رواية قدري الاجمل الفصل الثامن عشر 18 بقلم ندا الهلالي

رواية قدري الاجمل الفصل الثامن عشر 18 بقلم ندا الهلالي 

{18}

أمام باب الغرفة…تسمّرت مكّة.


عيناها اتسعتا، أنفاسها انحبست في صدرها،


وكأن الهواء قرر فجأة يعاقبها.


كان هو هناك.


واقف جوّه الغرفة، ظهره للباب،


الضوء الأبيض مسنود على كتفيه،


والمعطف الطبي متدلّي بإرهاق،


كأن الليل كله كان نايم عليه.


تميم.


قلبها خبط خبطه موجعة،


مش خضة لقاء…


خضة ذاكرة.


ذاكرة وجع قديم،


صوت عالي،


أبواب بتتقفل،


وعيون كانت دايمًا بتوجع أكتر ما تطبطب.


رجليها خانتها.


خطوة لقدّام… خطوة لورا.


في اللحظة دي


استدار.


عينيه وقعت عليها.


ثانية.


بس ثانية واحدة…


كانت كفاية تشقّ المسافة بينهم بسكين.


اتجمّد هو كمان.


ملامحه ما اتحركتش،


لكن عينيه اتكسرت حاجة جواهم،


رجعت خطوة لورا،


أنفاسها اتكسرت،


وقلبها خبط بعنف…


مش شوق.


خوف.


الخوف اللي بيطلع فجأة من ذاكرة الجسم


قبل ما العقل يلحق يفهم.


عينيها ما قدرتش تثبّت عليه.


تميم.


نفس الملامح…


لكن في حاجة مختلفة.


حاجة مكسورة.


إيديها بدأت ترجف،


ورجليها رفضت تتحرّك.


لاحظ.


وطّي صوته فورًا،


ووقف مكانه،


ولا خطوة زيادة.


— متخافيش…


قالها بهدوء متعب


— أنا مش قريب منك.


الكلمة خرجت مش دفاع…


اعتراف.


سكت لحظة، وبص للأرض.


كأن النظر في عينيها رفاهية مش من حقه.


— من اليوم اللي مشيتي فيه…


ابتديت علاج نفسي.


رفعت عينيها فجأة.


الصوت دايمًا كان عالي…


دلوقتي واطي،


ومليان ندم.


— اكتشفت إن الغضب لما ما يتفهمش


بيبقى أعمى.


وأنا كنت أعمى…


بحاكم ناس


علشان ما واجهتش وجعي.


رفع عينه ليها،


مش برجاء…


بصدق موجع.


— ظلمتك.


وظلمت أبوكي.


وحكمت من غير ما أفهم…


من غير ما أدي عقلي فرصة


يسأل: ليه؟


صوته اتكسر:


— ودي أخطر جريمة ممكن نعملها في بعض…


إننا نحاكم قبل ما نفهم.


دموع مكّة نزلت،


لكن جسمها لسه مشدود.


الخوف ما راحش.


من على السرير…


تحرّكت فاطمة.


كانت صاحيه.


سامعه.


شايفه كل حاجة.


تميم لمحها،


وقرب من السرير بخطوتين


— أمّك كانت محتاجة دم،


فضلت ألف لحد ما لقيت متبرع.


وسهرت عليها لحد ما فاقت…


مش علشان حاجة


غير إنك ما تتكسريش أكتر.


لفّ وبص لمكّة تاني،


ووقف بعيد…


دايمًا بعيد.


— ده اعتذاري الصغير…


على اللي ما يتصلّحش بسهولة.


سكت.


ثم قالها فجأة،


من غير تمهيد،


من غير هروب:


— وأنا بحبك.


الكلمة نزلت تقيلة.


مش إعلان.


اعتراف متأخر.


— بحبك حبّ


بينهش في القلب،


حب ما طلبش مقابل،


ولا طلب فرصة.


حب خلاني أفهم


إن اللي يحب


ما يحاكمش.


مكّة كانت مرعوبة.


مش من الكلمة…


من صِدقها.


وراء الباب…


كان مالك.


يده كانت ممدودة على المقبض،


لكنها نزلت ببطء.


سمع كل كلمة.


وفهم أكتر.


رجع خطوة،


وسند ظهره للحائط.


قال لنفسه بصوت واطي:


— لازم تختار بعقلها…


مش علشان أنا موجود.


غمض عينه،


يحاول يطمن قلبه


إن اللي بينهم


لسه حيّ.


وإن مفيش حب في قلبها لتميم


غير خوف وجرح قديم.


داخل الغرفة…


مكّة واقفة


بين خوفها


وبين عقلها


وبين قلب


لسه مش فاهم هو رايح فين.


اقترب تميم خطوة.


ثم توقف.


كأن بينه وبينها خطًا غير مرئي


لا يملك حق تجاوزه.


قال بصوت واطي، راجٍ،


مش آمر…


ولا متوسّل زيادة عن اللزوم:


— بلاش تحكمي عليّا… أرجوكي.


بلع ريقه،


وكمل بنبرة أهدى:


— بلاش تتسرّعي.


اديني فرصة…


أوريكي الإنسان


اللي وقع في غرامك يا مكّة…


مش الغضب


ولا الصورة الغلط


ولا الوجع اللي كان سايقني.


مكّة كانت واقفة.


مبلومة.


متسمّرة.


عقلها واقف.


وقلبها بيخبط بخوف.


وجسمها فاكر


كل مرة اضطرت تحمي نفسها.


قرب.


خطوة واحدة.


رفعت عينيها بارتعاش،


لكنها ما اتحركتش.


ببطء شديد…


مدّ إيده


وفكّ السماعة الطبية من على رقبته.


الحركة كانت هادية


كأنها طقس.


قرب منها،


من غير ما يلمسها.


وضع السماعة برفق


على رقبتها.


حرارة جلده وصلت لها


قبل الصوت.


همس…


كأنه خايف الكلمة تتكسر لو علت:


— بحبك…قوي.


القلب دق.دقة واحدة بس كانت كفاية تهزّها من جوّه 


لفّ وخرج.


ولا كلمة زيادة.


مكّة فضلت واقفة.


تبص في أثره بدهشة،


مش فاهمة


هل اللي حصل حقيقي


ولا هلاوس خوف.


لكن قبل ما الفكرة تكمل…


سمعت صوت خافت.


— مكّة…


لفّت.


فاطمة كانت تجلس.مجهدة.


فاتحة ذراعها بتعب،


لكن بعينين مليانين حياة.


في لحظة


طار كل شيء من عقل مكّة.


الخوف.


الارتباك.


الأسئلة.


جريت.


رمت نفسها في حضن أمها،


وكأنها بترجع من موت طويل.


حضنتها بقوة،


قوة بنت


كانت كل يوم


بتخاف تفقدها.


عيطت.عيطت جامد.


طلع الكبت كله.


كل اللي كانت ماسكاه


علشان تبقى قوية.


دفنت وشها في صدرها


وقالت بين شهقاتها:


— كنت هموت لو روحتي…كنت هموت يا ماما…


إيد فاطمة لفّت حواليها


رغم التعب،


تطبطب،


وتهمس:


— خلاص… أنا هنا.


وفي اللحظة دي…


الحياة رجعت.


كانت مكّة لسه محاوطاها،


رأسها على صدرها،


أنفاسها بتنتظم واحدة واحدة.


فاطمة مرّرت إيدها على شعرها بحنان بطيء،


كأنها بتطبطب على طفلة


مش دكتورة


ولا قوية


ولا فاهمة حاجة دلوقتي.


قالت بصوت واطي، مبحوح من التعب:


— إنتي اتخضيتي منه… صح؟


مكّة ما ردّتش.


هزّت راسها بس،


وكأن الاعتراف تقيل.


فاطمة تنفست بعمق،


وبصّت للسقف شوية،


كأنها بترتّب كلامها جوّه عقلها


قبل ما يطلع.


— وأنا نايمة…


كنت سامعة.


رفعت مكّة راسها فجأة.


— سامعة؟


ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة:


— سامعة كل حاجة.


الكلام اللي طالع من القلب


بيوصل حتى للغايبين.


سكتت لحظة،


وبعدين كملت:


— شوفته يا مكّة…


مش بعيني،


بقلب واحدة كانت بين الحياة والموت.


لمست إيد بنتها،


وضغطت عليها بهدوء:


— شوفته إنسان


بيحاول يفهم نفسه


بعد ما أذى ناس


وهو مش واخد باله.


مكّة شدّت إيدها بتوتر:


— بس يا ماما…


أنا خفت.


فاطمة هزّت راسها بتفهم:


— والخوف حقك.


اللي اتجرح


ما ينفعش يتلام


علشان قلبه يقفل.


قربت منها أكتر،


وصوتها بقى أهدى:


— بس اسمعيلي كلمة…


مش علشان تميم.


علشانك إنتي.


رفعت مكّة عينيها.


— اللي بيتعالج


واللي بيعترف بغلطه


واللي يطلب فرصة


مش زي اللي بينكر


ولا بيبرّر.


ابتسمت بحزن خفيف:


— أنا شوفته وهو فاكر


إن عمري بيضيع من إيده.


ما كانش بيجري علشان يطلع بطل…


كان بيجري علشان ما يتحاسبش


قدّام نفسه.


مسحت دمعة نزلت من عين مكّة.


— ما بقولكش سامحي.


ولا بقولك ارجعي.


ولا بقولك تحبي.


قالتها بوضوح،


من غير ضغط:


— بقولك


ادي عقلك فرصة يفهم


زي ما قلبك محتاج وقت يهدى.


سكتت،


وبعدين أضافت بابتسامة أم مطمّنة:


— والاختيار…


لازم يطلع منك


وإنتي واقفة


مش خايفة


ولا مكسورة


ولا مجروحة.


مكّة سكتت.


لأول مرة


ما كانتش بتجري من الفكرة.


كانت بتفكر.

(حد يسكت الست دي 🫶😂😂😂)


المساء كان نازل بهدوء على المستشفى.


الإضاءة الصفرا الخافتة انعكست على الزجاج،


والحركة قلت،


بس القلق لسه عايش في الجو.


باب الغرفة اتفتح بعد خبطة خفيفة.


دخل مالك.


مش دخول عادي…


دخول بطل مشهد.


بدلته الداكنة كانت راكبة عليه كأنها متفصلة علشانه،


القميص مفتوح من فوق زرّين،


كمّاته مرفوعة تكشف عن ساعد مشدود،


وساعته بتلمع بهدوء مع نور النيون.


خطواته واثقة،كتافه مرفوعة،


ونظرة عين تقول: أنا هنا… والباقي تفصيل.


مكّة كانت قاعدة جنب السرير،


بتمسك المعلقة وبتأكّل فاطمة على مهَل،


والتعب لسه باين على وشّها


بس عنيها فيها حياة.


مالك ابتسم ابتسامته الجذابة،


وبص لفاطمة وغمز:


— إيه يا بطوط؟ لسه المستشفى واقفة ولا إيه؟


فاطمة ضحكت بخفة:


— واقفة على مزاجك يا خويا.


مالك قرب خطوة:


— يلا بقى… نرجع البيت.


مكّة قامت فجأة،


اعترضت بعنف:


— لا!


ماما ماينفعش تخرج دلوقتي خالص،


لسه حالتها مش مستقرة.


فاطمة اتعدّلت في السرير بعصبية:


— يا بنتي أنا اللي طلبت من مالك!


والله تعبت من القعدة دي،


وريحة المستشفى خلاص جابت آخري.


مكّة بصّت لها بحزن:


— بس يا ماما…


مالك كان ساند على الحيطة،


مربع إيديه،


وقدماه متشابكة،


نبرة صوته باردة:


— خلصتوا؟!


مكّة رمقته بتحدّي.


مالك لفّ لفاطمة،


وغمز لها بمكر:


— جاهزة يا بطوط؟


مكّة وفاطمة بصّوا له


بعدم استيعاب.


وفجأة…


شهقة خرجت من فاطمة


وهو بيشيلها بين إيديه بسهولة


كأنها ما تزنش حاجة.


— يا نهار أبيض!


صاحت وهي بتضربه على كتفه


— الله يكسفك يا بني! نزلني، فضحتنا!


مالك تحرك بيها ناحية الباب،


ظهره منصوب،


ابتسامة واثقة،


وغمزة مشاكسة:


— ادلعي يا بطوط… ادلعي.


بصّ لمكّة بهدوء وهو ماشي:


— إنتِ هتفضلي متنحة كتير؟ اتحركي.


إيديه شايلة فاطمة…


بس عينيه كانت على مكّة.


مكّة ابتسمت.


ابتسامة حب صافية.


وابتدت تمشي وراه بخطوات سريعة.


لاحظ إنها بتحاول تلحقه.


فبطّأ خطوته…


بس سنة صغيرة


علشانها.


أول ما وصلوا لتحت…


مكّة فتحت بُقّها بصدمة.


طابور طويل من الأطباء


بيتحرك ورا مالك،


معاطف بيضا،


همسات،


نظرات إعجاب،


ووشوش بتقول:


— ده مالك…


— رئيس القافلة…


— ده اللي قلب المستشفى النهارده.


فاطمة كانت كل شوية تشتم:


— الله يخرب بيتك يا مالك!


ده إحنا بقينا فرجة!


مالك ضحك بهدوء:


— سيبيهُم يا بطوط… ده حب الجماهير.


قدّام موكب عربيات سوداء مصفوفة


كأنها مشهد رسمي،


نزل السائق بسرعة،


فتح الباب الخلفي.


مالك حطّ فاطمة برفق شديد كأنها كنز،


وعدل لها الغطا.


مكّة كانت واقفة


لسه مصدومة.


قرب منها،


هزّ راسه بيأس لطيف،


مسك كف إيدها


وسحبها بخفة،


قعّدها جنبه:


— اقعدي… كده صح.


لفّ وقعد مكان القيادة.


الأطباء ركبوا عربيات وراه.الموكب اتحرك.


العربيات شقّت الطريق


والأتربة بتترفع وراهم،


همسات الناس،


تصوير،


إعجاب،


وإحساس إنهم مش بس خارجين من مستشفى…


دول خارجين من فصل


وداخلين فصل جديد.


مكّة بصّت له من جنبها.


القلب مليان فراشات.


وهو…


ساق بثقة


كأن الدنيا كلها


مجرّد طريق


يوصلها للأمان.


داخل العربية…


صوت عمرو جمال مالي المكان،


والنغمات ماشية مع الطريق


كأنها معمولة مخصوص علشان اللحظة دي.


مالك سايق بإيد،


والإيد التانية على الدركسيون،


وعينه بين الطريق…


وبين مكّة.


ومع المقطع:


«خلاص انتهى تمشي ده عندها…»


لفّ وشّه ليها،


غمز،


ومرّر كفّه بخفة على رقبته


بحركة مش مفهومة


بس خطيرة.


مكّة اتلخبطت.


اتنحتت ثانية…وبعدين


انفجرت ضحك.


ضحكة طالعة من القلب،


من غير حساب.


ومع الكوبليه:


«ومين يشبع من القمر لو بعد مية سنة»


ضحكت أكتر،


مش قادرة تمسك نفسها.


من الكنبة اللي ورا…


صرخة غاضبة:


— اتلم يا واد!!


مالك ضحك من غير قصد،


ابتسامة واسعة


ما عرفش يخبيها.


— حاضر يا بطوط.


وداس بنزين.


العربية زوّدت السرعة،


مش علشان الطريق…


علشان قلبه.


الإشارة ظهرت.


وقف.


وراه…


العربيات مصطفة


بشكل مبهر،


موكب يخطف العين.


الناس في الشارع وقفت،


ركّاب طلعوا راسهم من الشباك،


موبايلات اتشالت،


وهمسات:


— مين ده؟


— شكله حد مهم!


مالك كان لسه باصص لمكّة.


كانت مغمّضة عينيها،


وبتسحب الهوا من بقهاريحة حمص الشام.


ابتسم.


ابتسامة راجل


بيستعيد رجولته


قدّام نظرتها المستغربة.


فجأة…


فتح الباب ونزل.


الرجالة اللي ورا نزلوا معاه فورًا،


لكن بإشارة خفيفة من كفّه


رجعوا مكانهم.


الشارع كان مصري أصيل.


نور صفر،


أسفلت مهلوك،


عجلة كارو معدية،


ودخان طالع من شواية ذرة.


راجل عجوز


واقف قدام عربية حمص الشام،


جلباب بني،


طاقية صوف،


وشه مليان طيبة السنين.


جنبه شاب


بيشوي ذرة،


النار مولعة


والريحة ماسكة الشارع.


مالك قرب:


— مساء الخير يا حاج.


العجوز ابتسم:


— مساء النور يا بيه.


— عايزين حمص سخن…


وكبايات  كبيرة.


— من عنيا.


صبّ الحمص،


والبخار طالع،


ليمون،


شطة،


كمّون.


مالك دفع الحساب وزيادة:


— خلّي الباقي.


العجوز دعاله:


— ربنا يفرحك يا ابني.


رجع للعربية،


مدّ إيده لمكّة بالكوباية،


وغمز:


— بس انتِ تؤمري… وأنا أنفذ.


وبصوت عالي،


مليان مشاكسة:


— عمرو جمال ده عليه حكم!عليه حكم!


من ورا:


— هو أنا ماليش من الحمص ده؟!


مالك ضحك عالي:


— أنا أقدر يا بطوط…


ده الحمص وصاحبه ملكك.


— لا يا خويا،سيب صاحب الحمص…


أنا عاوزة الحمص بس!


ناولها كل اللي معاه،


وبنص عين


بصّ لمكّة.


شاف ابتسامة صغيرة


على شفايفها.


ابتسم باتساع…


كأنه عمل أعظم إنجاز في حياته.


العربية اتحركت.


والشارع وراهم


لسه بيحكيعن موكب عدّى


وسيّب فراشات. 🦋✨


ما إن دخل موكب عربيات مالك الحارة


حتى الحارة كلها صحيت.


أصوات فرامل،


نور كشافات،


ووشوش بتطلع من الشبابيك.


أول واحد جري…


محمود.


كان واقف مستني من بدري،


وكأنه قلبه كان سامع قبل ودانه.


فتح الباب قبل ما العربية تقف تمامًا،


شافها…


أمّه.


صرخة مكتومة خرجت من صدره:


— أمي…!


شالها بين إيديه بحذر ممزوج بهلع،


كأنها حاجة غالية


كانت رايحة منه


ورجعت.


حضنته بقوة غير متناسبة مع تعبها:


— وحشتني يا محمود…


كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني.


صوته اتكسر:


— بعد الشر عليكي…


أنا من غيرك ولا حاجة.


مها كانت واقفة جنبه.


عينيها دمعت وهي شايفة المشهد.


قربت،


حضنت فاطمة بحرارة،


اشتياق،


خوف،


واطمئنان في نفس النفس.


— الحمدلله على سلامتك…


قالتها مها وهي بتعيط


— البيت من غيرك كان ضلمة.


فاطمة مسحت على وشها:


— ربنا يخليكم ليا يارب .


لكن…بين الأحضان


كانت في حاجة غلط.


قاسم وحمزة كانوا واقفين ورا محمود.


وشوشهم شاحبة.


أعصاب مشدودة.


قاسم قرّب من ودن حمزة،


صوته ضعيف ومبحوح،


كأنه بيحاول ما يطلعش الصوت:


— من الأفضل نمشي مالك بسرعة…بلاش يطلع.


حمزة لطّم على وشه بخفة،


بعينين مليانين رعب:


— لو مالك طالع…هنموت كلنا.


قاسم بلع ريقه بصعوبة:


— دي…دي هتبقى مجزرة.


مها لمحتهم.


بصّت مرة على مالك…مرة على مكّة. شفايفها تلونت.


الرعب كان واضح


بس ما نطقتش.


مكّة اتحركت بخطوة.


وقبل ما توصل لأي حد…مالك تحرّك.


وقف وراها مباشرة.


ظهره سدّها عن كل العيون.


كانت حاسة بقربه،ريحة أمان،


وحائط واقف بينها وبين العالم.


وصلوا باب البيت.


قاسم سبق بخطوة،


قال بسرعة وهو بيضحك ضحكة باهتة:


— بقولك إيه يا مالك…ما تيجي نرجع البيت دلوقت؟


مالك بصله بنظرة شك.


عينين ضيّقتين.


حمزة تدخل وهو بيضحك بسذاجة مصطنعة:


— ما هو أصل…


مالك ما استناش يكمل.


كبر دماغه.


وكمّل مشيه.


أول ما دخلوا الصالة…


مكّة اتشلّت.


رجليها ثبّتت مكانها.


أنفاسها وقفت.


وعروق مالك…


برزت.فكه اتشد.غضب صامت


كان على وشك الانفجار.


على الكنبة…قاعد بكل هدوء مستفز.ظهره مفرود.


إيد على رجل.


نظرة باردة


ما فيهاش ذرة مفاجأة.


تميم.


وليس وحده.


ورا منه


أفراد  أسرته


ماليين المكان


كأنهم موجودين من زمان.


تميم رفع عينه ببطء.


نظره لمكّة أولًا.


ثم لمالك.


قال بصوت ثابت،


بارد،


قاطع:


— رجّعت مكّة على ذمّتي.


الهواء اتسحب من المكان.


مالك خطوة لقدّام.قبضته اتشدت.


ومكّة…


كانت واقفةبين رجلين وقدرقرر يقفل الدائرة.


سكون قاتل


سبق العاصفة...........

       الفصل التاسع عشر من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا 

تعليقات