربت ببطء،
جلست إلى جوارها،
وأمسكت بكفّ يدها وهمست: — ماما…
لكن الابتسامة تلاشت.
برودةٌ قاسية تسللت إلى أطرافها.
عقدت حاجبيها بقلق،
ثم دقّقت النظر…
في شفتيها الزرقاوين،
في جسدٍ جامدٍ كأنه سُحب من دفء الحياة.
كانت الصاعقة.
هزّتها رهف بعنف،
وصوتها يرتجف: — ماما! ماما فوقي! ماما!
لا رد.
وفي ثوانٍ…
ومن غير أيّ مقدمات،
اهتزّ القصر بأكمله من صرخةٍ واحدة،
صرخةٍ خرجت من قلبٍ انكسر للأبد.
جاء الجميع على صرخة رهف.
تجمّد الكل في أماكنهم،
وصار الصمت أثقل من الصوت.
هرول تميم نحو عمّته،
وضع يده على موضع نبضها…
ثوانٍ معدودة،
ثوانٍ فقط،
ثم هزّ رأسه كالمجنون: — عمّتي… لا.
وفي اللحظة نفسها،
انهارت فايزة على الأرض وهي تصرخ بفزع: — بنتييييي!
أما مكّة،
فقد وضعت يدها على فمها بصدمة،
تهزّ رأسها نفيًا،
ثم فرت الدموع من عينيها فجأة،
كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
في أقلّ من ثوانٍ،
سكن الحزن البيت،
وتلبّد بالغيوم.
مرّت ساعات…
لم تكن هيّنة على قلب أحد،
فقد خسروا أحنّ القلوب،
وأطيبهم.
وقفت مكّة أمام قبرها،
تبكي بحرقةٍ شديدة.
قالت بصوتٍ مكسور: — في ريحة جميلة قوي طالعة من قبرك…
الكل مش قادر يستوعب جمال الريحة دي جاية منين،
بس أنا عارفة.
تنفّست بعمق، ثم أكملت: — إنتِ سيبتي دنيا مُزعجة، سعيتي فيها لرضا ربنا،
ودلوقتي رايحة تتمتعي بصبرك وعبادتك…
وربنا قال:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
— أنا اتعلمت منك إن الدنيا دي فانية،
وإن اللي هيفوز فيها بجد هو اللي كان مع ربنا.
رفعت عينيها إلى القبر: — أهو أنا شايفة ده في النور اللي طالع على وشك،
وفي قبرك اللي بيطري،
وفي المسك اللي طالع منه،
وفي ابتسامتك اللي كأنها شافت هي رايحة على فين.
ابتسمت بحزنٍ عميق: — إنتِ معجزة جميلة،
علمتيني أسعى…
علشان أنا كمان عاوزة أبقى في المكان اللي إنتِ فيه دلوقتي.
صمتت لحظة،
ثم انكسر صوتها: — بس… هتوحشيني قوي.
وفي الجهة الأخرى،
كانت رهف واقفة تبكي بحرقة،
ثم سقطت على ركبتيها.
وجهها شاحب،
عيناها ذابلتان،
شعرها مبعثر.
صرخت بألم: — كنتِ صبرتي شوية…
كنت جاية أقولك إني بحبك،
كنت جاية أفهمك إني غلطت في حقك…
كنتِ صبرتي شوية صغيرة، اسمعيني ولو مرة يا ماما!
وضعت يدها على موضع قلبها،
ثم صرخةٌ خرجت منها،
هزّت كل من في المكان: — آاااه!
اتأخرت في حضنك،
واتأخرت في اعتذاري،
وما اتأخرتيش في الرحيل
أسرعت مكّة نحوها،
فارتمت رهف بين ضلوعها،
تهتزّ بعنف وهي تبكي بندمٍ يمزّق الروح: — راحت قبل ما أفهمها إني بحبها…
ماتت وسابتني،
وهي اللي قالتلي لو فضلت وحشة طول عمري مش هتسيبني…
مشيت بسرعة ليه؟ ليه؟ لييييه؟
شدّت مكّة ذراعيها حولها بقوة،
كأنها تحاول أن تمنع قلبًا آخر من الانكسار.
(في اعتذارات لما بتتأخر… بتبقى مالهاش عنوان)
مرّ شهران 🌜
كان القصر يغرق في صمت قاتل، هدوء ثقيل يسيطر على كل ركن فيه.
ومكّة تذهب أحيانًا إلى جامعتها برفقة تميم الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم،
وعلى الرغم من ذلك، ما زال يعاملها ببعض القسوة الغامضة التي لا تدري سببها.
وفي كل مكان تذهب إليه، كانت ترى مالك جالسًا، يضع قدم على الأخرى، ينظر إليها ببرود،
كأن عاصفة خفية تترقب خلفه.
وفي صباح يوم جديد، استيقظت مكّة على جو القصر المغيم بالكآبة الشديدة.
ذهبت إلى المرحاض، وأدّت صلاة الضحى، ثم قرأت وردها الصباحي من القرآن والأذكار.
وقفت أمام المرآة، تتأمل نفسها برضا، تشعر بنور الإيمان الذي قررت أن تلحق به،
كما فعلت هالة من قبل.
وهكذا كانت دائمًا تذكر نفسها: السعي نحو النور، مهما كان الطريق صعبًا.
جلست على الأريكة مرتدية الكوتشي، ثم نظرت مرة أخرى في المرآة، عدّلت خمارها،
وأحست بالرضا عن مظهرها المتناسق: خمار نبيتي اللون، وفستان كافيه رقيق يشبه شخصيتها،
كوتشي أبيض، وشنطة بيضاء.
كانت على وشك النزول لقضاء آخر امتحان في السنة،
حتى انفجر صوت سامر في أركان القصر، مملوءًا بالغضب:
— باقي شهر على امتحاناتك وأنت مقضيها نوم! ماتفوق ونظم نفسك يا آسر، هتضيع تعب سنة كاملة يا زفت!
آسر نظر إلى الأسفل، عاجزًا عن مواجهة الواقع،
شعوره بالفراغ بعد فقد والدته غرقه في عالم بلا شغف، بلا حياة، بلا معنى.
نظرت إليه مكّة بألم شديد، مدّت شفتيها بحزن عميق.
آسر بلامبالاة:
— مش فارقة… مش عاوز السنة أصلاً.
انفجر غضب سامر، ورفع يده بسرعة لتضرب وجه آسر،
لكنّ اليد هبطت على وجه آخر لم يراه أنها وقفت امامه.
في تلك اللحظة، دخل تميم ببطء، عينيه تتسعان من الصدمة،
ثم انهال نحو سامر كالمجنون، يشد يد مكّة خلفه، صوته يرتفع:
— انت اتجننت؟!
فتح سامر فمه، مذهولًا مما حدث.
تحدثت مكّة بسرعة، محاولةً التوضيح:
— هو ماكنش يقصد…
لكن تميم قاطعها بغضبٍ جامح:
— عملت إيه علشان تستجرأ تعمل كده؟
فاق سامر سريعًا، صوته يرتجف:
— أنا ماكنتش قصدي…
رفع تميم إصبعه السبابة، موجّهًا له تحذيرًا صارمًا:
— الحاجة الوحيدة اللي صبرتني علي ، إني ما نسفكش حالًا… أنك عمى
شدّ مكّة خلفه للخارج، دون أن تفهم شيئًا، بينما وقف آسر يراقب، قلبه مثقل بالصدمة،
ولم يستطع أن يتحرك لمواجهة سامر، الذي جلس ، فقدان الأمل واضحًا على وجهه،
كأن العالم كله انهار حوله.
عاد الهدوء القاتل إلى القصر،
لكن ثقل اللحظة كان ثقيلًا على القلوب،
يزرع ألمًا صامتًا في كل من عاش الغضب أو فقد الأمل في ذلك اليوم.
وقف تميم بسيارته في ساحة الجامعة،
فتح لها الباب بهدوء معتاد،
وهي تهبط منه بغضب، تصرخ أمامه:
— ممكن تسمعني بقى!
تميم بلا مبالاة، نظر إلى خدها المتهالك بآلم حاول إخفاءه:
— اطلعي على لجنتك يا مكّة.
تحدثت بغضب قبل أن تغادر:
— سامر كان هيضرب آسر، وأنا اللي خدت الضربة مكانه عن قصد… علشان هو مش ناقص!
تركت المكان بسرعة،
في حين نظر تميم إلى طيفها وابتسم برفق،
وضع يده على قلبه وقال بآلم مكتوم:
— وبعدين معاك… هو ده اللي هنخليها تندم إنها بنتها؟… هو ده الانتقام؟
اعترف أمام كبريائه وشرّه أنه يحبها… نعم، حبّها حد الجنون،
ثم أغلق باب السيارة بغضب أعمى وتحرك للداخل بهدوئه المعتاد.
توقف أمام لجنة الامتحان، المسؤول عن مراقبتها،
رفع هاتفه ببرود:
— عاوز إيه يا حمزة؟
— من وقت ما حرق مالك الهلالي المصنع بتاعك وأنت ساكت ومختفي…
تنفّس تميم ببرود:
— معلش، أنا معايا قلبه… ده أقل واجب منه.
أجاب حمزة بهدوء:
— اقفل الحرب دي يا تميم… انت مش قدها.
تميم بتحدي:
— الحرب هتبقى بتاعتي، وأرض الهلالي هاخدها!
ثم أغلق الخط في وجهه دون أن يستمع.
كانت مكّة تتحرك في الدور متجهة نحو لجنتها،
حتى شعرت بيد تسحبها بقوة، لم يكن سواه، يسحبها خلفه وهي تصرخ بغضب:
— سيبني يا مالك! بتعمل إيه؟!
وقف بها في سطح الجامعة، حاصرها بينه وبين الحائط،
نظر إلى خدها وهو يضم كفه بغضب أعمى:
— مين اللي عمل فيكي كده؟!
سحبت يديها بغضب:
— ابعد عني بقى، وروّح اهتم بمراتك وابنك وسيبني في حالي!
ضرب مالك الحائط خلفها بعنف، قوة كالعمى، حتى نزفت يده.
مكه فزعت، أمسكت يده بفزع:
— انت اتجننت؟ ايه اللي انت بتعمله ده؟!
رفع ذقنها لينظر في عينيها، جعلها تشرد في بؤبؤ عينه،
نطق بصوت الأفعى:
— مين اللي عمل كده؟ ورحمة آمي هخليه يتمنى إنه اتولد من غير إيد!
ابتلعت مكّة ريقها، ونظرت لأسفل.
صرخ مالك صرخة هزت جسدها بالكامل:
— أنطقييييي!
ارتعشت لتقول بغضب:
— مالكش دعوة بيا… أنا بكرهك يا مالك… أنا بكرهكم كلكم!
وكادت أن تغادر السطح مهرولة، حتى أوقفها مالك وهو يمسك كفّها:
— وعزّة جلالة الله، هتندمي يا مكّة… حتى انتقامك كان غباء… تسرعك كله غباء… ولو فكرتي إنك بسهولة هتبقي لغيري، تبقي غبية… فاهمة؟
تركها وهرولت سريعًا لأسفل، وتردد صوته في مسمعها عدة مرات.
دخلت اللجنة، وتفاجأت بأن من يراقبها اليوم هو تميم.
نظر إليها، شاهد وجهها المرهق، وغمز لها،
في حين شعرت ببعض الارتباك من الأنظار حولها.
وضع المراقب الآخر الورقة أمامها لتبدأ في الحل.
شعرت فجأة بالاختناق، فأسعلت بقوة،
لكن ثوانٍ معدودة، فتح تميم غطاء زجاجة المياه وقال بلطف:
— أهدئي.
مسكت منه الزجاجة، تنظر لكل من حولها بخجل، همست بهدوء:
— شكرًا.
جلس تميم على الطرابيزة بجوارها، يضع قدمه علي كرسي بجوار الكرسي الذي تجلس عليه
ينظر إلى باقي اللجنة، بينما ركزت مكّة وجهها على ورقة الامتحان، تؤدي أفضل ما يمكن.
وفي النهاية، أخذ تميم الورقة ليغمز لها بمشاكسه:
— هاتي يا دكتورتي.
فتحت عيونها بصدمه، ابتلعت ريقها بغضب، وذهبت للخارج.
بينما جاء إشعار لتميم، جملة بسيطة محملة بكل أنواع التهديد:
— دي بالذات ما ينفعش تتلمس.
كانت مكّة تمشي نحو سيارة تميم، تنظر في شنطتها،
لكن توقفّت لثوانٍ على صوت إحدى زميلاتها:
— مكه!
نظرت خلفها، ابتسمت:
— إزيك يا مروه؟
مروه بسؤال هادئ:
— مكه، مها محضرتش ولا امتحان السنة دي؟ هي كويسة؟
نظرت إليها مكّة، شعرت بشيء يلمس قلبها بألم، أجابت بهدوء:
— مش عارفة يا مروه.
وتركتها، بينما مروه تفكر، رفعت حاجبها:
— مش عارفة إزاي يعني؟! لما انت مش عارفة، أمال مين اللي هيعرف؟!
اتجهت مكّة سريعًا نحو سيارة تميم، ثوانٍ معدودة، وكان هو يدخل السيارة.
شردت مكّة بعيدًا، فرغم كل شيء، انشغل قلبها بصديقة عمرها، همست وهي تفرك يديها:
— ت.تميم…
تميم وضع يده على المقود، نظر للأمام وتحدث ببرود شديد:
— مقدمة شهادة مرضية… الحمل تعبها… وكانت محجوزة في المستشفى… دلوقتي هي كويسة.
فتحت مكّة فمها بصدمه، في حين تحدث تميم بهدوء:
— حاجة تانية؟
نظرت إليه في المرآة، ونطقت بهدوء:
— انت إنسان مخيف.
صفّت سيارة تميم أمام القصر،
وهو ينطق بهدوئه المعتاد:
— انزلي.
نظرت إليه مكّة بغضب من طريقة كلامه المتغيرة كل ثوانٍ،
هبطت من السيارة، تتجه نحو الداخل بخطوات سريعة،
لكنها قررت أولًا أن تدلف إلى غرفة آسر قبل أي شيء آخر.
دقت الباب، وسمح لها آسر بالدخول.
دخلت مكّة بخطوات هادئة، ابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها،
وجدت آسر ممسكًا بصورة والدته، يمسح دموعه بصمت،
وعند وقوفها قال بصوت منخفض:
— شكرًا.
ابتسمت مكّة برقة:
— على إيه؟
— على إنك وقفتي جنبي… واللي عملتيه النهارده مش هنساه ليكي.
جلست مكّة على مقدمة السرير، قلبها يرفرف بخفة، ونظرتها ثابتة على آسر.
آسر، الذي بدا منهكًا، عينيه محمرتان من البكاء، يديه تمسك بصورة والدته.
ابتسمت مكّة بهدوء، وجلست أقرب إليه، محاولة أن تنقل له بعض السلام:
— آسر… اعرف إن الدنيا أوقات بتبقى صعبة… وأنك تحس إن كل شيء ضاع… بس صدقني… كل حاجة بتمر بيها ربنا شايفها… وكل لحظة ألم هي فرصة… فرصة تقويك… فرصة تخليك أقوى.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحزن، همس:
— مقدرش… حاسس إن قلبي ميت… ما فيش فايدة.
مدّت يدها ووضعتها على قلبه:
— اسمعني… القلب ما يموتش إلا لما نسيب النفس تتخلى عن ربنا… آسر، كل تجربة صعبة، كل ألم… ده امتحان… واللي بيصبر ويثبت، ربنا معاه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، ثم أضافت بحنان:
— مش لازم تحس إنك لو وقعت، وقعت للأبد… حتى لو حاسس إنك ضايع، ربنا موجود… ده وعده… واللي يفقد أمله في نفسه، ما يفقدش أمله فيه.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحيرة:
— طب… وانا مينفعش أعمل حاجة دلوقتي… هي مش معايا…
أمالت مكّة جسدها قليلًا، وأمسكت يديه بكل حنان:
— آسر… الحُب مش مجرد شعور… الحُب أفعال… لو بتحب أمك… خلي حياتك كلها دليل… خلي كل نجاح، كل صبر، كل خير… عملتوه… علشانها… علشان لما تقابلها في الآخرة تبقى فخورة بيك جدًا… تبقى شايفة ابنها وقف قد المسؤولية… ما استسلمش… وما تخليش اليأس يدخل قلبك.
آسر ابتلع ريقه، قلبه بدأ يدق أسرع، وشعر بشيء يتحرك جواه… شعور بالمسؤولية، شعور بالقوة، شعور بأن الدنيا ما انتهتش رغم كل الألم.
ابتسمت مكّة، وضعت يدها على قلبه:
— ربنا شايفك… وهو اللي هيساعدك… وأي خطوة صح هتخلي قلبك أهدأ… كل يوم هتكتشف قد إيه انت قادر…
قالت ببسمه— آيه رآيك لونذاكر مع بعض تعالى نبدأ بأي حاجه
أحس آسر بالسكينة تتسلل إلى قلبه،
بدأ يلتقط أنفاسه ببطء، كأن الحياة تعود إليه شيئًا فشيئًا.
جلسا معًا، مكّة وآسر، يذاكران حتى وقت متأخر جدًا،
ورغم التعب، ظلّ التركيز حاضرًا،
حتى غلبها النوم فجأة، وانحنت على الطرابيزة، يديها على الورق،
وآسر ينظر إليها بدهشة وحنان، يهمس بصوت منخفض:
— شكرًاااااا… شكرًا.
ثم قام، واتجه إلى تميم الذي كان جالسًا يشتغل على اللابتوب:
— تميم، تعال شيل مراتك من عندي… مش قادر أمسك نفسي قدامها بصراحة!
نظر تميم إليه بدهشة، ثم مسكه من ياقة قميصه قائلاً بغضب:
— بتقول إيه يا ض…؟!
ضحك آسر عاليًا، وأشار إلى الغرفة:
— تعالوا خدوا الميتين اللي هنا!
تحرك تميم نحو الغرفة وهو يصرخ فيه بغضب، ويشتمه:
— أنا غلطان إني سايبها معاك يا ابن… إنت…!
فتح الباب ليجد مكّة غارقة في النوم،
لا هدوءها تغيّر، ولا إرهاقها خفّ… الورق حولها مبعثر،
لكن شكلها كان مفعمًا بالراحة رغم كل شيء.
اقترب تميم منها، حملها بين ذراعيه، وضمها إلى صدره بحب امتلاك،
توجه بها نحو غرفته، وهو يشعر بالفخر والحنان في آن واحد.
ضحك آسر عاليًا:
— يابختك ياعم… ثقلتك امك يا آسر!
ضحك آسر بحرية، وكأن الحزن لم يزره أبدًا،
وفي الوقت نفسه، كان سامر يشاهد المشهد،
يشعر بسعادة عميقة، يراها بعيونه،
يحس بقدوم آسر للحياة مرة أخرى، ينبض قلبه بالأمل.
في صباح يوم جديد 🫶🫶 🥹
فاقت مكّة على صوت إشعار على هاتفها.
رقم غريب… لم تعرفه من قبل.
فتحت الرسالة، وكانت مكتوبة بكلمات قصيرة:
— بصي من الشباك.
اقتربت مكّة من الشرفة ببطء، قلبها ينبض بشدة، شعور مختلط بين الفضول والخوف والدهشة.
فتحت عينيها بدهشة، وما إن نظرت إلى الخارج…
حتى توقفت عن التنفس للحظة.🌚🖤
(قدري الأجمل🌚🖤)
/ندا الهلالي
