سكريبت زوج كفيف (كامل) بقلم احمد محمود
من ٣ سنين حصلت لجوزي حادثة وهو في الشغل اتسببت إنه يبقا كفيف ويفقد بصره تمامًا، عملنا كل حاجة ولفينا على كل المستشفيات لكن الكل أجمع إنه استحالة يرجعله البصر مرة تانية، ورغم إن الموضوع كان صعب وهو وأخواته عرضوا الطلاق إلا إني اتمسكت بيه أكتر، لأني اعتبرته بلاء نزل علينا أحنا الاتنين ومينفعش متقبلوش وأحمد ربنا عليه، ولأني متأكدة إن لو الأوضاع اتبدلت مكنش هيطلقني ويسبني..
وبعدها أخواته بدأوا يتصرفوا في الوِرث عشان ياخد حقه بزيادة لأن أمورنا اتغيرت من بعد ما ساب الشغل، ومن يومها وأحنا مقضيين حياتنا في إيجار، سنة هنا وسنة هناك، وست شهور في المكان الفلاني، لأن الورث مكنش هيجيب شقة والمكان اللي كنا فيه كان إيجاره غالي
وفضلنا نتنقل لأكتر من مكان لحد ما أخواته جمعوا مبلغ واشتروا مكان متواضع في بلد جمبنا عشان يشيلوا عننا عِبء الإيجار، والأكل والشرب كان سهل وكانوا شهريًا بيبعتوا مبالغ أو زيارات فيها أكل كتير يكفيني أنا وجوزي، ولأننا معندناش أطفال فكان الموضوع سهل والأمور ماشية
ورغم إن المكان كان بيت صغير قديم أوي ومش كويس إلا إني حمدت ربنا ونضفته بكل طاقتي عشان يكون صالح للمعيشة، ورغم إن الوضع كان صعب إلا إن جوزي كان مبسوط لأن الجامع كان قريب جدًا من البيت، وبقت حياته كلها عبارة عن انتظار وقت الأذان، ويتحرك للجامع يصلي ويرجع بالعصاية بتاعته بعد ما حفظ الطريق
الجيران تقبلونا وسطهم رغم إنها كانت منطقة أهالي ومكنوش بيدخلوا أي حد غريب وسطهم، لكن راجل كفيف ومراته فالوضع مقبول نوعًا ما، ومن وقت للتاني كانت بتوصلنا أطباق أكل من الجيران وكنت بحاول أعمل زيها وابعتها رغم إن الموضوع كان صعب عليا
واستقرت حياتنا نوعًا ما، لكن أسوأ ما في الموضوع إننا كنا قريبين من الترعة، والمكان كان عامل زي مزرعة الفئران، كل شوية يظهر فار في البيت، وأنا وللأسف كانت عندي فوبيا منهم ومكنتش بتحمل أشكالهم أبدًا، لدرجة إن كانت بتجيلي حالة عصبية أول ما أشوف الفار بيجري في الشارع فما بالك في بيتي
أوقات كنت بصرخ، أوقات كنت بتجمد قدامه، وجوزي مكنش بيقدر يموتهم ولا يطردهم لأنه مش شايفهم من الأساس، وبعد شهرين لقيت الباب بيخبط وكان جوزي بيصلي، وفتحت لقيت شاب شكله غريب شوية، سألني على جوزي وقولتله إنه بيصلي، تفحصني بعنيه بنظرات مقززة وعرفني بنفسه
قالي إنه جارنا واسمه (عياد) وإنه ابن فلان ولو احتجت حاجة أتواصل معاه، استغربت البجاحة اللي هو فيها وقفلت الباب بطريقة عنيفة عشان يفهم إني مش متقبلة إنه يعمل كدا مرة تانية، لكن كان واضح إنها مجرد بداية، لأني عرفت إنه صايع ومبيعملش أي حاجة في الدنيا غير إنه يشاكل في الناس
ولأن أبوه كبير العيلة وكمان تاجر كبير فمحدش كان بيحتك بيه والغالبية كانوا بيسلموا من شره بقلة التعامل معاه، وكان واضح إنه حطني في دماغه لسبب أنا معرفوش، وبقيت كل ما أطلع أنشر الغسيل ألاقيه واقف تحت البيت يبص عليا
ولما جوزي كان بيخرج للصلاة كنت بسمع صوته بيسلم عليه ويفضل يقوله تعالى أوصلك كأنه شحص خدوم، ومن جوايا راح شعور الأمان غصب عني وبقيت أغلب الوقت خايفة، خايفة أخرج، خايفة أروح اشتري حاجات، بل خايفة وأنا نايمة أحسن يدخل علينا
وكل كام يوم كانت بتحصل مشكلة في المنطقة ودايمًا كان هو البطل وهو اللي بيشتم ويزعق ويتخانق، وكان أسهل حاجة إنه يطلع السلاح ويضرب ويتخانق، كانت منطقة أهالي لكن طلعت أسوأ من المناطق الشعبية بسبب العيلة دي بس
والأسوأ كان خروجي للسوق لما بقا يمشي ورايا ويطاردني ويفضل يقرب ويحاول يتكلم معايا، زعقتله كتير وهددته وحاولت معاه باللين، لكن كل اللي كان طالبه رقمي، عايز يتكلم معايا، وبعدها بدأ يتجرأ أكتر ويذم في جوزي، يقولي إنه كفيف، وازاي واحدة زيي تدفن نفسها مع واحد كفيف زي ده، وإني لو وافقت وطاوعته هيديني فلوس وهيحميني ومش هيخلي حد يقرب مننا أبدًا
يومها شتمته في السوق والناس كلها اتجمعت على صوتنا، بص وقتها ناحيتي بصة شيطان غضبان، ومن خوفي استغثت بالله إنه ينجيني منه، لأن النظرة كانت بتقول إنه مش هيسكت، وأنا استحالة أسمحله بس يقرب مني، وبدأت أفكر، أحكي لجوزي الكفيف وأورطه في مشكلة كبيرة، ولا أحكي لأخواته اللي زياراتهم قلت خالص بسبب مشاغل الحياة، طيب لو مشينا هنجيب مكان تمليك تاني ازاي
وفضلت كدا لحد ما في مرة كنت في البلكونة ولقيت فار قدامي، صرخت كالعادة وضربته بالعصاية لحد ما هرب، ومكنتش أعرف إن عنين الشيطان اللي اسمه (عياد) بتراقبني في الوقت ده، وتاني يوم وأنا بطبخ وشباك المطبخ متوارب لمحت حاجة بتترمي جوه، لوهلة مفهمتش ده أيه لحد ما استوعبت إنه فار ميت، قشعريرة مسكت جسمي كله وحسيت برعب غير طبيعي، وبعد معاناة قدرت أشيله وارميه بره البيت بدون عِلم جوزي
لكن الموضوع بدأ يتكرر كتير أوي، ولما حاولت في مرة أشوف لقيت طفلين هما اللي بيعملوا كدا، وعياد كان واقف بعيد بيضحك، واتأكدت إن الشيطان ده هو اللي بيعمل كدا، روحت على بيته بعد تفكير طويل وكلمت والده، واتفاجئت إن أبوه أسوأ منه، وقالي لو رميت ابنه بالباطل مرة تانية هيمشينا من البلد خالص، وإني ست كذابة وضلالية
رجعت مقهورة لبيتي عشان اتفاجئ بيه ماشي ورايا، وهددني تهديد مرعب، هددني إنه هيأذي جوزي لو مطاوعتوش وروحتله بيته بالليل، دخلت بيتي منهارة وخايفة وفضلت استغيث بالله كتير أوي، وبقا خروج جوزي بالنسبالي رعب، كنت بفضل أراقبه من البلكونة وأنا خايفة حد يتعرضله، وحاولت أقنعه يصلي في البيت لكنه رفض تمامًا
ومع الوقت بقا العيال يخلوا جوزي ماشي ويرموا عليه فار ميت، ومرة تاني مسكوا فار صاحي قدام عنيا وحطوه في الجلبية بتاعته من عند رقبته وفضلوا يضحكوا عليه وهو بيتحرك بجسمه من الخضة لحد ما الفار خرج من هدومه
وبعد تفكير طويل قررت أحكي لجوزي، وقررت أترجاه نسيب المكان كله وربنا هيرزقنا في مكان تاني، طالما مستضعفين هنا يبقا أرض الله واسعة، ولما حكيت اتقهرت أكتر بسبب إحساس العجز اللي مسك جوزي، لكن الغريب إنه بعدها ابتسم، وقالي إن مفيش حد مستضعف وهو موكل ربنا بحياته، وأنا يوم ما بقيت كفيف وكلت ربنا بحياتنا وبيكي وبكل خطوة بنمشيها، فوضي الأمر لله وهتتحل
ومعرفش ليه يومها ضحكت وحسيت بطمأنينة غير طبيعية، أنا ليه خايفة من عبد ورب العباد معانا، استغفرت ربنا لأني حسيت إنها جريمة كبيرة عملتها، وبدأت استغيث بربنا ٣ أيام يوميًا، كنت بحوقل كل يوم أكتر من ٥ آلاف مرة، والغريب إن ظهوره قل، وفضل الحال أسبوع كامل مش بشوفه
لحد ما سمعت إنه اتعض، فيه فار عضه وهو جمب الترعة، كان أمر طبيعي ويحصل يوميًا في المكان ده تقريبًا، لكن اللي مش طبيعي إنه جتله حمى بسبب عضة الفار وعملتله أعراض غريبة، طفح جلدي وسخونية، ألم في المفاصل، وبقا بيخرج كل يوم يتوجع في الشارع ويرجع لبيته مرة تانية
فضل شهر بيعاني وكل شوية يروح المستشفى ويرجع تاني، كانت أخباره بتوصلنا من الجيران بصورة يومية، لحد ما الناس لقوه في يوم الصبح مرمي جمب الترعة، الفيران حوليه في كل مكان بتنهش وتاكل فيه، والغريب إنه كان بيتحرك وكان حي، وفضل مريض ٣ سنين مبيخرجش من بيته والناس ارتاحت من شره لحد ما مات يوم السبت اللي فات
مفرحتش في موته، بس فرحت بحاجة تانية، فرحت بسبب رحمة ربنا، فرحت لما اتعلمت إنك متخافش من أي حاجة في الدنيا طالما وكلت أمرك لله، مينفعش تخاف من إنسان زيك، ولا من حيوان، ولا من الكون نفسه طالما أنت في معية رب الكون، حتى الفيران مبقتش بخاف منها، بقيت بستعيذ بالله وأحصن بيتي واخد بالأسباب ولقيت وجودهم اختفى تقريبًا من بيتي
معرفش ليه افتكرت حديث الرسول ﷺ اللي بيقول (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ ) صحيح الترمذي
لو توكلنا على الله واستعنا بيه صح، هنهد الجبال..
.............
بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀
تمت
