رواية قدري الاجمل الفصل الرابع عشر 14 بقلم ندا الهلالي

رواية قدري الاجمل الفصل الرابع عشر 14 بقلم ندا الهلالي

{أقسى أنواع العذاب… أن تؤذي من أحبّ قلبك، وأنت تعرف ذلك.🖤🌚}

مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها. فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها.

وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء.

أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه:

— سقعه؟!

قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع:

— أنت مين؟

ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها:

— قدرك الأسود…

نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب:

— أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها.

تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف.

تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن.

مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش:

— وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟

اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف.

مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة:

— أنت انتجننت!

تميم بصوت مبحوح وغاضب:

— أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد!

مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة.

رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري:

— ارجوك سيب شعري يا تميم…

لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ:

— آآآه!

تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره.

سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله.

تميم ببرود:

— قومي.

مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً:

— ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟

لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل.

تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة:

— هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده


ذهبت منه ذكرى

: لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لااااااااا

ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده

وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها.

تميم نهض بسرعة،  وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض 

فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا.

وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم.

قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر.

بدأ يضع المرهم بحذر:

ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم.

ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية.

يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه.

مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة.

تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة.

ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول:

— الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة.

 وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق 

 ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ......................

ــــــــ&ــــــ&&&&&ــــــــــــــ&


البيت كله ساكن

، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة. رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه. فاطمة، صوته ارتجف من البكاء:

— هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي!

مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه. صرخ بغضب أعمى:

— يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه!

وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب. اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب:

— وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم!

سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر:

— أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو!

مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد:

— ماتقولش مرااااااااااااته!

وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم. التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل. فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها.

سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء.

تميم نظر إلى الهاتف، صرخ:

— ممممممممممممممكه!

ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف. رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة.

مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان. مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف.

تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة:

— بنتي… هاتولي بنتي…

سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون:

— انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه!

مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام. رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل:

— أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد.

وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون.

تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً.

صرخ سامر:

— انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك!

تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت.

وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها. رجعت لورا، تأوهت بغضب:

— مش تفتح يا عمّي!

لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب:

— ناقصة أشكالكم هي…

ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه. هرولت عليه بقلق:

— عمي رحيم…!


ــــــــــــــــــــــــــــــــ&&&&&&&&&ــــ

كان يقود سيارته بلا وعي

، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا.

شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله.

لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر.

دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط.

فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت:

—  مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا ه

قاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة:

— فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!.

الجملة سقطت كالقنبلة.

فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي.

ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك.

عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر.

وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون:

— يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد!

مالك لم يلتفت.

نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة:

— عايز أطلع أوضتها.

ساد الصمت.

رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا.

غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك

ما إن خطا داخل الغرفة…

حتى انفجر قلبه.

ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة.

أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها.

الغرفة تحمل رائحتها.

دفئها.

أنفاسها.

وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه.

لا يعلم أنه يقف فوقها.

لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد.

انتقال إلى مكّة

فتحت عينيها ببطء.

الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل.

نظرت إلى قدمها… صرخت.

ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا:

— آآه… رجلي…

بكت.

بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر:

— ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟

شهقتها قطعت الكلمات:

— كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي.

ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم.

الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها.

بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء.

عودة إلى مالك

كان يدور في الغرفة كالمسكون.

يفتح الأدراج.

يقلب السرير.

ينظر خلف الستائر.

قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا.

توقف فجأة.

صوت خطوات.

باب الغرفة فُتح… ودخل تميم.

وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم:

— عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه.

اقترب خطوة، صوته انخفض:

— بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس.

ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة:

— وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي.

الاستفزاز كان مقصودًا.

البرود متعمّد.

كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح.

مالك التفت ببطء.

الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا.

اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه:

— أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة.

صوته هادئ… أخطر من الصراخ:

— ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه.

— وده وعد.

ثم استدار ليخرج.

لكن…

توقّف.

شيء شدّ انتباهه.

باب حديدي…

مخفي في الحائط…

يشبه باب خزنة.

عيناه ضاقت.

قلبه دق بقوة

      الفصل الخامس عشر من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا   

تعليقات