رواية القلب يعشق مرتين الفصل السابع 7 بقلم هند سعدالدين
ـ اشمعنا أنا وليه مصمم عليا أنا بالذات؟!
ـ مفيش راجل عاوزة واحدة هيطلعها من دماغه وده من تصرفاته شكله مهووس بيكي!
دماغي كانت وجعاني من كتر التفكير، أنا ما صدقت نسيت وبدأت أعيش حياتي..
ـ مش يمكن حد تعرفيه يا سلمى، مش معقول مش عارفك، ده زي ما يكون مراقبك!
ـ بس أنا معرفش حد غير سليم..
غمض عيونه لثواني، اتنفس بغضب!
ـ سليم، سليم مين؟
رديت بعد اكتراث..
ـ واحد حبيته زمان، بس طلع كذاب..
ـ مش يمكن هو..
قلبي انقبض، والتفاصيل بتروح وتيجي على عقلي، في ذكريات كتيرة عقلي زي ما يكون حذفها، مش قادرة أفتكر حاجة عنه، ملامحه ضبابية..
دماغي اشتغلت زي فيلم متقطع، صوت هوا، ريحة تراب، باب بيترزع، نفس سخن ناحية رقبتي، حد بيلمسني مش طريقة معتدي خالص!
ـ مش سليم..
ـ وإيه مأكد لك، اللي بيكدب بيقدر يعمل أي حاجة..
ـ الصوت! أنا مش ناسية صوته يا يحيي، صوته كان مميز أو يمكن طريقته، هو مش من هنا، لكنته مش شبهنا، لكنته تقيلة وبيتهته لما بيتعصب!
حط إيده على دماغه..
ـ بس ده مش كفاية يا سلمى، محتاج اسم، ملامح، علامة، أي حاجة نمسكها..
عضيت على شفايفي..
راح مبقرق وكلمني زي اللي لقى كنز..
ـ هو إحنا محتاجين تفاصيله ليه! مش قبل كده الشرطة قبضت عليه؟
ـ للاسف لما سمعوا عربيات الشرطة، جريوا، أنا لما فوقت ماكنش فيه غيري قصاد الشرطة، وبالفعل بحثوا عنهم كتير وموصلوش لحاجة، اتأيدت القضية ضد مجهول، للاسف فيصل مفيهاش كاميرات!
ضرب بإيده في الحيطة اللي ساندين عليها قصاد انتظار الباص!
ـ اهدى يا يحيي، أنا كده هضطر احكي لبابا..
بص لي باهتمام..
ـ هو ما يعرفش؟
ـ يعرف الموضوع القديم، لكن اللي حصل الفترة دي، اممم، لأ..
ـ ليه؟
ـ بابا شديد حبتين، مش بحب أعرفه حاجة..
ـ طب اهدي وبطلي قرقضة في ضوافرك، متقلقيش يا سلمى، أنا موجود..
ـ أنا خايفة افتكر يا يحيي! خايفة اتصدم أكتر..
قرب لي بخطوة محسوبة عشان ما يزيدش توتري، خطوة بس كان في اطمئنان..
ـ مش عاوزك تخافي ولا عاوزك تفتكري، أنا عاوزك تكوني حريصة في كل خطوة بتمشيها، ودايمًا تكوني مركزة وعارفة بتتكلمي مع مين وبتقولي له إيه!
هز راسه يمين وشمال، بص في الأرض كان حاسس بالذنب، وكان زي ما يكون بيتكلم جوا منه.
مد لي إيده، ملمسنيش بس زي اللي بيرمي لي طوق نجاة ومنتظرني أخد قرار..
ـ أنا دلوقتي اللي شاغلني حاجة تانية..
ـ خير..
ـ خايف عليكي تروحي لوحدك..
زي اللي قرأ اللي بيدور جوايا..
ـ بصراحة وأنا كمان!
ـ اسمعيني بهدوء وبعدها قرري.. لو عاوزاني أستناكي هنا لحد ما اتطمن إن الباص طلع ماشي، عاوزاني أطلب لك أوبر مفيش مشكلة، عاوزاني أجي أروحك وأجيبك كل يوم من البيت مفيش مانع، اعتبريني حارس شخصي طوع أمرك.. أنا مش عاوز أفرض نفسي عليكي، إنتي بالنسبة لي.. امممم.
ابتسمت وبصيت له بإريحية شوية.. عشان يكمل، اتنفس بعمق وقالي..
ـ سلامتك أهم من أي حاجة يا سلمى..
بصيت له بنظرة نصها خايف ونصها حاجة تانية، حاجة مكسوفة اعترف لنفسي بيها.
ـ أنا مش قادرة.. مش قادرة أعيد كل ده دماغي تاني، ما صدقت بابا رفع عني حراسته!
قاطعني بخفة، كإن صوته بيحاول يطبطب على الخوف اللي جوايا:
ـ مش هحسسك إني بأيد حريتك، هفضل بعيد، جربي..
ـ طيب والخيط اللي انت عاوزني افتكرهولك؟
ـ إنتي فاكرة إني عاوزك تفكّري في حاجة وأنا موجود؟
ضحك ضحكة حزينة…
ـ أنا مش عاوز حتى دماغك تقرب من اللحظة دي… أنا نفسي أنساها مكانك، ولو بإيدي كنت آخدت كل وجعك.. ولو ينفع أشيل من قلبك الذكرى دي بإيدي… ماكنتش اترددت ثانية واحدة، أنا بس محتاج اطمن، عليكي..
عديت لساني على شفايفي، حسيت بالارتباك.
ـ طب… دلوقتي؟ نعمل إيه؟
قرب، ووقف عند أول حدود أماني…
ـ دلوقتي؟ نِمشي خطوة خطوة، مش علشان اللي حصل… علشانك إنتي.
سكت ثانية، وبصّ للأرض:
ـ لو مش حابة تروحي، أنا ممكن لو تحبي، أقعد معاكي في أي كافيه وسط الناس… لو عاوزة تركبي الباص، هفضل واقف قدامه لحد ما يمشي.. لو عاوزة تمشي… هامشي وراكي من غير ما تحسّي إن في حد مراقبك.
رفعت له عيني..
ـ ليه بتعمل كده؟
ـ يمكن لو كنا في وضع تاني، أفضل من ده، كنت رديت عليكي، أي رد دلوقتي هتحسي إني بستغل الوضع وأنا مش حابب تكون دي افكارك عني!
بصيت له بنصف عين..
بصوت واطي.. قلت له:
ـ خليك يا يحيي جمبي..
بص لي وابتسم، رجعت شعري ورا ودني وعدلت كلامي..
ـ أقصد لحد ما الباص يمشي يعني.
ابتسم تاني زي اللي أخيرًا جاب هدف لفريق خسران..
وقفت جنبه، يمكن لأول مرة من غير ما أحس إني لازم أهرب فورًا.
الهوا كان خفيف، بس جسمي كله كان واقف زي شمعة في مهب ريح.
وقف جنبي، سايب مساحة أمان ما بيننا، كإنه حافظ المسافة اللي ما ينفعش يعدّيها.
سألني من غير ما يبص لي:
ـ أحسن كده؟
ـ آه…
وأول مرة أحس كلمة “آه” دي طالعة من مكان جوايا مش محروق.
الباص بدأ يتحرك جوّا المحطة… السواق طفى سجارته وفتح الباب.
قلبي اتنفض.
خطوة… هركب.
خطوة… هرجع.
خطوة… أخاف.
بص لي بسرعة لما حسّ إن نفسي اتقطع:
ـ لو مش قادرة… قولي، مش لازم تركبي، مش لازم تروّحي.. ومش لازم تمثّلي إنك بخير.
نبرة صوته… فيها رجولة هادية، مش رجولة بصوت عالي.
نفسي اتظبط شوية…
مديت رجلي ناحية أول سلمة في الباص…
وقف ورايا، مش قريب أوي ولا بعيد، كان بالقرب الكافي إني أحس إني مش لوحدي..
وقبل ما أطلع، قلت له:
ـ شكرًا..
ـ أنا اللي بشكرك، ادتيني فرصة وسمعتيني، سمحتي لي أفضل جمبك..
طلعت… قعدت جنب الشباك.
فضل واقف برا، ماسك الموبايل كأنه بيكتب حاجة… وبعدين تراجع… وقفل الشاشة.
الباص اتحرك.
حرك شفايفه " خلي بالك من نفسك"
حركت شفايفي وقلت له " وإنت كمان"
فتحت الشباك، شق صغير…
هوا البحر دخل… بس بدل ما ريحته تخوّفني… حسّيت بجملة تتكوّن في دماغي:
“يمكن… يمكن مش كل الناس شبه بعض.”
الموبايل هزّ في جيبي.
رسالة.
من رقم غريب…
من رقم مافيهوش اسم…
من رقم مش بتاع يحيي…
ولا بابا…
ولا ماما.
فتحت الرسالة…
ولقيت جملة قصيرة… مخيفة…
جملة بتخبط زي حد بيخربش على باب عقلك:
"لسه ما خلّصناش يا سلمى، أنا شايفك."
قلبي وقع.
رفعت عيني…
من الشباك…
لحد ما شوفت يحيي بيجري ورا الباص…
عينه مفزوعه…
وبيصرخ عشان السواق يقف
بس الصوت ما بيوصلش.
#القلب_يعشق_مرتين
#الحلقة_السابع
