رواية عشق يحيي الفصل السادس والعشرون 26 بقلم سلمي جاد
البارت 26
يحيى وقف بعربيته الفخمة في أول الحارة، شكلها كان غريب جداً وسط البيوت البسيطة والناس اللي بتبصله بفضول في كل مره بيجي فيها هنا، بس هو مكنش شايف حد.. كان باصص لفوق، لبيت قديم ملامحه دافية، بيدور بعينه على شباك أوضتها.
دقات قلبه كانت بتسابق رجليه. كل ما يطلع درجة من درجات السلم كان بيحس إنه بيقرب من روحه اللي غايبة عنه بقالها أسبوع. أسبوع كامل عدا عليه كأنه دهر، كان بيخلص شغله زي الآلة، وعقله شغال في حاجتين بس: وحشة ليلى، والمكيدة اللي بيحضرها لميادة عشان يوقعها في شر أعمالها.
وصل قدام الباب، وقف ثانية يلم شتات نفسه ويفتكر أول مرة جه فيها المكان ده؛ وقتها كان يحيى الصياد اللي ميعرفش ليلى ولا يعرف إن البنت اللي ورا الباب ده هتبقى هي الوطن بتاعه ولا إنها هتكون زوجته وأم ابنه اللي هيجي بعد شهورقليله
خبط خبطات خفيفة، ثواني والباب فتح وظهر وراه والد ليلى بالتبني.
أول ما شافه، وشّه نور ورحب بيه بحرارة: "أهلاً أهلاً يا يحيى يا حبيبي، اتفضل يا ابني، خطوة عزيزة."
يحيى دخل : "إزيك يا عمي، عامل إيه؟ طمني عليك وعلى ليلى."
عاصم اتنهد وقال بقلق: "والله يا ابني ليلى نايمة دلوقتي.. أنا قلقان عليها، بقالها كام يوم بتنام كتير أوي ومبتقومش غير بالعافية."
يحيى ابتسم بحزن لأنه عارف ليلى كويس؛ ليلى لما بتزعل أو الدنيا بتضيق بيها بتهرب للنوم. قال بصوت هادي: "استأذنك أدخلها يا عمي؟"
رد عليه بترحاب: "طبعاً يا ابني، البيت بيتك.. ادخلها عبال ما أجهز فطار ونفطر كلنا سوا."
اتقدم يحيى لغرفة ليلى اللي مدخلهاش قبل كدة. فتح الأوكرة بهدوء ودخل وقفل الباب وراه. الأوضة كانت رقيقة جداً، الحيطان بلون الازرق الفاتح "البيبي بلو" اللي هي بتحبه، وعليها ورود مرسومة بذوق هادي. لفت نظره شباك صغير عليه زرعة "لافندر"، فابتسم لما عرف سر عشقها للورد ده وإنها زرعاه جنبها حتى وهي نايمة.
وعلى السرير الصغير، كانت نايمة "الملاك" اللي أسر قلبه. نايمة بهدوء ببجامتها الوردية، وشعرها البني اللي بيعشقه مربوط بـ توكة بسيطة. يحيى قرب منها، قلع جاكيت بدلته ورماه على الكرسي، وفتح بعض زراير قميصه عشان ياخد راحته.
اتمدد جنبها على السرير الصغير وسحبها لحضنه من ضهرها، غرس وشه في شعرها وشم ريحته بعد ما فك التوكة ببطء، وطلع منه همهمة استمتاع وراحة كأنه لقى ضالته. .
ليلى بدأت تتحرك، وهمست باسمه بصوت ضعيف وناعم: "يحيى.."
يحيى رد عليها بهمس دافي عند ودنها: "قلب وروح يحيى من جوه."
فجأة، جسم ليلى اتخشب بين إيديه لما أدركت إن الصوت ده مش حلم.. ده هو! لفت بسرعة وهي بتمد إيديها المرتعشة، تتحسس ملامح وشه، بشرته، ودقنه اللي بدأت تنبت، ودموعها نزلت وهي بتهتف بعدم تصديق:
"يحيى؟ إنت هنا بجد؟ أنا.. أنا مش بحلم صح؟ إنت جيت يا يحيى؟"
______________________________
في جناح عمر وعائشة
كان الهدوء بيسود المكان إلا من صوت خافت لدروس مسجلة كانت عائشة بتسمعها بتركيز.
عمر دخل الجناح وعيونه بتلمع بالشوق، فضل يدور عليها لحد ما لقاها قاعدة في ركنها المفضل،اللي صممهولها مخصوص وعبارة عن مكتبة صغيرة وكرسي مريح عشان تذاكر في هدوء.
وقف قصادها وهو بيبتسم، عائشة انتبهت لوجوده فقفلت الحصة اللي كانت شغالة وقالت بلهفة: "عمر! أنت جيت؟"
عمر مفكرش كتير وفرد دراعاته ليها، وهي زي الطفلة اللي لقت أمانها، قامت وجريت لحضنه واستخبت فيه. بعد ثواني، عمر خرجها من حضنه براحة، ورفع ذقنها بصوابعه وبدأ يتأمل ملامحها اللي باين عليها الإرهاق الشديد والسهر، سألها بحنان: "مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟"
هزت راسها بسرعة وقالت: "مفيش يا عمر، أنا كويسة."
لكن عمر كان حافظها، مسك خدها برقة وقال: "تؤ.. قولي الحقيقة يا عيوش، أنا حاسس إن فيكي حاجة مش طبيعية، عينيكي بتقول كلام غير اللي لسانك بيقوله."
بصت له بصمت لثواني، كأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية، وفجأة انفجرت في العياط من كتر الضغط اللي شايلاه. عمر فتح عينيه بذهول وصدمة، قلبه وجعه عليها وحاول يهديها: "يا حبيبتي اهدي، حصل إيه لكل ده؟"
لكنها استمرت في العياط بشهقات قطعت قلبه، قعدها على الكرسي وركع على ركبة واحدة قدامها، وبدأ يمسح دموعها بإيديه بكل حنية لحد ما بدأت تهدى وتكتفي بشهقات خفيفة.
سألها بصوت هادي: "ممكن بقى تعرفيني الجميل بيعيط ليه؟ في إيه يا عائشة؟"
عائشة وهي بتحاول تاخد نفسها بصعوبة: "أنا مضغوطة جداً يا عمر.. خايفة أوي، الامتحانات قربت وأكتر من نص السنة عدى، وفي حاجات بحس إني تايهة فيها ومش فاهماها مهما حاولت، حاسة إني هفشل وأضيع تعبك معايا."
عمر ابتسم بهدوء مريح أول ما فهم إنها مضغوطه المذاكرة، قام وقومها معاه وحاوط وشها بإيديه وقال بنبرة واثقة: "يا حبيبتي ده طبيعي جداً، الخوف ده دليل إنك مهتمة وإنك ماشية صح، اللي بيخاف هو اللي بيحس بالتقصير وده معناه إن ضميرك صاحي."
كمل وهو بيطمنها: "اسمعيني يا بشمهندسة، أنا معاكي.. من النهاردة، كل يوم لما أرجع من الشغل، هخصص ساعة كاملة نقعد فيها سوا، تشرحيلي اللي واقف قدامك وأنا أفهمهولك بطريقتي، مش انتي بتحبي شرحي ؟!."
عائشة بصت له بحزن وقالت: "بس يا عمر أنت بتتعب أوي، من وقت ما رجعت للهندسة و نزلت شغلك الجديد،وهو بياخد كل وقتك وبترجع متأخر ومرهق، مش ناقصة كمان أنا أتعبك بمذاكرتي ."
عمر باس راسها وقال بابتسامة جذابة: "تعبك راحة يا قلبي، ووقتي ده ملكك أنتي قبل ما يكون للشغل أو لأي حاجة تانية، أنتي استثماري الحقيقي يا عيوش."
عائشة اترمت في حضنه تاني وهي بتقول بامتنان: "أنا بحبك أوي يا عمر.. بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه ولا حياتي كان هيبقى شكلها إيه، أنت أحلى حاجة حصلتلي."
عمر بعشق بيزيد كل يوم عن اللي قبله : وأنا بعشقك يا عائشة ،أنا اللي من غيرك كنت هضيع،انتي النور اللي نور حياتي وخرجني من الضلمة اللي عشت فيها سنين .
______________________________________
في شقة زين الفخمة في أحد الأحياء الراقية، كان الصمت بيسود المكان، والضلمة مغطية أغلب الأركان إلا من نور شاشة موبايله. زين كان قاعد وساند ضهره بتعب، وعينيه مثبتة على صورتها اللي حفظها على موبايله من حسابها على إنستجرام.. صورتها وهي بتضحك بعفوية، الضحكة اللي كانت في الأول بتمثله مجرد إزعاج، ودلوقتي بقت هي الأكسجين اللي بيدور عليه.
مكناش يتخيل أبداً إن الآية تتقلب كدة؛ زين الضابط اللي قلبه من حديد، بقى هو اللي بيلهث ورا طيفها. من يوم واقعة المول وضحي اختفت تماماً، عملت له بلوك من حياتها قبل السوشيال ميديا.
اتنهد بوجع وهو بيفتكر ملامح الصدمة والكسرة اللي كانت في عينيها لما شافته قاعد مع بنت وبيتضحكوا سوا.. ضحى مكنتش تعرف، ومكنش ينفع تعرف، إن البنت دي .. بنت واحد من أخطر تجار السلاح في القاهرة، وإن قعدته دي كانت جزء من مهمة سرية من خلالها هيوصل لمعلومات تخلص البلد من شر أبوها.
زين حاول يوصل لها مية مرة، يبعت رسايل، يروح تحت بيتها، بس هي كانت قافلة كل الأبواب. وجعها كان حقيقي، حست إنها كانت مجرد لعبةفي إيد الشخص اللي بدأت تفتح له قلبها، وهو مقدرش ينطق بحرف واحد أو يبرر موقفه عشان ميحرقش المهمة
اللي زاد طينه بلة، إن ضحى من يوم حادثة ليلى، اتأثرت نفسياً جداً وبطلت تنزل الجامعة، وانعزلت تماماً في بيتها. زين حس إنه عاجز لأول مرة في حياته
مرر صوابعه على صورتها في الشاشة، وهمس بصوت مخنوق بالندم والحنين:
"وحشتيني أوي يا ضحى.. وحشتيني لدرجة إني بدأت أكره المهمة اللي بعدتني عنك. خايف تضيعي مني وإنتي فاهمة إني خنتك، وأنا والله في عز ما كنت قاعد معاها مكنتش شايف غيرك إنتي.".
____________________________
عند يحيى وليلى
ليلى كانت بتمشي إيديها على ملامحه بلهفة، كأنها بترسم صورته في خيالها من جديد، ودموعها نازلة بغزارة وهي بتهمس:
"يحيى.. أنت هنا بجد؟ أنا مش بحلم صح؟ قولي إنك مش حلم وهيختفي أول ما أفتح عيني."
يحيى هز راسه بنبرة رخيمة من شدة شوقه، وصوته كان طالع محمل بوجع الأسبوع اللي فات:
"إيوه يا روح يحيى.. أنا هنا، ومش هسيبك تاني. أنتِ مش بتحلمي يا ليلى، أنا جنبك ومعاكي."
ليلى أول ما سمعت صوته الحقيقي، حاوطت رقبته بإيديها بقوة ودفنت وشها في صدره، ويحيى ضمها لحضنه أكتر لدرجة إنه حس إنها بقت ضلع من ضلوعه، كأنه بيحاول يداريها جوه قلبه من كل الوجع اللي شافته.
بعد دقائق من الصمت المشحون بالمشاعر، يحيى بعدها عنه شوية وسند جبينه على جبينها، وأنفاسه الحارة كانت بتخبط في وشها وهو بيتأمل ملامحها اللي وحشته بجنون. نزل بإيده على بطنها، وملس عليها بحنان وسألها بصوت دافي:
"ابننا عامل إيه؟"
ليلى ابتسمت وسط دموعها وقالت: "بقى كويس دلوقتي.. أول ما حس بيك هدي، تقريبا كنت واحشه أوي."
يحيى ابتسم بحب غامر، وبحركة سريعة نام على ظهره وشدها هي فوق صدره، وغمض عينه بارتياح كأنه لقى وطنه بعد غربه.
ليلى سألته باستغراب وهي حاسة بتقل جسمه واسترخاء أعصابه:
"أنت هتنام يا يحيى؟"
يحيى همهم بنعم وهو مش قادر يفتح عينه، ليلى كملت بدهشة: "هتنام هنا؟!"
يحيى رد بصوت مجهد وتعبان جداً:
"بقالي أسبوع يا ليلى منمتش فيهم خمس ساعات على بعض.. هموت وأنام ." وبعدين كمل بنبرة فيها خبث عاشق وهو بيفتح عين واحدة: "وبعدين لو منمتش دلوقتي، أنتِ اللي هتتأذي.. اختاري بقا، أنام ولا أقوملك؟"
ليلى وشها احمر وابتسمت بخجل، وقامت من حضنه ببطء ومردتش عليه لما سألها باستغراب خصوصًا وهو شايفها متوجهة ناحية الباب: "رايحة فين؟"
يحيى كان مراقبها وهي بتمشي خطوات بسيطة بحذر، بتتحسس الأثاث لحد ما وصلت للباب، ورفعت إيدها وتربسته .
يحيى ضحك ضحكة رجولية خفيفة لما جتله الإجابة ..
#رواية_عشق_يحيى
#الكاتبة_سلمي_جاد
Salma Gad 🍉
