رواية عزة والبوم الصور الفصل الثالث 3 والاخير بقلم شهيرة عبدالحميد
أسمي عزة
قصتي مأساوية حبتين
عمري ما فكرت إني في يوم هكون قاعدة في عيادة طبيب نفسي زي حضرتك وبحكي قصتي دلوقتي ومش فاهمة إذا كنت هتعالجني فعلًا ولا هتكتبلي شوية مهدئات!
رد الدكتور سالم عليا وهو مقدر رهبتي من أول جلسة، واعتقد اني زي كل الـمرضى الـ مروا عليه، طمني وقال "ليه مهدئات! دي اخر حاجة ممكن ألجألها مع الحالات عمومًا، تقدري تحكي وانتي مطمنة لأني مصدقك من قبل ما أسمع".
بدأت أحكي له عن ريهام أختي من بداية تغيبها
لموت بابا وماما
وسر عمتي صابرين الـ رفضت تقوله كأنه لازم يموت وياها
لكل الـ حصل في شاليه دهب مع زميلتي منة الـ ماكنتش منة أصلًا.
كنت بتكلم بشكل عشوائي وملغبط، كأني منتظراه يفك طلاسم حكايتي، وكان واضح على ملامح دكتور سالم أنه منجذب لحكايتي وكل شوية يقولي "كملي" كأنها حدوتة من خيالي.
خلصت كلامي وانا حاسة بصداع شديد في راسي، وقولتله "أنا كده قولت كل الـ عندي، ارجوك لو تشوفلي مسكن علشان راسي بتنفجىر مني، كل ما افتكر التفاصيل دي بتعب".
اتحرك ناحية مكتبه، جابلي حباية مسكن، وقعد على كرسي الهزاز بتاعه وقالي بابتسامة هادية "طب وموضوع الشاليه المسكون ده حصل امته ؟ وهل حاولتي تروحي تاني بعدها ولا استسلمتي من الخوف؟".
اتنهدت بألم وماكنتش اتمنى اقول ده، لكني كان لازم اصارح نفسي علشان اقدر اتعافى وقولتله "استسلمت.. اخر موقف الـ حكيته ده كان من شهرين، من وقتها نزلت وقولت كفايا عليا كده، مش عايزة أعلق قلبي واعشمه أن ريهام أختي لسه موجودة، أنا عمري كله بدور عليها ويأست".
ضيق عينه وهو مركز معايا شوية وقالي "طب وجيتيلي دلوقتي ليه طالما الموضوع انتهى جواكي!".
كنت متأكدة إني مش هىعرف أهرب منه، وكان لازم احكي الـ خفيته وسط كلامي..
رعشة بتسري في جسمي، وإحساس هربت منه كتير
لاحظ دكتور سامي خوفي، وقالي "صدقيني، هروبك دلوقتي هو سبب العقدة كلها، اتكلمي علشان ده سىلاحك الوحيد دلوقتي".
خدت انفاسي بانتظام وهدوء زي ما قالي، وبدأت أرجع بذاكرتي لأسبوع فات...
لما رجعت من سفرية دهب أعصابي تعبانة، وجريت على حضن عمتو قولتلها "ريهام ماتت غرقانة يا صابرين، أنا شوفتها.. نفس الطفل الـ في الصورة هو الـ خدها وسحبها، كان جوايا أمل كبير اوي في رجوعها، كان نفسي الاقيها وتكونلي الونس والدفء الـ باقي من بابا وماما".
صابرين قعدت تبكي على حالتي، وفضلت حضناني لحد ما نمت في حضنها، ولما صحيت لقيت نفسي نايمة على سريرها وهي مش موجودة في الشقة كلها!
قومت خايفة ومفزوعة، وناديت كتير عليها "صابرين.. أنتِ فين يا عمتو.. صابرين"...
لكن البيت كان فاضي وهادي بشكل مريب!
قلبي كان مقبوض معرفش ليه، وبالصدفة عيني جت على ورقة كراسة محطوطة على السرير الـ كنت نايمة عليه من شوية.
مسكتها وماكنش مكتوب فيها غير كلمة واحدة بس "سامحيني، أنا السبب".
صرخت وأنا بنادي باسمها، مش معقول افقد أخر حد ليا في الدنيا!
وليه تكون سبب؟
ليه يا صابرين ليه
وقفت لحظات مسكت راسي فيهم، بحاول استوعب هي صابرين ممكن تكون راحت فين؟
بصيت في ساعتي لقيت اني منمتش كتير، حوالي ساعة مش اكتر من تعب الطريق، وصابرين حركتها بطيئة، يعني اكيد مبعدتش عن هنا ولا لحقت تمشي.
صوت ورايا ردد "مش هىتلحقيها"
بصيت له بصدمة وخوف
هو نفس الطفل
هو عرفاه كويس
نبرة صوته
شكله المبهدل ومرعب
ضحكته وابتسامته الباردة
نظرة الانتصار والفرحة في عيونه
صرخت فيه لأول مرة رغم الرعب المتملك مني "صابرين فين، انطق، انت مين وبتعمل ليه كده".
ضحك وهو رايح ناحية الشباك ورمى نفسه منه!
وسمعت صوت هبدة قوية كأن في حاجة ضخمة وقعت من مسافة عالية!
جريت ابص عليه
لقيت عمتو صابرين في منظر ميتحملوش أي إنسان على وش الدنيا، والـ أكدلي وقتها إني مبتوهمش أن الناس كلها جريت عليها والشارع اتقلب في لحظة
ناس بتجري
وناس بتغطي جثىتها ودمها بالجرايد
منظر مش قادرة أنساه
من وقتها حبست نفسي في اوضة مخرجتش
وصحابي خافوا يجرالي حاجة
ونصحوني اشوف دكتور نفسي، لأن حالتي بدأت تتطور وبدات اشوف الطفل ده في كل مكان
بيحاولي يتقربلي
مبقتش قادرة أعيش
مش قادرة اعيش
مش قادرة
غصب عني اعصابي تلفت وانا بفتكر وبحكي، ومبقتش عارفة اسيطر ولا بقيت عارفة اوقف كلام وتفكير.
الدكتور كان بيتكلم لكني مش سمعاه، مش سامعة غير نفسي وبس، ومش شايفة غير جثة عمتو وهي منفىجرة في نص الشارع والطفل في ركن بيضحك وشمتان فيا.
واضح أن الدكتور مقدرش يسيطر عليا، ولقيته حقنلي في دراعي حقنة صغيرة كده من بعدها اتشوشت الرؤية عندي تمامًا واعصابي رخت بزيادة ومحستش بشئ.
بس مش معنى كده إني دخلت غيبوبة لأ
أنا كنت واعية، وشايفة وسامعة كل الـ بيحصل
بس إرادتي مسلوبة
مش قادرة أحرك حتى صباع من أيدي
دكتور سالم قعد قصادي وقرب من وشي بزيادة حبتين
كأنه بيتأملني، وبيبتسم ابتسامة غريبة!
وبعدها بدأ يضحك ضحكة مسموعة وقالي "أنتي صعبانة عليا أوي صدقيني، عندك مشكلة في تحديد الضحية والجلاد، صعبان عليكي أن الطفل بياخد حقه منكوا! طب ليه مسألتيش نفسك ليه عمتك متجوزتش طول عمرها؟ ليه محطتيش احتمال صغير أوي أن ابوكي وأمك هما الـ ظلموا مش اتظلموا؟ والضحية كانت ريهام... أنا عارف أنك سمعاني كويس دلوقتي وشيفاني، وأنا اتعمدت ادخلك في حالة الشلل دي علشان اقدر اتكلم براحتي بدون ما تهربي وتخافي، صدقيني أنا مش عايز منك أي حاجة غير توضيح الحقيقة.. اقدملك نفسي.. أنا مازن ابن عمتك صابرين.. حكاية قديمة كده حصلت زمان لما شخص ضحك على صابرين وهربت وياه معتقدة أنه اتجوزها بورقتين، وسابها وهي حامل فيا.. صابرين ملقتش مكان ترجعله إلا بيت اخوها من تاني وده بعد ما غابت شهور اتمرمطت فيهم وجابتني، ولما عرف ابوكي بالفضيحة هو وأمك قالها ان الواد هيتكتب باسمه ويعيش معاه.. وفات ست سنين يا عزة.. ست سنين ابوكي وأمك قدمولي فيهم كل انواع العذاب والإهانة.. صابرين كانت بتسمع صوت صريخي من فوق ومبتقدرش تتدخل ولا تدافع عني.. لحد ما جيتي أنتي يا عزة، اول طفلة لابوكي وأمك، كنت بحبك اوي وانتي صغيرة، بس هما طول الوقت كانوا خايفين عليكي مني، وفي يوم قرر ابوكي يتخلص مني علشان يحافظ عليكي.. وطلعنا سفرية دهب كنت فاكر أنهم بيفسحوني، وخدني من أيدي ودخل بيا في الغويط على أساس أنه بيعلمني السباحة، وسابني فجأة بعافر وبصرخ وخرج كأنه مش سامعني... اعتبروني مجرد طفل غريق محدش عرف أني اتقىتلت على أيد خالي، أو بابا زي ما كنت فاكر.. بس صدقيني أنا مقتلتش ريهام اختك.. في عيد ميلاد ريهام اختك، ماما صابرين جت وراكوا دهب بدون ما حد يعرف بوجودها، وانتقمت لي فيها علشان تقهر قلوبهم زي ما قهروها عليا، وعلى فكرة صابرين فكرت كتير تنتقم فيكي بس كانت بتحبك بزيادة وكمان ماكنتش بتحس أن ابوكي وأمك متعلقين بيكي، كانوا متعلقين بريهام اكتر.. ومعتقدش انك محتاجة التكملة، علشان اقولك صابرين ليه انتىحرت هي كمان".
خلص كلامه، ورجع بضهره على الكرسي واختفت الابتسامة منه وقالي "عزة.. احسن دلوقتي ؟ أنا عارف أنك تعبتي، كفايا كده عليكي ونكمل في جلسة تاني".
كنت قادرة أحرك وقتها اطرافي، واتسندت وقمت جريت من العيادة كلها.. معرفش الدكتور ده حقيقي ولا مجرد وهم هو كمان!
في الوقت ده تاكدت إني مش بس محتاجة أبعد عن البيت، أنا محتاجة أبعد عن البلد كلها وابدأ من جديد
ابدأ في مكان ميعرفنيش ولا اعرفه
ملوش ذكريات معايا
حجزت طيارة للجزائر
وسافرت بعيد
واخترت الجزائر بالتحديد
بقلم/شهيرة عبد الحميد.
تمت
