رواية عشق ودموع الفصل العاشر 10 بقلم سهر احمد
#روايه_عشق_ودموع
(مابين عشق قلبين من سينتصر)
#بقلم الكاتبه سهر احمد
الفصل العاشر: حين يبدأ الخيط في الشدّ
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله، لكنه كان مختلفًا في ثقله.
استيقظت مريم قبل الجميع، كعادتها. البيت صامت، لكن الصمت هذه المرة لم يكن مألوفًا، كان مشدودًا كوترٍ على وشك أن ينقطع. وقفت أمام النافذة قليلًا، تنظر إلى الشارع دون أن تراه حقًا. كانت تشعر أن شيئًا ما يتحرّك في العمق، شيء لم يظهر بعد، لكنه موجود… يراقب.
دخل آدم من خلفها دون صوت. وجوده كان دائمًا مفاجئًا، حتى بعد كل هذه السنوات، وكأنها لم تعتد حضوره أبدًا. وقفت مستقيمة، لم تلتفت، فقط شدّت عباءتها على جسدها بحركة لا إرادية.
قال بصوت هادئ على غير عادته: — مسافِر.
لم تسأله إلى أين. لم تسأله متى يعود. اكتفت بهزّة خفيفة من رأسها، كأن الأمر لا يعنيها.
لكنه لم يغادر فورًا. بقي واقفًا، يحدّق في ظهرها، ثم قال بنبرة غامضة: — المرة دي… السفر ده مختلف.
شعرت بقشعريرة تمرّ في جسدها، لكنها تماسكت. قالت ببرود: — كل سفرياتك مختلفة.
ابتسم ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيه. — خلي بالك من الاولاد.
التفتت إليه أخيرًا. نظرت في عينيه نظرة طويلة، فيها شيء يشبه التحدي وشيء آخر يشبه الوداع، لكنها لم تعترف به حتى لنفسها. — دايمًا باخد بالي.
خرج. وأغلق الباب خلفه.
ظلّت مريم واقفة مكانها دقائق، تسمع صدى الباب أكثر مما تسمع صوته. لم تكن خائفة، لكنها لم تكن مطمئنة. إحساس غريب أخبرها أن هذا الخروج ليس عاديًا، وأن الغياب القادم لن يشبه ما سبقه.
في مكان آخر، كان يوسف ينهض من نومٍ متقطّع. الليل تركه مرهقًا، مثقل الرأس، كأن الذكريات تحوّلت إلى أحلام ثم عادت لتوقظه بعنف. جلس على حافة السرير، يمرر يده على وجهه، ويتنفس بعمق.
لأول مرة منذ سنوات، لم يشعر أن الماضي مجرد ذكرى. كان يشعر أنه قريب. قريب أكثر مما ينبغي.
رنّ هاتفه. نظر إلى الاسم، وتجمّد. رقم قديم… لم يُمسح، ولم يُحفظ، لكنه محفور في ذاكرته.
تردّد لحظة، ثم أجاب.
— ألو؟
جاءه الصوت منخفضًا، حذرًا: — يوسف… لازم نتصرف. الموضوع كبر.
قبض يوسف على الهاتف بقوة. — بتتكلم عن إيه؟
صمت قصير، ثم: — آدم. شغله مش نظيف. واللي بيشتغل معاهم مش بيسيبوا حد يمشي بسهولة.
أغلق يوسف عينيه. الاسم الذي حاول دفنه عاد الآن محمّلًا بالخطر. قال بصوت ثابت رغم العاصفة داخله: — وإيه المطلوب مني؟
— تفضل بعيد… بس أنا عارف إنك مش هتقدر.
أنهى المكالمة، وبقي يوسف مكانه. كان يعرف نفسه جيدًا. ويعرف أن البُعد لم يعد خيارًا.
وفي بيتها، كانت مريم تُعد الإفطار للأطفال. ضحكة جنات الصغيرة ملأت المكان، وسيف كان يتشبّث بثوبها، بينما كانت صور غزل ومؤيّد لا تفارق عقلها، رغم غيابهم الجسدي.
نظرت إلى وجوه أولادها، وشعرت بشيء يشبه الوعد يضغط على صدرها. وعد قديم: أن تتحمّل كل شيء… إلا أن يمسّهم الأذى.
لم تكن تعلم أن الخيوط بدأت تُشدّ من كل الجهات، وأن القدر، بعدما صبر طويلًا، قرّر أخيرًا أن يُحرّك لعبته.
وأن القادم… لن يكون صامتًا.
مرّ اليوم ببطء ثقيل، كأنه يجرّ أقدامه جرًّا.
مريم حاولت أن تتصرّف بشكل طبيعي، أن تطبخ، تنظف، تبتسم للأطفال، لكن عقلها لم يكن معها. جملة آدم الأخيرة كانت تتردّد في رأسها بلا توقف: «المرة دي السفر ده مختلف». لم يقلها تهديدًا، ولم يقلها اعتذارًا، قالها كمن يترك بابًا مواربًا خلفه، بابًا قد لا يعود ليغلقه.
حين حلّ المساء، نامت جنات مبكرًا، بينما ظلّ سيف مستيقظًا أكثر من اللازم. جلس بجانبها على الأريكة، يراقب وجهها الصامت بعين طفل يشعر بما لا يفهمه.
قال فجأة: — ماما… بابا هيغيب كتير؟
ترددت لحظة قبل أن تجيب، ثم مسحت على شعره: — مش عارفة يا حبيبي… بس أنا موجودة.
لم تكن الإجابة كافية له، فاقترب أكثر، وأسند رأسه على كتفها. في تلك اللحظة، شعرت مريم بثقل المسؤولية يسقط دفعة واحدة على صدرها. لم تكن تخاف على نفسها، الخوف الحقيقي كان عليهم. كانت تعرف أن آدم، بكل ما فيه من قسوة وغموض، كان درعًا غير معلن حول البيت، وأن غيابه قد يفتح أبوابًا لم تكن تحسب حسابها.
في الطرف الآخر من المدينة، لم يستطع يوسف أن يهدأ.
خرج من شقته دون هدف محدد، يقود سيارته في شوارع يعرفها جيدًا، لكنها بدت له غريبة تلك الليلة. الكلمات التي سمعها في الهاتف لم تكن جديدة، لكنه لأول مرة شعر أن الخطر لم يعد بعيدًا، ولا نظريًا. اسم آدم لم يكن مجرد ذكرى سوداء في حياته، صار اسمًا مرتبطًا بالموت.
أوقف السيارة على جانب الطريق، وأشعل سيجارة لم يكن ينوي تدخينها.
قال لنفسه بصوت منخفض: — كنت فاكر إن البُعد بيحمي… طلع البُعد بيأجّل بس.
فكّر في مريم. لم يفعل ذلك كحبيب سابق، بل كرجل يعرف أن امرأة دفعت ثمنًا أكبر مما يجب. سأل نفسه سؤالًا خائفًا لم يجرؤ على طرحه من قبل:
هل كانت ما زالت في خطر كل هذه السنوات؟
وهل صمته كان نجاة… أم خذلانًا؟
في تلك اللحظة، اتخذ قرارًا لم ينطقه، لكنه استقر داخله بثقل لا يقبل التراجع. إن كان الماضي يعود، فلن يتركه يعود وحده.
بعد أيام قليلة، بدأ الغياب يطول.
آدم لم يتصل كما اعتاد. لا مكالمات قصيرة، لا رسائل مقتضبة. المال الذي كان يتركه لم يصل في موعده. مريم لم تشتكِ، لكنها بدأت تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها ببطء.
وفي ليلة متأخرة، طرق الباب طرقًا مفاجئًا.
تجمّدت في مكانها.
نظرت إلى الساعة، ثم إلى الأطفال النائمين، وتقدّمت بحذر. فتحت الباب نصف فتحة، لتجد رجلًا لا تعرفه، ملامحه جامدة، وعيناه لا تحملان ودًّا.
قال بصوت رسمي: — مدام مريم؟
هزت مريم رأسها بحذر. — زوجك مسافر معانا في شغل… وحبّينا نطمن عليكِ.
لم تسأله من “معانا”، لكنها فهمت.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها، لكنها تماسكت. — تمام… في حاجة تانية؟
نظر خلفه قليلًا، ثم عاد ينظر إليها: — بس خليكِ دايمًا قريبة من البيت… الأيام الجاية.
وأدار ظهره ورحل.
أغلقت الباب ببطء، وأسندت ظهرها عليه، وأنفاسها تتلاحق. لأول مرة منذ سنوات، شعرت بالخوف الحقيقي، الخوف الذي لا يشبه خوف آدم، بل خوف شيء أكبر، أوسع، بلا ملامح.
في تلك الليلة، لم تنم.
جلست قرب الأطفال، تراقب أنفاسهم، وتستعيد كل لحظة صمت مرّت بها، كل تضحية ظنّتها نهاية الطريق. أدركت فجأة أن ما عاشته لم يكن إلا تمهيدًا، وأن الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد.
وفي نفس الوقت، كان يوسف يقف أمام مرآته، يربط ساعته، كأنه يستعد لمعركة لا يعرف تفاصيلها.
قال بصوت حاسم: — اللي اتكسر قبل كده… مش لازم يتكسر تاني.
لم يكن يعرف كيف، ولا متى، لكنه كان متأكدًا أن الطرق بدأت تتقاطع، وأن اسمه سيعود إلى حياة مريم، لا كذكرى، بل كقدر.
حين تبدأ الخيوط في الشدّ، لا يعود السؤال من سينجو… بل من سيدفع الثمن أولًا.
