سكريبت خليفة ابليس (كامل) بقلم دعاء يونس
يالهوووي! يا خرابي! الحقوني يا ناس! انجدوني يا خلق! جوزي اتقتل! الحقووووني!
صُريخ ملا المنطقة والعمارة، وكان كفيل إنه يخلي سكان العمارة والعمارات اللي حواليها يتلمّوا في غمضة عين.
_ خير يا ست نعمات، إيه اللي حصل؟
_ الحقوني يا خلق، هو جوزي سندي وضهري اتقتل! طلعت من الكوافير لقيت الباب مفتوح، وجوزي مرمي في الأوضة سايح في دمه يا خلق!
_ اهدى يا ست نعمات، أوعي تكوني لمستِ أي حاجة. حد اتصل بالإسعاف والشرطة ولا لسه؟
اتصل الجيران بالشرطة والإسعاف.
وفى دقائق كانت عربيات الشرطة والإسعاف واقفة قدام العمارة، والظباط بينزلوا بسرعة، والمسعفين شايلين شنطهم وطالعين على الشقة.
العمارة اتقلبت زحمة، والجيران واقفين على السلم ، عيونهم مليانة خوف وفضول الكل عايز يعرف ازاى ده حصل.
"أنا المقدم سامي بطرس، أول ما وصلت كان الزحام مالي السلم وحوالين الشقة، وحاولت أفُض التجمع بنفسي عشان أعرف أبدأ شغلي."
_وسع يا ابنى انت وهو من هنا مش عايز لمه عايزين نشوف شغلنا واللى هبفضل واقف هيتاخد على البوكس
بدأ الكل يتفرق
أنا أول ما دخلت الشقة حسّيت بريحة الدم مالية المكان. الراجل مرمي على ضهره في نص الأوضة، والسكينة مغروسة في صدره لحد النص. الدم سايح حواليه
رفعت عيني وبصيت حوالين الأوضة: مفيش حاجة مكسورة، مفيش أي علامة مقاومة.. ده معناه إن القاتل دخل من غير ما يلفت نظر الضحية. يا إما كان يعرفه.. يا إما معاه مفتاح.
أديت إشارة للأمين:
– أقفلوا الباب حالًا.. ومحدش يخرج من العمارة لحد ما أخلص شغلي.
المعاينة بدأت. واحد بيصور الجثة، واحد تاني بيرسم كروكي للأوضة، والتالت بياخد أي بصمات ممكن تفيدنا. وأنا وقفت قدام الست "نعمات" – مراته – اللي كانت منهارة على الأرض، صوتها منبوح من كتر العياط.
سألتها:
– آخر مرة شوفتي جوزك إمتى يا ست نعمات؟
ردت وهي بتترعش، ودموعها بتنزل:
– الصبح يا بيه.. أنا نزلت الكوافير من بدري. أصل كنت عاملة عرض النهارده، والناس اتلمّت علينا من كل حتة. عملت خصم نص التمن لكل زبونة أو عروسة، فا ما شاء الله الزباين كانوا طوابير. من أول النهار وأنا واقفة على رجلي أنا والبنات اللي شغالين معايا، مش عارفين حتى ناخد نفسنا ولا نرفع راسنا.
والله ما حسّيت بالوقت، بين صبغات وتسريحات وفرد بروتين.. لحد ما جه الليل. خلصت ورجعت على طول.. دخلت لقيت الباب موارب، والبيت هادى .. دخلت الأوضة لقيته.. لقيته مرمي قدامي كده، سايح في دمه!
سألتها تاني:
– ولما رجعتي لقيتي الباب كان مفتوح؟
قالت بسرعة:
– لقيت الباب كان موارب.. وأول ما دخلت لقيته مرمي قدامي كده.
ساعتها اتأكدت إن القاتل يا إما شخص قريب، يا إما حد الضحية بنفسه سمح له بالدخول.
بصيت لامين الشرطه وقلت له:
– هاتلي كل الجيران. أي حد شاف أو سمع حاجة من الصبح لحد دلوقتي لازم يقف قدامي دلوقتي.
الجيران اتلمّوا في الصالة، الخوف كلن ماليهم . وأنا واقف وسطهم، بفكر:
_هل ممكن يكون القاتل واقف قصادي دلوقتي؟
وبعدين قولت لامين الشرطه
– اسمع يا ابني، أول حاجة لازم نعملها نراجع الكاميرات. العمارة دي أكيد فيها كاميرات على المدخل، وكمان المحلات اللي تحت. عايز كل شريط من أول النهار لحد دلوقتي.
الامين هز راسه وخرج بسرعة ينفذ التعليمات.
وبصيت للجيران وقولت :
– اللي شاف أو سمع حاجة، حتى لو صوت خبطه أو خطوة غريبة، يتفضل يقول. الموضوع مش هزار.
لكن كان في مشكلة كبيرة بتبوظ الدنيا: الكوافير بتاع الست نعمات تحت البيت. من ساعة ما اتعرف إن جوزها اتقتل، والناس اتلمت عليه كأنه مولد. زباينها، وأهاليهم، واللي معدي من الشارع.. كله واقف بيبص وبيسأل. التجمع ده كان عامل دوشة وبلبلة مخلية أي حد ممكن يدخل ويخرج من غير ما ناخد بالنا.
أنا عارف إن الزحمة دي هتصعب علينا التحقيق. أي حد غريب كان يقدر يندس وسطهم ويطلع على الشقة. ودي ثغرة خطيرة لازم نقفلها بسرعة.
أديت أوامر للأفراد اللي معايا:
– وسّعوا الشارع، ممنوع حد يفضل واقف. أي تجمع يتفض فورًا. واللي مالوش لازمة هنا، يتاخد على القسم.
رجعت أبص تاني على الجثة، ودماغي شغالة:
"السكينة دي.. يا ترى من مطبخ البيت ولا القاتل جابها معاه؟"
سألت الست نعمات:
– يا ست نعمات.. السكينة دي من عندكم؟
وشفت عينيها وهي بتوسع من الصدمة وبعدين اتوترت واتلخبطتت وقالت
– دي لا لا لا مش من مطبخى ..او ممكن تكون شبه الطقم اللي في المطبخ يا بيه مش عارفه..
حسيت وقتها ان فى حاجه غلط وان ده ممكن يكون طرف خيط
ردها كان مرتبك.. عينها بتزوغ، وصوتها بيتلخبط بين مش من مطبخي وممكن تكون شبه الطقم
ساعتها حسّيت إن في حاجة غلط.. ردها ده مش عادي، دي مش صدمة بس، ده ارتباك واضح.
السكينة: احتمال تكون من مطبخ الشقة. الزوجة مترددة في التأكيد.
بصيت لها بتركيز وقلت:
– يا ست نعمات، عايزك تركزي معايا. الكلام اللي بتقوليه دلوقتي مهم جدًا. لو السكينة دي من مطبخكم يبقى القاتل دخل المطبخ.. يعني اتحرك بحرية في الشقة من غير ما حد يوقفه.
حسيت انها مش عارفه تجاوب من الارتباك.
أنا في اللحظة دي قررت ادخل المطبخ بنفسي.. أول ما فتحت درج السكاكين لقيت نفس الشكل، . مفيش اختلاف.
وقفت قدام الدرج وقولت:
_يبقى القاتل استخدم سكينة من مطبخ البيت نفسه.. يعني دخل وفتح الدواليب براحة كأنه واحد من أهل البيت.. أو على الأقل شخص الضحية نفسه وثق فيه وسمح له يلف في الشقة زي ما يحب.
رجعت الصالة وبصيت للجيران اللي واقفين مستنيين دورهم في الاستجواب.
قلت للامين:
– خليني أبدأ بأقرب الناس. عايز شهادات بنات الكوافير اللي شغالين مع نعمات، وأي خلافات بينهم وبين جوزها. ساعات الجرائم دي وراها تفاصيل صغيرة بتبان تافهة لكن بتقلب القضية كلها.
وبصيت للست نعمات تاني، والريبة لسه جوايا:
_هل هي فعلاً مصدومة؟ ولا بتحاول تبعد الشبهة عن نفسها؟
أول ما رجعت قعدت في الصالة، المعاون جابلي ٣ بنات من الكوافير. باين عليهم مرعوبين من اللي حصل، وشكلهم مش مصدقين إن جوز صاحبة الشغل مقتول فوق دماغهم.
بديت التحقيق بأول واحدة، اسمها سحر:
– إنتِ يا بنتي، كنتي في الكوافير طول اليوم؟
هزت راسها وقالت:
– أيوه يا بيه، من أول النهار وأنا شغالة. الناس كانت كتير جدًا، لدرجة إني ما لحقتش حتى أفطر.
سألتها:
– طيب، شوفتي جوز ست نعمات النهارده؟ نزل لكم؟ دخل الكوافير؟
قالت بسرعة:
– لا يا بيه، ماشفتهوش خالص. من امبارح بالليل ماشفناهوش.
كملت مع البنت التانية، منال:
– شوفتى او سمعتى اى حاجه غريبه، جوز نعمات ماظهرش النهارده خالص؟
قالت:
– نفس الكلام يا بيه. إحنا طول اليوم تحت، والزباين ماليين المكان. ماحدش فينا طلع فوق ولا يعرف إيه اللي كان بيحصل.
جت للتالتة، هالة، ودي كانت مترددة شوية.
– إيه يا هالة؟ إنتِ ساكتة ليه؟ شوفتي حاجة؟
ردت بصوت واطي:
– مشفتش يا بيه.. بس.. أنا سمعت.
قربت منها وقلت:
– سمعتي إيه؟ قولي.
قالت وهي متوترة:
– حوالي الساعة ٣ العصر، وأنا واقفة عند الباب، سمعت صوت خبطه جامدة فوق.. زي حاجة وقعت أو باب اتقفل بعنف. بس لما بصيت للسلم لقيت الدنيا هادية، فافتكرت إن يمكن حد من الجيران فوق.
سجلت كلامها فورًا
_صوت خبطه في وقت العصر تقريبا ممكن تكون لحظة ارتكاب الجريمة.
ساعتها ندهت على الأمين وقلت:
– لازم الكاميرات. بسرعة. هاتلي تسجيل الكاميرات بتاعة مدخل العمارة والمحل اللي قصاد الكوافير. عايز أعرف مين طلع ومين نزل من أول النهار.
بعد ما جالي التسجيلات من الكاميرات، قعدت أتفرج عليها دقيقة بدقيقة. لكن الحقيقة طلعت صادمه الزحمة قدام الكوافير من أول النهار كانت عاملة ستارة بشرية. الناس داخلة وخارجة، عربيات واقفة، عيال بتجري.. أي وش ممكن يندس بينهم ويمشي عادي جدًا من غير ما الكاميرا تلمحه. مافيش وقت محدد واضح، ولا ملامح حد باينه
وبعد ساعات من الانتظار، جالي تقرير المعمل الجنائي. البصمات اللي اتجمعت من على السكينة ومن الأوضة اتفرزت كلها. والنتيجة؟ ولا بصمة واحدة راجعة لحد من أهل العمارة أو حتى لمراته نعمات. كله غريب، مالوش سجل قريب من المكان.
قعدت قدام الورق وحسيت إن القضية بدأت تدخل في نفق مظلم. لا شهود مؤكدين، لا كاميرات واضحة، لا بصمات معروفة.
كتبت في المحضر:
_حتى الآن لا توجد أدلة مادية كافية لتحديد هوية القاتل.و تم إبلاغ النيابة، والتحقيقات مستمرة، ولكن القضية تُعتبر في حكم المجهول.
وأنا واقف قدام الجثة آخر مرة قبل ما يرفعوها، كان عندي إحساس غريب جوايا:
_مفيش جريمة بتتم من غير غلطة.. اللي قتل ده سايب وراه حاجة.. يمكن لسه متشافش.. ويمكن لما يظهر، كل حاجة هتتقلب من أول وجديد.
_أنا لأول مرة من ساعة ما مسكت شغل المباحث، حسيت بخنقة ويأس كده. طول عمري متعود ألاقي خيط، أي تفصيلة صغيرة تشدني ناحية الجاني.. لكن المرة دي، كل الأبواب مقفولة، وكأني عاجز تمامًا أوصل للحقيقة.
وزي ما قولت، مش دايمًا الحقيقة بتستخبى كتير. في يوم وأنا قاعد، لقيت العسكري بيخبط وبيقولي:
_في واحد عايز حضرتك، وبيقول إنه عنده معلومات هتفيدك في قضية اتقفلت، وإنه عارف مين هو الجاني.
– دخله بسرعة يا عسكري
– تمام يا فندم
وبعد ثواني دخل راجل شكله في الثلاثينات من عمره.
– اتفضل اقعد، وياريت لو عندك حاجة مفيدة تدخل في الموضوع على طول. قضية إيه اللي بتقول عندك معلومات بخصوصها؟ بس قبل ما تبدأ، عرفني عن نفسك الأول.
– أنا اسمي عمارة عبد التواب، عندي 38 سنة، ساكن في عمارة الست نعمات وجوزها المرحوم محسن منصور، وعندي معلومات بخصوص القضية دي.
– بتقول عندك معلومات عن القضية، صح؟
– أيوه يا فندم.
– وكنت فين من الأول قبل ما القضية تتقفل؟
– كنت خايف يا بيه. بس حضرتك تقدر تضمنلي إن محدش يتعرضلي؟
– اتكلم، وأنا بوعدك إن محدش هيقدر يمسك بأي أذى. إنت في حمايتي أنا شخصيًا.
– هتكلم يا بيه وهقول على كل حاجة.
– تشرب إيه الأول؟ وحاول تهدى أعصابك وانت بتتكلم عشان ما تنساش أي تفصيلة.
– ممكن فنجان قهوة.. لأني ما نمتش من امبارح.
– تمام.. يا عسكري، هاتلي هنا اتنين قهوة.
– تشربها إيه؟
– ياريت سادة.
– هات يا ابني اتنين قهوة سادة وازازتين مياه ساقعة.
– حاضر يا فندم.
– ها، تقدر تتكلم لحد ما القهوة تيجي؟
يتبع
