سكريبت استغلال (كامل) بقلم حور حمدان

سكريبت استغلال (كامل) بقلم حور حمدان

سكريبت استغلال (كامل) بقلم حور حمدان 

فضلت باصة لإيدي وقت طويل.

الإبرة مغرو زة في جلدي، والشاش ملفوف بإحكام، بس الوجع الحقيقي ماكانش هنا…

كان في قلبي

الموبايل كان في إيدي التانية، الشاشة منوّرة على آخر رسالة منها.

قريتها أكتر من مرة، وكل مرة تحرق أكتر من اللي قبلها.

«انتي يا بنتي معندكيش دم؟

يعني كل دا عشان بقولك ابعتيلي فلوس زيادة؟!»

بلعت ريقي بالعافية، وكتبت وأنا عيني مليانة دموع متحجرة، دموع مش قادرة تنزل:

«هي دي ألف سلامة بتاعتك يا ماما؟

عامة متقلقيش، والله كنت هحوّلك… بس إنتي استعجلتي.»

قفلت الموبايل، وأنا فاكرة إن كده الحوار خلص.

بس لا…

لسه الطعنة كانت جاية.

الإشعار ظهر، قلبي وقع قبل ما أفتح.

فتحت.

«لا يا أختي مش عايزة من وشك حاجة،

ربنا ما يحوجنا ليكي أبدًا يا رب…»

ساعتها حسّيت إن الإبرة اتسحبت من إيدي واتزرعت في قلبي.

المستشفى كانت مليانة ناس، وأصوات أجهزة، ودكاترة، ومرضى…

بس أنا كنت لوحدي.

أول مرة أفهم يعني إيه تبقي تعبانة، ومكسورة، ومش لاقية حتى كلمة “سلامتك”.

وما كنتش أعرف…

إن الرسالة دي مش نهاية وجع،

دي كانت بداية كل اللي جاي.

قعدت شوية أبص في الفراغ، وبعدين الممرضة عدّت من قدامي وقالت:

– خلصنا يا  اسيل تقدري تمشي.

هزّيت راسي وقومت. ما سألتش أنا كويسة ولا لأ، ولا محتاجة حاجة. زيهم زي اللي في حياتي… كله ماشي.

وأنا خارجة من المستشفى، التليفون رن. اسم أخويا.

ردّيت.

– أيوه يا كريم

– إنتي فين؟

– في المستشفى بكشف

– ليه؟

– تعبانة شوية

سكت ثانية، وبعدين قال: – طب تمام… بصي، ماما بتقولك محتاجين فلوس تاني، الكهربا هتتقطع.

ضحكت ضحكة قصيرة، مالهاش أي طعم. – كريم… أنا لسه خارجة من مستشفى.

– يعني إيه؟ هو انتي فاكرة نفسك الوحيدة اللي بتتعب؟ ما كلنا بنتعب.

قفلت في وشه من غير ما أرد. أول مرة أقفل في وش حد من أهلي.

رجعت البيت، الشقة الصغيرة اللي مأجراها قُرب شغلي. فتحت اللابتوب على السرير. أنا شغّالة ممرضة، شِفتات طويلة، ضغط، وقرف شغل ما يرحمش. وسافرت برّه عشان أساعدهم. مش عشان أتحاسب.

وأنا بغير هدومي، جالي ڤويس من ماما. ما فتحتهوش. سابته.

تاني يوم، في الشغل، المديرة وقفتني: – إنتي سرحانة بقالك يومين، في إيه؟

– ولا حاجة

– لا في… ركّزي، أي غلطة هنا بتتحاسب.

هزّيت راسي. ركزت. اشتغلت. عدّى اليوم.

بالليل، وأنا راجعة، فتحت الڤويس غصب عني.

– انتي اتغيرتي، بقى الفلوس عامية قلبك. نسيتينا. نسيتي إننا أهلك.

مسحت الرسالة. وبعتلها تحويل. آخر اللي في حسابي.

بعدها بدقيقة:

«طب كان صعب كده من الأول؟»

ما ردّتش.

عدّى أسبوع. ولا حد سأل: إنتي كويسة؟ ولا حد قال: سلامتك.

بس أول ما القبض نزل… التليفون ولّع.

ساعتها فهمت. أنا مش بنتهم. أنا مصدر دخل.

وقفت قدام المراية، بصّيت لنفسي، وقلت بصوت واطي:

– أنا تعبت… ومش هرجع أستنى شكر من حد.

وساعتها بس، بدأت أفكّر… مش إزاي أبعِت، لكن إزاي أعيش.

رجعت البيت متأخر. مش تعب الشغل هو اللي كان مكسّرني… الكلام اللي ساب أثره.

حطّيت المفاتيح على الترابيزة، وقعدت على الكنبة من غير ما أنوّر. التليفون كان ساكت شوية، وده في حد ذاته كان غريب. السكوت ده عمره ما بيطوّل.

بعد نص ساعة بالظبط، رن. رقم بابا.

ردّيت.

– أيوه يا بابا

– إزيك؟

سؤال قصير، فاضي. استنيت يكمله. ماكمّلاش.

– ماما قالتلي إنك زعلتي من الكلام.

– أنا ما زعلتش، أنا تعبانة.

– طيب يعني… هو التعب ده يخليكي تكلمي أمك بالطريقة دي؟

سكت. ما لقيتش حاجة أقولها.

– بصي، إحنا مش طالبين المستحيل، إنتي مسافرة وبتقبضي كويس، وولاد إخواتك محتاجين.

ضحكت من غير صوت. – بابا، أنا ممرضة.

– ما هو ده شغل برّه، يعني فلوس.

قفلت المكالمة بهدوء. ولا مرة حد فيهم سألني أنا بشتغل قد إيه. ولا بنام قد إيه. ولا الإبرة اللي في إيدي كانت ليه.

قومت أعمل أكل. نسيت نفسي، الأكلة اتحرقت. سابتها. عملت شاي.

قعدت أبص في الكوباية، وافتكرت أول يوم سافرت فيه. ماما كانت واقفة على باب الشقة، بتقول: – إوعي تنسينا، إحنا ملناش غيرك.

وقتها حسّيت إني بطلة. دلوقتي حسّيت إني مديونة.

تاني يوم، بعد الشيفت، كنت قاعدة مع زميلتي في الاستراحة. قالتلي: – شكلك مش كويسة.

– أهلي

– بيضغطوا عليكي؟

– طول عمرهم

ما زودتش. هي ما سألتش أكتر.

وأنا طالعة من المستشفى، لقيت رسالة من أختي:

«هو انتي بجد مش ناوية تبعتي حاجة الشهر ده؟ أصل ماما تعبانة.»

قريت الجملة كذا مرة. كلمة تعبانة كانت سهلة قوي عليهم. ولا مرة بعتولي صورة تحليل. ولا تقرير. بس دايمًا التعب بيظهر وقت الفلوس.

ردّيت: «أنا تعبانة برضه.»

شافت. ما ردّتش.

بالليل، قعدت أراجع حسابي. إيجار. فواتير. تحويلات. فضل رقم صغير قوي.

قفلت اللابتوب، وحطّيت إيدي على صدري. الوجع ماكانش جديد… الجديد إني أخيرًا شيفاه.

وقلت: – يمكن المشكلة مش فيهم… يمكن في إني سايبة نفسي كده.

ومن اللحظة دي، بدأ القرار يتكوّن… مش مرة واحدة، لكن حبة حبة.قبضت آخر الشهر. الرسالة اللي بتوصل دايمًا أول ما الراتب ينزل وصلت فعلًا:

«نزلي الفلوس بدري الشهر ده.»

ما ردّتش. لأول مرة، ما ردّتش.

قعدت على السرير، وفتحت كشف الحساب. الرقم قدامي، واضح، ما فيهوش أي خيال. افتكرت كام مرة اشتغلت شيفتين ورا بعض. كام مرة رجعت البيت ورجلي مش شايلاني. كام مرة دخلت المستشفى كمريضة مش كممرضة… وطلعت من غير ما حد يعرف.

فتحت شات العيلة. رسائل قديمة. تحويلات. تواريخ.

فلوس كانت بتتبعت… وتتصرف.

مش علاج. مش احتياج. تصرف على إخواتي المتجوزين. خروجات. طلبات. ما هو أزواجهم مسؤولين عنهم… مش أنا.

مسكت الموبايل، وبعتت رسالة واحدة، قصيرة، هادية:

«أنا من الشهر ده هبعت نص مرتبي بس. ده اللي أقدر عليه، والباقي عليّ التزامات.»

الرسالة اتقريت بسرعة.

بعدها بدقايق، المكالمات بدأت. ما ردّتش. سابتها ترن.

فتحت التحويل. دخلت الرقم. قسمت المرتب نصين. بعت النص. قفلت.

قعدت ساكتة. ما حسّتش بانتصار. حسّيت براحة.

بعد شوية، ڤويس من ماما: – إنتي بقى أنانية؟ إخواتك ليهم بيوت ومسؤوليات.

سمعت الڤويس للآخر. ما قفلتوش. بس ما ردّتش.

لأول مرة، ما حاولتش أشرح. ما دافعتش عن نفسي. ما قلتش أنا تعبانة.

عملت أكل. أكلت. نمت.

تاني يوم، صحيت بدري. لبست ونزلت الشغل. نفس المستشفى. نفس التعب. بس إحساس مختلف.

وأنا ماشية في الممر، حسّيت إن ضهري أخف. مش لأن الحمل اختفى… لكن لأني أخيرًا شايلة اللي يخصني بس.

وفي آخر اليوم، وأنا راجعة البيت، قلت لنفسي:

– مش قاطعة حد… بس أخيرًا مختارة نفسي.

وكان ده كفاية

ببر والدي ووالدتي وفي نفس الوقت مش ع حساب نفسي 


#تمتتت

#استغلال

#حكاوي_كاتبة

#حور_حمدان

تمت

تعليقات