رواية القلب يعشق مرتين الفصل الثالث عشر 13 بقلم هند سعدالدين
ـ يحيي؟ هو إنت صاحي يا حبيبي؟
مديت إيدي على كتفه، وملست عليه بهدوء ودلع..
حسيت بجسمه بيتشنج، سمعت صوت نفسه التقيل، خارج منه كإنه مكبوت طول الليل!
ولما سمعت التنهيدة اللي شبه الشحتفة، اتخضيت!
قومت من جمبه، أول ما حس إني ببص عليه، قعد وبص لي..
ماكنش هو، مش يحيي اللي عرفاه.
عيونه اتبدلوا، العين اللي طول الليل كانت شايلاني كإني كنز جري وراه سنين وما صدق لاقاه، اتحولوا لعينين غريبة، بتتهتمني بالباطل وترميني بسهام..
عين حدّ اتكسرت جواه حاجة وبيحاول يخبي.
ـ خبيتي عليا ليه؟
غطيت نفسي من غير ما أفكر، قعدت على طرف السرير.
كان ماسك قميصه بإيده، أصابعه بتترعش وهو بيلبسه.
ما قربش..
ما لمسش إيديا..
ما قالش "صباح الخير يا عروستي" زي ما كنت متخيلة.
كلمته، بصوت واطي كإني بخاف من الإجابة:
ـ كنت مفكراك عارف!
ـ من مين، هعرف من مين لو مش منك؟
لإنك عارف إني اتعرضت لاعتداء..
قاطعني..
ـ اعتداء مش اتفاجئ إن البكر الرشيد مش بكر أصلًا!
كان بيبص لي كإنه قرفان من حاجة، حسيت إني متعرية..
لبس الساعة، شدّ الحزام، وهو بيقول جملة خلّت الدنيا تلف:
ـ كنت أتمنى… تعرفيني الحقيقة قبل الجواز.
اتسمرت.
حسيت بلسعة ساقعة بتسري على ضهري.
ـ يحيي…
ـ ما تقوليش حاجة دلوقتي.
قعد على الكنبة، مسك راسه بإيده…
وشه متغيّر..
مش غضبان… لأ..
ده وش حد عمل حاجة وندم عليها
قربت خطوة…
بس لقيت صوته بيكسر الهواء:
ـ ليه خبيتي؟ أنا حبيتك يا سلمى ووثقت فيكي، سلمت لك كل مفاتيحي، كنت كتاب مفتوح قصادك، عملت عشانك كتير، مشيت لك سكك وروحت وراكي زي الغبي، وأنا عارف إنه طريق مش هيوديني للخير أبدًا، عرضت نفسي للخطر بدل المرة عشرة، تفتكري عملت ده ليه؟
بصيت له واتجمدت مكاني..
ـ ردي يا سلمى، ليه هه؟ بكره نفسي للدرجة دي؟ وبحب لها الأذى؟ ولا عشان مغفل حبيتك وقلت مش مهم أي حاجة، سلمى اللي حبيتها سنتين في السر قصادي، ضحكتها يا واد ليك، كلامها ومشاعرها عشانك، بتستغفليني..
دموعي نزلوا من صعوبة الكلام.
كلامه كان بيمد إيده عليا..
ـ كنت هقولك، والله كنت هقولك..
قرب مني، نظراته كانت باردة..
ـ إمتى؟ قبل الفرح بنص ساعة؟ ولا بعد ما أبقى جوزك وخلاص؟ ولا كنتي مستنية إيه؟
سكت شوية، وصوته علي:
ـ يمكن كنتي مستنية معاملتك الحلوة تشمع عيني وأنا ماصدقش ولا أخد بالي، مغفل بقى وعبيط؟
ـ يحيى أنا… اتدمرت، اتبهدلت، اتحطمت، وإنت جاي تحاسبني على إن صوتي اتقطع وأنا بحكي؟ أنا كنت خايفة…
خايفة بجد.
سقف لي..
قرب، خطوة واحدة..
بس الخطوة دي كانت أكبر من أي كلام.
وقف قدامي…
عينه على عيني.
صوته واطي، شبه الهمس:
ـ يا ترى خوفتي من إيه؟ إني أسيبك ولا من اللي اتعمل فيكي؟ خوفتي منّي ولا خفت عليّ؟
كان صوتي طالع خايف، كنت زي اللي في محطمة والقاضي حبيبي..
ـ خوفت عليك…
ـ برافو، لأ شاطرة، خوفت عليّك؟
ضحك تاني، الضحكة اللي بتلسّوع.
ـ تنفعي ممثلة، اتصدقي؟ مبهرة ومسلية، كل يوم بحدوتة شكل، شوية هلاوس وشوية الناس اللي مش فاهم بتطاردك ليه، وشوية الواد اللي كنتي ماشية معاه، واللي مش بعيد تكوني سلمتي له نفسك وجاية تعيشي عليا دور المغلوبة على أمرها..
ـ اخرس، إنت إزاي تقول عليا كده..
ـ هو أنا لسه قلت حاجة؟
الكلمة دي ما كانتش كلمة.. كانت حجر.
اترمى في قلبي.
قربت منه خطوة..
بس رجلي كانت بتترعش، كإني ماشية على إزاز مكسور.
ـ إنت مش متضايق عشان متطلعتش بنت، إنت متضايق إني معرفتكش، احساسك بفقدان السيطرة عليا هو اللي واجعك، بس اعرف إنك بتظلمني…
ضحك وهو واقف قدامي، ضحكة هزمتني…
ضحكة حدّ مش مقتنع بأي حرف خارج منّي.
ـ ظلم؟
ده أنا لسه ما ابتديتش حتى..
مسح دموع كانت واقفة عند رموشه، يمكن دموع غضب أو ندم…
بس كانت موجودة…
رغم إنه بيحاول يخبيها بكل الطرق.
ـ أنا… كنت عايز واحدة تبقى ليا… تبقى بتاعتي… تبقى نضيفة.
الكلمة دي نزلت عليا زي طلقة بمسدس قريب مني، جات في روحي.
ـ نضيفة؟! إنت بتتكلم عن إيه؟ إنت سامع نفسك؟
ـ آه، وسامعك إنتي كمان.
بصّ للسرير…
السرير اللي كان من ساعات مكان للحنان والأمان.. دلوقتي بقى ساحة جريمة.
سكت شوية…
وبعدين قال الجملة اللي كسرت ضهري وكملت عليا:
ـ أنا مش هقدر أكمل وأنا حاسس إني اتضحك عليّا.
رفعت وشي.
الدموع وقفت تلقائيًا، مكانتش دموع انهيار، كانت دموع يقظة.
ـ إنت فعلاً شايف إني ضحكت عليك؟
مجاوبش. بس عينه قالت آه.
ـ طب اسمعني بقى..
سكت، ما اتكلمش.
قعد كإنه مستعد يتلقى حكم.
قربت، وقعدت قدّامه على الأرض.
على مستوى تعبه، وانكساره…
بس مش على مستوى الاتهام اللي رماه عليّا.
ـ أنا مكنتش بستخبى منك، كنت بستخبى منّي أنا، بحاول مفتحش حاجة أنا مش قدها، أنا اللي اتكسرت ١٠٠ حتة، وأنا اللي اتاخد مني حاجة بالغصب وبمنتهى الوحشية، ده ماكنش سر هين خبيته عليك، دي حتة مني اتسرقت قدام عيني.
نزلت دمعة من عينه، مسحها بسرعة، كأنه بيحارب الضعف.
ـ ليه مقولتليش؟
ـ عشان كنت هتعمل كده، هتقفل وشك، وهتعاملني برخص
وهتبص الناحية التانية، وهتجرحني بكل الطرق الممكنة والمش ممكنة..اممممم، زي دلوقتي.
مابصش عليا.
فضل يبُص في الأرض.
ـ أنا كنت فاكرة إن الحب بيخلي الناس تحن على بعضها، مش تيجي مكان تعويرتي الميتة وتحييها، كنت فاكرة إن الحب بيغفر ويطبب الخاطر بس طلع بيجرح برضه، كنت شايفة إنه بيخلي الناس تحس بالأمان، تفتكر هعرف أرجّع نفسي بعد اللي إنت قولته بالطريقة البشعة الرخيصة دي؟
سكت.
سكت كإنه بيحاول يفهم كلامي ويعيد ترتيبه..
ـ يحيي، إنت ليه شايف نفسك ضحية؟ مين اللي اتضرب؟
مين اللي اتسحب من شعره؟ مين اللي اتهان؟ مين اللي نام يومها وهو فاكر إن ده آخر يوم في عمره؟
أنا ولا إنت؟
رفع راسه…
لأول مرة عينه لمست عيني من غير غضب.
ـ كل الحكاية إني ماكنتش جاهزة احكي، وإني توقعتك عارف!
شاورت له على السرير بتاعنا..
ـ ليلتنا دي كشفت نظرتك ليا، المفروض صباحيتنا النهاردة، عمومًا صباحية مباركة يا عريس..
ـ أنا لازم امشي، لو قعدت مش عارف نفسي ممكن أقول أو أعمل إيه!
لف وشه، مسك مفاتيح العربية، لبس الجاكيت وهو بيترعش.
مشي…
من غير ما يبص.
ولا حتى قال كلمة.
أنا فضلت واقفة..
باصة للباب يمكن يرجع ويقولي اسف، لحد ما سمعت صوت الباب وهو بيتقفل…
#القلب_يعشق_مرتين
الحلقة الثالثة عشر
