رواية القلب يعشق مرتين (كاملة جميع الفصول) بقلم هند سعدالدين
ـ تفتكري الاكتئاب هو الحل يا سلمى؟
صوت ماما كان هادي لكن حاسم.
ـ يا بنتي مفيش حد بيموت نفسه عشان مأخدش اللي بيحبه، اللي بتعمليه ده حرام..
سكتت، كنت حاسة إن نفسي تقيل، كإني شايلة جبل على صدري..
ـ محدش حاسس بيا يا ماما، سليم ده حب عمري، كسرني من جوايا..
اترميت في حضنها، دموعي كانت نازلة كما الشلال، كنت بعيط من صدمتي في الراجل الوحيد اللي قلبي حبه واللي فتحت عيني عليه وبعدين اختفى في يوم وليلة من غير سبب..
كانت بتطبطب عليا وأنا عارفة إن قلبها واجعها عليا..
ـ الوقت هيعدي وهتنسي، مفيش حد بيزعل على حاجة طول العمر..
ـ بس أنا كنت بحبه من قلبي..
ـ وهو ما يستاهلكيش، ما يستاهلش قلبك، وماكنش شبهك، حبك كان كبير أوي على واحد زيه، حاسس بالنقص دايمًا..
ـ طب أنا.. أنا مستاهلش أتحب؟ أنا ماكنتش عاوزة حاجة غير إننا نبقى سوا طول العمر...
ـ تستاهلي كل حاجة حلوة يا سلمى، يا بنتي يا حبيبتي، افهمي، هتكبري وهتفهمي إن الحب مش أهم حاجة في الدنيا، وإن البيوت ما بتتبنيش بيه، التناسب مهم والراحة مهمة، والأخلاق مهمة، والأصول والدين كل دول أساس، وعشان تبني علاقة حطي أخر طوبة فيها الحب..
ـ ليه نصيبي دايمًا من الفرحة ناقص؟
ـ عشان لسه ربنا شايلك فرحة تستاهلك، اتعلمي من الوجع بس ما تسيبيهوش ياكلك من جوا ويقضي عليكي..
مسكتني من كتفي، كانت بتهزني، وهي بصالي بحنية وبتضحك نص ضحكة..
ـ أنا بس نفسي أفهم يا ماما ليه اختارني أنا، أنا مطلبتش منه يحبني، وكنت بصده، هو اللي كان مصمم، معقول كان قاصد يوجعني؟ معقول ربنا كتب لي التعاسة..؟
ـ ما ينفعش تقولي كده على ربنا، اتأدبي وإنتي بتتكلمي عن ربنا! ثم فين حسن ظنك بالله؟ اعرفي يا سلمى.. ربنا اداكي درس قاسي عشان تتعلمي بعد كده تحافظي على قلبك، ثم إنك في سنة رابعة جامعة، هتسيبي السنة تروح عليكي هي كمان؟ لما تيجي تخسري يا سلمى متستسلميش وتخسري كل حاجة مرة واحدة عشان لما تفوقي هتندمي ومش هتعرفي تصلحي إيه ولا إيه..
ـ يا ماما..
ـ كفاية ندب يا سلمى الله يكرمك، الترم الأول راح عليكي، أربع شهور زعل على واحد شبه خلة السنان، إخص عليكي يا سلمى، كنتي عاوزة تبوظي النسل!
ابتسمت ودورت وشي، ولما رجعت أبص لها لقيتها بتضحك فانفجرنا في الضحك سوا..
ـ على فكرة شكله في الحقيقة أحلى واتخن!
ـ مش بتاعنا يا سلمى، الله يصلح حاله، قومي ذاكري..
فات شهر..
وجات فترة ما قبل الامتحانات، وانشغلت ما بين الكورسات وشغلي في الجاليري بتاع ماما..
كان بيعدي عليا وقت وانتكس وأقعد أبكي الأطلال وحظي، لكن ما بتعديش دقايق إلا وارجع لحياتي تاني..
في الأول والأخر محدش فعلاً بيموت من غير حد، الحياة ماشية بشكل طبيعي، باكل، بشرب، بخرج مع صحابي أي نعم بقيت أهدى من الأول بس الوقت كفيل يرجع كل حاجة على طبيعتها..
رن تليفوني وأنا قصاد الجامعة، كانت رحمة صحبتي..
ـ سلمى إنتي فين؟
ـ أنا قدام باب تجارة انجلش زي العادة رايحة أجيب نسكافيه لحد ما الباص ييجي..
ـ طب إنتي عملتي حسابي في ملزمة التكاليف؟
ـ إنتي ما قولتليش يا رحمة..
ـ طب وحياتي عدي على المكتبة هاتيها لي..
ـ طيب اقفلي أنا رايحة..
ـ باي يا بيبي، happy valentine day .
ـ كل الأحبة اتنين اتنين، وأنا والملزمة وهواك، ناس ليها المحاضرات وناس نازلة تحتفل، اقفلي يا سخيفة..
المكتبة كانت في شارع جانبي قصاد الكلية، روحت اشتريتها ولفت نظري محل ورد جنبها، سبحان الله مأخدتش بالي منه الصبح!
قلت جوا مني، مش هحرم نفسي بحاجة، هشتري لنفسي ورد وهحتفل مع نفسي، أنا أولى بالحب من أي حد..
عديت على كافية Bounty أخدت النسكافية..
على غير العادة ابتسمت للباريستا وهو بيناولني النسكافيه، معرفش إيه شدني أروح انتظر الباص بس على البحر، كده كده لو جه هشوفه لإنه بيعدي من هنا..
مشيت بروح خفيفة، محبة للحياة..
كل الحبايب متجمعين على الكورنيش، بعدت شوية عنهم، خوفت أبص لهم بعين حنين واحتياج..
قعدت في حتة نورها بيجي ويروح، بعيد عنهم في الروقان والهدوء..
مسكت الورد بتاعي واسكتشاتي حطيتهم على الصخور وكنت بحاول أرفع نفسي على الصخر..
ـ تحبي أساعدك؟
بصيت له من فوق لتحت، ورديت باقتضاب..
ـ لأ..
متأملتش في ملامحة أوي، ماكنتش مهتمة.. زائد إن النور كان بيروح وييجي..
بس لو هوصفه.. شاب طويل، اسمراني على ما أعتقد، عنده دقن وشعره أسود وناعم، وريحته.. امممم ريحته مميزة وحلوة..
طلعت الهاندفري وبصيت للبحر، كنت زمان بسأل نفسي إيه يخلي حد قاعد لوحده سرحان وبيبص على البحر، دلوقتي عرفت، أخدت نفس عميق وشغلت ابليكيشن أنغامي على أمال ماهر..
" ضميرى بيأنبني عشان خانتني دموعي لما قلت لي هتسيبني
مش حابة بالذات إنت تبقى شايفني في عز ضعفي اللي غالبني.."
حسيت بحد بيحط إيده على كتفي، انتفضت، جسمي اتجمد، صوت ضحكة رخيم وبعده همس مقزز..
اتشجعت وقلت..
ـ إنت مجنون ولا إيه؟
ـ طب إيه العسل لوحده ما تيجي معانا..
حد جه قعد من الناحية التانية، حسيت بالخوف، فضلت أعيط واترعش وأنا مغمضة عيني..
سمعت ناس بتتخانق جمبي، وإيدهم اللي كانت بتستبيح جسمي اتشالت من عليا..
فتحت عيني بخوف، لقيت شاب بيضربهم واتكاتروا عليه وكان بيضرب وبيتضرب..
لقيتني بصوت والناس بدأت تاخد بالها، ولما شافوا الناس بتجري جريوا هما كمان..
ـ إنتي كويسة؟
ـ إنت اللي كويس؟
ـ مش مهم أنا، إنتي بس طمنيني عليكي..
كان متعور في وشه وإيده اليمين حاطتها ورا ضهره، ومع ذلك كان مبتسم، بس ابتسامته كانت مكسورة وده أشبه وصف..
ـ أقعد أنا معايا مناديل وكحول، في جرح فوق عينك بينزف..
ـ بجد؟
قالها ولمس وشه..
ـ اهدى متقلقش..
ـ أنا مش قلقان غير عليكي، لإنك في حتة مفيهاش ناس والإضاءة بتروح وتيجي وده مش كويس، ده غير إن ممكن الشباب دي تيجي تاني..
ـ طب تعالى معايا..
مسكته من إيده الشمال، عديت الطريق، وروحت الكافيه، طلبت منهم مستلزمات اسعافات..
ادوني قطن وبيتادين ولاصق جروح..
ـ بص هتتوجع شوية بس معلش استحمل..
عقمت إيدي بالكحول، أخدت قطعة قطن وحطيت عليها بيتادين، وبدأت أطبطب على الجرح..
قفل عيونه أعتقد من لاسعة التعويرة، قربت منه نفخت له فيها، فتح عيونه وكانت المسافة ما بيننا لا تذكر..
اتمليت في ملامحه المرة دي..
عيونه عسلي فاتح، عنده غمازات، وريحته ما زالت لطيفة..
كان هو كمان مندهش..
فوقت وبعدت نفسي عنه، لكنه ما زالت مرسومة على عيونه وتعبيرات وشه نفس النظرة..
اتوترت، وفتحت لاصقة جروح..
ـ ميكي؟ أنا أحط لازقة عليها ميكي!!
حطيت شعري ورا ودني، ودورت كويس على لازقة تانية..
ـ طب تاخد بطوط؟
أنا قولتها بحسن نية، لكنه انفجر في الضحك، وكان صوته صاخب جدًا والناس في الكافيه كانت بتبص لي..
حطيت إيدي الاتنين على شفايفه..
ـ هششش، الناس بتتفرج علينا..
نزل إيدي..
ـ ميكي أرحم من بطوط..
ابتسمت..
حطيت له اللازقة واستأذنته امشي عشان ألحق الباص..
صمم ييجي يوصلني للباص..
ـ أنا اسفة جدًا على اللي حصلك..
ـ فداكي يا... هو ممكن أعرف اسمك إيه..
مديت إيدي اسلم عليا، ولاحظت إنه بيكافح عشان يرفع إيده..
نزلت إيدي وقلت له..
ـ اسمي سلمى..
ابتسم وقالي وأنا يحيي..
ركبت الباص وكان واقف على الرصيف بيبص عليا، وكان ماسك دراعه..
شاورت له من الشباك وكتبت له على الإزاز ببخار طلعت له من بوقي.. إنت كويس..
حرك راسه إنه اه..
السواق وقف على الباب، وقال " في حد هيطلع تاني؟ هنمشي"
معرفش ليه كنت حاسة بالندم بس مش عارفة ليه..
غمضت عيني وبصيت الناحية التانية..
لقيته قصادي والباص بيمشي ببطء
ـ هو أنا هشوفك تاني؟
ـ احتمال..
ـ عاوز علامة أعرف منها إن في أمل نتجمع من تاني..
ـ كل يوم الساعة تسعة ونص في محطة انتظار الباص..
ـ أنا نازل، ولازم تيجي هه..
نزل وأنا قلبي بيدق أسرع من عجلات الباص.
سابني في دوشة مع نفسي، كنت لسه حاسه بريحته حواليا..
أول ما الباص اختفى، لقيت ورقة مرمية جمبي على الكرسي، الفضول أخدني أفتحها..
لقيت مكتوب جواها " سامحيني على اللي حصل على البحر"
كانت اخر كلمة مبلولة كان اللي كتبها كان بيعيط!
#القلب_يعشق_مرتين
_ الحلقة الأولى
